أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - الفلاح المغربي المدافع عن العرش: حين تصبح البادية قاعدة لإعادة إنتاج السلطة















المزيد.....

الفلاح المغربي المدافع عن العرش: حين تصبح البادية قاعدة لإعادة إنتاج السلطة


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 15:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس كتاب «الفلاح المغربي المدافع عن العرش» مجرد دراسة في الفلاح المغربي، ولا مجرد بحث في تاريخ البادية وعلاقتها بالسلطة، إن أهميته تتجاوز موضوعه المباشر، لأنه يضع اليد على إحدى المسائل التي ظلت حاسمة في فهم الدولة المغربية: كيف استطاعت الملكية، في مغرب ما بعد الاستقلال، أن تبني جزءا من استقرارها السياسي على تحالفات اجتماعية داخل العالم القروي؟
العنوان نفسه يحمل قدرا من الاستفزاز النظري، فالفلاح في المخيال السياسي، يفترض أن يكون موضوعا للاستغلال، وأن يكون جزءا من الفئات الاجتماعية التي تبحث عن التحرر من علاقات التبعية والملكية غير المتكافئة، كيف يتحول إذن إلى «مدافع عن العرش»؟
السؤال هنا لا ينبغي أن يقودنا إلى أحكام أخلاقية من نوع: الفلاح محافظ أو الفلاح تابع أو البادية بطبيعتها معادية للتغيير، مثل هذه الأحكام لا تفسر شيئا، بل إنها في نهاية المطاف تستبدل التحليل الاجتماعي بالصور النمطية، السؤال الحقيقي هو: أي فلاح؟ وأية بادية؟ وأية علاقات اجتماعية جعلت هذا الاصطفاف ممكنا؟ هنا تبدأ السياسة.

الفلاح ليس كتلة واحدة

من الأخطاء التي تقع فيها بعض القراءات السطحية للمجتمع القروي التعامل مع الفلاحين باعتبارهم كتلة اجتماعية متجانسة، لكن البادية ليست عالما بلا طبقات، هناك المالك الكبير والمالك المتوسط والفلاح الصغير والمزارع المعدم والعامل الزراعي الذي لا يملك سوى قوة عمله، وهناك الأعيان والوسطاء المحليون، وشبكات القرابة، والسلطات التقليدية، ومختلف أشكال النفوذ المرتبطة بالأرض والثروة والإدارة، وبالتالي فإن عبارة «الفلاح المدافع عن العرش» تخفي وراءها سؤالا طبقيا ينبغي تفكيكه.
فحين يدافع مالك كبير عن النظام، فإنه لا يفعل ذلك بالضرورة للأسباب نفسها التي تحرك فلاحا صغيرا، وحين يصوت فلاح فقير لصالح مرشح مدعوم من السلطة، فإن ذلك لا يعني أنه يحمل بالضرورة وعيا سياسيا ملكيا أو موقