|
|
الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديدة
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 10:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حين تتحوّل القارة العجوز من مشروع اجتماعي إلى مختبر لتآكل الطبقة الوسطى
I. مشهد افتتاحي: أنتويرب، الساعة السادسة صباحًا
في ضاحيةٍ منسية على أطراف مدينة أنتويرب البلجيكية، حيث تنهض الشمس خجولةً خلف مداخن المصانع القديمة، تستيقظ "إيلين" — مدرّسة في الخامسة والأربعين من عمرها — على وقع منبّهٍ لا يعرف التأجيل. تحتسي قهوتها السوداء واقفةً، تُقلّب أوراق فواتير الكهرباء والغاز التي ارتفعت خلال عامين بنسبة تجاوزت الستين في المئة، تُحصي ما تبقّى من راتبها بعد الإيجار والضرائب وأقساط التأمين الصحي، فتجد أن ما يتبقّى لا يكفي لشراء حذاءٍ شتويّ لابنتها الصغرى.
إيلين ليست فقيرة بالمعنى الإحصائي المتعارف عليه. إنها تنتمي إلى تلك الفئة التي وصفها عالم الاجتماع البريطاني ريتشارد هوغارت ذات يوم بأنها "العمود الفقري الصامت للحضارة الصناعية". إنها من الطبقة الوسطى. لكنها اليوم تشعر — كما قال لي أحد سكان بروكسل في حديث عابر — بأنها "تتساقط ببطء من حافّة الحياة، دون أن يمدّ أحدٌ يده."
هذه ليست حكاية فردية. إنها الفصل الأول من سرديةٍ أوروبيةٍ أوسع، سردية يمكن تلخيصها في جملة واحدة: الطبقة الوسطى الأوروبية تذوب، والنظام السياسي يشاهد.
II. الهندسة الصامتة: كيف تُبنى سياسات تُنهك الوسط؟
في بروكسل، حيث تتشابك ممرّات مؤسسات الاتحاد الأوروبي مثل شرايينٍ بلا قلبٍ واحد، يجري تصميم معادلات اقتصادية تُحدّد مصائر ملايين الأسر. وفي برلين وباريس وروما ولاهاي، تتنافس الحكومات النيوليبرالية على تقديم نفسها كـ"حكومات إصلاح"، لكن كلمة "إصلاح" في القاموس السياسي الجديد لم تعد تعني تحسين حياة الناس، بل إعادة هندسة الأعباء.
في بلجيكا، وعلى مدى الأشهر الماضية، أخذ ما يُعرف بـ"ائتلاف أريزونا" — وهو تحالف حكومي يضم أحزابًا من يمين الوسط واليمين المتطرف — يُعيد رسم الخريطة الاجتماعية للبلاد. تقليص الإنفاق العام، تشديد شروط الاستفادة من المساعدات الاجتماعية، رفع الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك، وتخفيف الضغط الضريبي على رأس المال والثروات الكبرى. النتيجة؟ معادلة رياضية بسيطة وقاسية: من يعيش على راتبه الشهري يدفع أكثر، ومن يعيش على عوائده الرأسمالية يدفع أقل.
هذا ليس استثناءً بلجيكيًا. في فرنسا، أثارت إصلاحات نظام التقاعد عام 2023 موجة احتجاجاتٍ غير مسبوقة، إذ رأى ملايين الفرنسيين فيها ضربةً مباشرة لمكتسبات الطبقة الوسطى. وفي ألمانيا، أدى ما يُسمى "مكابح الدَّين" إلى خنق الاستثمارات العامة في التعليم والصحة والبنية التحتية، وهي المجالات التي تعتمد عليها الطبقة الوسطى أكثر من غيرها. وفي بريطانيا، حوّلت سياسات التقشف منذ 2010 الخدمات العامة إلى هيكلٍ خاوٍ، حتى صار المواطن البريطاني يدفع ضرائبَ أعلى ليتلقّى خدمات أدنى.
لكن السؤال الأعمق ليس: ماذا تفعل الحكومات؟ بل: لماذا تفعل ذلك؟
الإجابة تكمن في تحوّلٍ أيديولوجي عميق. فمنذ الثمانينيات، وتحت تأثير مدرسة شيكاغو والمحافظين الجدد، انتقلت السياسة الاقتصادية الأوروبية تدريجيًا من نموذج "الدولة الاجتماعية" — الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية على تحالف تاريخي بين رأس المال والعمل — إلى نموذج "الدولة التنظيمية" التي تكتفي بإدارة السوق دون التدخل في توزيع ثماره. وهكذا، بدل أن تكون السياسة الضريبية أداة لإعادة التوزيع، صارت أداة لجذب الاستثمارات. وبدل أن يكون الإنفاق العام جسرًا نحو تكافؤ الفرص، صار عبئًا يجب تقليصه.
والنتيجة أن الطبقة الوسطى وجدت نفسها في فجوةٍ مزدوجة: من الأعلى، تتحمّل ضرائب مرتفعة لتمويل دولة تتراجع خدماتها. ومن الأسفل، تتنافس على مواردَ تتناقص مع فئاتٍ أكثر هشاشة. إنها ليست حرب الفقراء على الأغنياء، بل حرب الجميع على الجميع، في ظل نظامٍ يبتسم للثروة ويعبس للعمل.
III. الأرقام لا تكذب: خرائط التآكل
لا يمكن فهم حجم التحوّل دون النظر في الأرقام. ففي منطقة اليورو، انخفضت حصة الطبقة الوسطى — المُعرَّفة بأنها الأسر التي يتراوح دخلها بين 75% و200% من الدخل الوسيط — من 64% من السكان عام 2005 إلى أقل من 58% عام 2023، وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
في بلجيكا، تشير بيانات المكتب الفيدرالي للتخطيط إلى أن القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المتوسط لم ترتفع فعليًا منذ عام 2019، بينما ارتفعت تكاليف السكن بنسبة 34% والغذاء بنسبة 28% والطاقة بنسبة تزيد على 50%. وفي هولندا، صار أكثر من 40% من المستأجرين في القطاع الخاص ينفقون أكثر من ثلث دخلهم على السكن، وهو مؤشرٌ على "الإجهاد السكني" الذي يدفع الشباب إلى تأجيل تكوين الأسرة أو الهجرة إلى مدنٍ أبعد.
وفي ألمانيا، يُقدَّر أن نحو 12 مليون شخص — أي حوالي 15% من السكان — يعيشون تحت خط الفقر النسبي، وهو رقم ارتفع بشكل مطّرد منذ جائحة كورونا. وفي فرنسا، ارتفع عدد المشردين إلى أكثر من 330 ألف شخص، بزيادة تجاوزت 130% خلال عقدٍ واحد.
هذه الأرقام ليست مجرّد إحصاءات باردة. إنها خرائط بشرية لتآكل الطبقة الوسطى. كل رقم يمثل أسرةً تراجعت خطوةً إلى الوراء. وكل نسبة تمثل حلمًا أُجّل أو أُلغي.
IV. الوجه الخفي: الضغط النفسي والتفكّك الاجتماعي
ليست الأزمة اقتصادية فحسب. إنها أزمة نفسية وحضارية. ففي دراسة نشرتها مجلة "لانسيت للصحة العامة" عام 2023، ارتبطت السياسات التقشفية في أوروبا بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الفئات متوسطة الدخل بنسبة تصل إلى 22%. وفي بلجيكا، أفاد المعهد العلمي للصحة العامة بأن استهلاك مضادات الاكتئاب ارتفع بنسبة 18% خلال خمس سنوات.
الأمر لا يتوقف عند الصحة النفسية. فالتفكّك الاجتماعي يتسارع: انخفاض معدلات المواليد، تأجيل الزواج، تراجع المشاركة في الحياة العامة، وارتفاع العزلة. الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخيًا حاملةً للمشروع الاجتماعي — من النوادي والجمعيات إلى الأحزاب والنقابات — تجد نفسها اليوم في حالة "بقاءٍ يومي" لا يترك طاقةً للانخراط الجماعي.
وهنا يظهر سؤال محوري: ما معنى الديمقراطية حين تتراجع الطبقة الوسطى؟ فالديمقراطية الليبرالية ازدهرت تاريخيًا بفضل طبقة وسطى واسعة ومستقرة، قادرة على المشاركة والمساءلة والابتكار المدني. وحين تتراجع هذه الطبقة، يتراجع معها الحقل الديمقراطي نفسه، وتصعد بدلًا منه خطابات الشعبوية والاستقطاب.
V. النموذج المضاد: الصين ورفع الفقراء إلى الطبقة الوسطى
على الضفة الأخرى من العالم، وفي مشهدٍ يبدو للوهلة الأولى متناقضًا مع الحرية السياسية التي تعتبرها أوروبا جوهر وجودها، تتبنّى الصين نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا جذريًا. نموذج لا يرى في الفقراء عبئًا، بل طاقة كامنة يجب تحريرها.
منذ عام 1978، أخرجت الصين أكثر من 800 مليون شخص من الفقر المدقع — وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ البشرية. لكن الأهم ليس الرقم، بل الاستراتيجية: بناء طبقة وسطى واسعة كحجر الأساس للاستقرار الاقتصادي والسياسي.
كيف فعلت ذلك؟
أولًا: الاستثمار في السكن. أطلقت الصين برامج إسكان عام ضخمة، وضبطت أسواق العقارات لضمان ألا تصبح الإيجارات عبئًا خانقًا على الشباب. النتيجة: مدنٌ قادرة على استيعاب الملايين دون أن تتحول إلى غيتوهات للفقر أو أبراجًا للثروة فقط.
ثانيًا: التعليم كجسر للحراك. ضاعفت الصين إنفاقها على التعليم أكثر من عشرين مرة خلال ثلاثة عقود، ورفعت نسبة الالتحاق بالتعليم العالي من أقل من 5% في الثمانينيات إلى أكثر من 60% اليوم. التعليم لم يكن شعارًا، بل سياسة اقتصادية بامتياز.
ثالثًا: الصحة العامة كأساس للإنتاجية. بنت الصين نظامًا صحيًا يغطي أكثر من 95% من السكان، وربطت بين الصحة والقدرة على العمل والإنتاج.
رابعًا: دعم المشاريع الصغيرة. سهّلت الصين على ملايين المواطنين تحويل أفكارهم إلى شركات صغيرة، من خلال قروض ميسّرة وحوافز ضريبية، فتحوّلت الطبقة الوسطى من مجرد مستهلكين إلى منتجين ومبتكرين.
خامسًا: البنية التحتية كشريان للحراك. استثمرت الصين تريليونات في الطرق والسكك الحديدية والاتصالات، فربطت الريف بالمدينة، والفقير بالفرصة.
النتيجة أن الصين اليوم تمتلك أكبر طبقة وسطى في العالم — تُقدَّر بأكثر من 400 مليون شخص — وهي التي تحرّك الاستهلاك الداخلي وتغذّي الابتكار وتضمن الاستقرار الاجتماعي.
بالطبع، لا يمكن نسخ النموذج الصيني كما هو في أوروبا. فالفروق الثقافية والسياسية والتاريخية هائلة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تختار أوروبا تقليص طبقتها الوسطى، بينما تختار الصين توسيعها؟
VI. الدروس المنسية: من شمال أوروبا إلى شرق آسيا
الأمر ليس ثنائيةً بين "النموذج الصيني" و"النموذج الأوروبي". فهناك تجارب أوروبية وآسيوية نجحت في بناء طبقة وسطى قوية، ويمكن أن تقدّم دروسًا ثمينة.
في الدول الاسكندنافية ، ولو انها نموذج لا يؤخذ على محمل الجد ، بسبب عدد السكان القليل والموارد الهائلة ، بُني ما يُعرف بـ"النموذج الشمالي" على توازنٍ دقيق بين سوقٍ حرة ودولةٍ اجتماعية قوية. الضرائب مرتفعة، نعم، لكن الخدمات أيضًا عالية الجودة: تعليم مجاني، صحة شاملة، إسكان اجتماعي، وإجازات مدفوعة. النتيجة: طبقة وسطى واسعة ومستقرة، ومعدلات فقر من الأدنى عالميًا.
القاسم المشترك بين هذه التجارب؟ الإرادة السياسية. قرارٌ واعٍ بأن بناء الطبقة الوسطى ليس ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
VII. المفارقة الأوروبية: بين القيم والممارسة
هنا تظهر المفارقة الكبرى. فأوروبا، التي بنت هويتها على قيم العدالة الاجتماعية والتضامن وحقوق الإنسان، تجد نفسها اليوم تُنتج سياساتٍ تتناقض مع هذه القيم.
كيف حدث ذلك؟
أولًا: وهم "الضرورة الاقتصادية". يقدّم الساسة التقشف كـ"خيارٍ لا بديل عنه"، لكن التجارب المقارنة تُظهر أن هناك دائمًا بدائل. البديل ليس بين "التقشف" و"التبذير"، بل بين أولوياتٍ مختلفة: هل نستثمر في الطبقة الوسطى أم في تخفيض الضرائب على الأثرياء؟
ثانيًا: تغوّل المال في السياسة. في كثير من الديمقراطيات الأوروبية، صار التمويل السياسي معتمدًا بشكل متزايد على المصالح التجارية والمالية، مما يجعل السياسات المنتَجة أكثر ميلًا لحماية الثروة من حماية العمل.
ثالثًا: تراجع النقابات. كانت النقابات تاريخيًا القوة الرئيسية في الدفاع عن الطبقة الوسطى. لكن عضويتها تراجعت من أكثر من 40% في الثمانينيات إلى أقل من 20% في معظم دول أوروبا الغربية، مما أضعف قدرتها على التأثير في السياسات.
رابعًا: خطاب "الفردية". تحوّل الخطاب الثقافي من "نحن" إلى "أنا". من التضامن إلى المنافسة. من الحقوق الجماعية إلى الخيارات الفردية. هذا التحول جعل من الصعب بناء تحالفات سياسية واسعة تدافع عن الطبقة الوسطى.
VIII. خرائط الشوارع: ماذا يقول الناس؟
في بروكسل، التقيت "مراد"، سائق حافلةٍ في الرابعة والخمسين، قال لي: "عملتُ ثلاثين عامًا. دفعتُ ضرائب. ربّيتُ أولادي. والآن أشعر أنني أعمل لأدفع الفواتير فقط. لا شيء يتبقّى. لا سفر. لا ترفيه. لا حياة."
في باريس، حدّثتني "كلير"، ممرضة في الثانية والأربعين: "نحن نُعالج الناس، لكننا لا نستطيع أن نُعالج أنفسنا. راتبي لم يعد يكفي. أفكر في الهجرة إلى كندا."
في برلين، قال لي "يوهان"، أستاذ في الثلاثين: "أعمل بعقد مؤقت. لا أستطيع شراء منزل. لا أستطيع تكوين أسرة. أشعر أنني عالق في منطقة انتظار."
هذه الأصوات ليست شاذة. إنها النبض اليومي لقارةٍ تتراجع فيها الطبقة الوسطى من فاعلٍ اقتصادي إلى ضحيةٍ صامتة.
IX. الآثار الاقتصادية: حين يختنق المحرك
قد يبدو الأمر وكأنه قضية اجتماعية فقط. لكنه في جوهره أزمة اقتصادية.
الطبقة الوسطى هي محرك الاستهلاك. في أوروبا، تمثل الأسر متوسطة الدخل أكثر من 50% من الإنفاق الاستهلاكي. وحين تتراجع قدرتها الشرائية، يتراجع الطلب، وتتباطأ معدلات النمو، وتزيد البطالة.
الطبقة الوسطى هي مصدر الابتكار. رواد الأعمال، المهنيون، المبدعون — هؤلاء يأتون غالبًا من الطبقة الوسطى. وحين تُخنق هذه الطبقة، يُخنق الابتكار.
الطبقة الوسطى هي قاعدة الضرائب. حين تتراجع، تتراجع الإيرادات العامة، وتزيد الضغوط على الميزانيات، فتُقلَّص الخدمات، وتزيد الضرائب، في حلقة مفرغة.
الطبقة الوسطى هي ضامن الاستقرار. المجتمعات التي تمتلك طبقة وسطى واسعة أقل عرضة للاضطرابات والاستقطاب والعنف. وحين تتراجع، يتراجع معها الاستقرار.
X. الطريق إلى الأمام: سياسات التمكين لا التقشف
ما العمل إذن؟
أولًا: إصلاح ضريبي عادل. فرض ضرائب تصاعدية على الثروات الكبرى والعوائد الرأسمالية، وتخفيف العبء عن الدخل المتوسط. وزيادة الانفاق على الفقراء والمتقاعدين لا يمكن أن يكون من يمتلك مليون يورو في الأسواق المالية أقلَّ ضريبةً من من يعمل بأجرٍ شهري.
ثانيًا: استثمار عام في السكن. ضبط أسواق الإيجارات، بناء مساكن اجتماعية، تقديم حوافز للمالكين الذين يقدمون إيجارات معقولة. السكن ليس سلعةً فحسب، بل حقٌّ أساسي.
ثالثًا: تعليم وصحة مجانيان أو ميسوران. لا يمكن بناء طبقة وسطى على أنقاض التعليم والصحة العامة.
رابعًا: دعم المشاريع الصغيرة. تسهيل القروض، تخفيف البيروقراطية، تقديم حوافز ضريبية للشركات الناشئة.
خامسًا: تعزيز الحماية الاجتماعية. ليس كصدقة، بل كاستثمار في الاستقرار. أنظمة البطالة، والمعاشات، والإجازات الأسرية — كلها أدوات لبناء طبقة وسطى مستقرة.
سادسًا: إعادة إحياء الحوار الاجتماعي. إشراك النقابات والمجتمع المدني في صنع السياسات الاقتصادية.
XI. سؤال الحضارة: ما الذي نريد أن نكون؟
القضية ليست اقتصادية فحسب. إنها سؤال حضاري: ما نوع المجتمع الذي نريد؟
هل نريد مجتمعًا تُكدَّس فيه الثروة في يد قلة، بينما تعيش الأغلبية في قلقٍ دائم؟ هل نريد مدنًا تتحوّل إلى مساحاتٍ للعمل فقط، دون حياةٍ أو فرص؟ هل نريد ديمقراطيةً بلا مواطنين، وسوقًا بلا مستهلكين، واقتصادًا بلا محرك؟
أوروبا التي بنت نفسها بعد الحرب على أنقاض الرماد، لم تفعل ذلك بالتقشف، بل بالتضامن. لم تفعل ذلك بإضعاف الطبقة الوسطى، بل بتوسيعها. لم تفعل ذلك بالانحناء للأسواق، بل ببناء دولةٍ قادرة على حماية مواطنيها.
اليوم، تقف أوروبا عند مفترق طرق. إما أن تعيد اكتشاف مبادئها — العدالة الاجتماعية، التضامن، التمكين — أو أن تستمر في الطريق الحالي، حيث الطبقة الوسطى تذوب، والمجتمع يتفكك، والمستقبل ضبابي.
XII. نداء القلب المنسي
في نهاية رحلتي عبر مدن أوروبا، عدت إلى أنتويرب. التقيت "إيلين" مرة أخرى. سألتها: "ما الذي تحتاجينه؟"
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت: "لا أريد صدقة. أريد أن أعمل دون أن أشعر أنني أُعاقب على عملي. أريد أن أدفع ضرائبي وأرى نتائجها. أريد أن أُربي أولادي دون أن أخاف من الغد. أريد أن أكون... طبقة وسطى. كما كنت."
هذه ليست مطالب ثورية. إنها مطالب عادية. لكنها اليوم صارت صعبة المنال في قارةٍ كانت ذات يوم رمزًا للعدالة الاجتماعية.
الطبقة الوسطى ليست رقمًا في جدول. إنها القلب النابض للمجتمع. وحين يُهمَل القلب، يموت الجسد كله.
أوروبا تحتاج إلى إعادة التفكير في نموذجها. ليس عبر تقليد أحد، بل عبر العودة إلى نفسها. إلى مبادئها. إلى وعدها.
فالاقتصاد لا يقوى حين تتكدّس الثروة، بل حين تتوزع على القوة الشرائية للمواطنين بلا تمييز . والمجتمع لا يستقر حين يُهمَل وسطه، بل حين يُبنى على قاعدةٍ واسعة من المواطنين القادرين على الإنتاج والاستهلاك والاستثمار والحلم.
هذا هو الدرس. وهذا هو الطريق. وهذا هو التحدي.
XIII. ملحق: مقاربات بين النموذجين في نص متصل
إذا أردنا أن نُجمل الفرق بين النموذج الأوروبي السائد والنموذج الصيني، فلا يمكن اختزاله في جدول، لأن المسألة أعمق من أرقام متناقضة. إنها فلسفتان مختلفتان في النظر إلى الإنسان والاقتصاد والدولة.
فمن حيث الهدف الاقتصادي، يميل النموذج الأوروبي السائد إلى تقليص الإنفاق العام وجذب الاستثمارات عبر تخفيف الأعباء عن رأس المال، بينما يركز النموذج الصيني الاشتراكي على توسيع الطبقة الوسطى وتعزيز الاستهلاك الداخلي باعتباره المحرك الأساسي للنمو.
وفي السياسة الضريبية، تتجه كثير من الحكومات الأوروبية إلى تخفيف الضرائب على رأس المال والثروات الكبرى، بينما تعتمد الصين مزيجًا من الضرائب التصاعدية والحوافز الموجهة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
أما في الإسكان، فيُترك السوق الأوروبي غالبًا لقوى العرض والطلب، فترتفع الإيجارات وتتضخم الأزمات السكنية، في حين تبني الصين برامج إسكان عام واسعة وتتدخل لضبط الأسعار وحماية الشباب من الإجهاد السكني.
وفي التعليم، تتجه أوروبا تدريجيًا نحو رسوم مرتفعة وخصخصة جزئية، بينما تستثمر الصين استثمارًا عامًا ضخمًا وتوسع التعليم العالي لتجعله جسرًا للحراك الاجتماعي.
وفي الصحة، تتراجع التغطية العامة في بعض الدول الأوروبية تحت وطأة التقشف، بينما تسعى الصين إلى تغطية شبه شاملة تربط الصحة بالقدرة على العمل والإنتاج.
أما دور الدولة، ففي النموذج الأوروبي السائد يصبح تنظيميًا محدودًا، يكتفي بإدارة السوق، بينما في النموذج الصيني يبقى تدخليًا واستراتيجيًا، يوجه الاستثمار ويصنع الأولويات.
والنتيجة النهائية أن أوروبا السائدة تعاني اليوم من تآكل الطبقة الوسطى، بينما تواصل الصين توسيعها. وهذا لا يعني أن النموذج الصيني قابل للنسخ في أوروبا، لكنه يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: لماذا تختار أوروبا أن تُضعف قلبها النابض، بينما يختار غيرها أن يبنيه؟
……………..
XIV. المصادر والمراجع
· منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تقرير "نظرة على المجتمع" 2023. · المكتب الفيدرالي البلجيكي للتخطيط، تقارير اقتصادية 2022-2024. · يوروستات، إحصاءات الفقر والتشرد 2023. · مجلة "لانسيت للصحة العامة"، دراسة حول التقشف والصحة النفسية 2023. · البنك الدولي، تقرير "الفقر والرخاء المشترك" 2022. · بيانات النظام الإحصائي الصيني، تقارير الطبقة الوسطى 2023. · دراسات معهد بروغل، تقارير السياسات الاقتصادية الأوروبية 2023-2024. · أبحاث جامعة هارفارد حول "الطبقة الوسطى والديمقراطية" 2021.
…………
هذا التحقيق الصحفي المستفيض لا يكتفي بعرض المشكلة، بل يُشرّحها عبر مقارباتٍ اقتصادية واجتماعية ونفسية وحضارية ، بعضها فيه تمويه بالاسماء الحقيقية ، وبالاماكن ، و لكنها مستندة إلى أساس عميق عن ما يجري في أوروبا ، ليضع القارئ أمام سؤالٍ وجودي: هل تختار أوروبا إنقاذ قلبها النابض، أم تواصل النبض الأخير قبل الصمت؟
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا
...
-
صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس
...
-
بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
-
سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
-
نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
-
الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
-
حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول
...
-
حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد
...
-
مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف
...
-
حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات:
...
-
شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل
...
-
كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي
...
-
“الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت
...
-
مهندسو الوهم.. مسرحية ساخرة في ثلاثة فصول وثلاثين مشهدًا
-
باب المندب: حين تُكتب نهاية عصرٍ من رحم الجغرافيا.. تحوّلات
...
-
اليمن عند تسارع التحرير: سقوط المخا وحيس ومعسكر خالد بن الول
...
-
خرائط الممرات: دراسة مقارنة لكتابي في الأدب الجيوسياسي العال
...
-
مسرحية -العالم مسرح... والحمقى ممثلوه- كوميديا تراجيدية في خ
...
-
مسرحية ساخرة : -ترامبوصوف: يوم دمر الرئيس البحرية الإيرانية.
...
-
التقاطع الخفي: كيف يتوحد اليمين الألماني تحت سقف النيوليبرال
...
المزيد.....
-
عراقجي يكشف خطط الرئيس الإيراني خلال زيارته إلى نيويورك
-
حصريا: انطلاق العام الدراسي في إيران مع ارتفاع الرسوم 3 أضعا
...
-
المغرب: استثمارات ومشاريع كبرى فهل يجد الشباب نصيبه من ثماره
...
-
فوائد لا تتوقعها .. لماذا ينصح الخبراء بالحبوب الكاملة؟
-
العلاقات الروسية الجزائرية.. من إزالة 1.5 مليون لغم فرنسي إل
...
-
اختطاف أسير محرر في قطاع غزة
-
هجوم مكثف على أهداف في أوكرانيا
-
مجموعات كبيرة من المستوطنين تهاجم بلدة سلواد شرق رام الله
-
دراسة يابانية: مستخلص الكركم يحسّن مؤشرات الذاكرة والانتباه
...
-
إيران تبدأ -الهندسة العكسية- لغواصة أمريكية مسيرة انتشلتها ف
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|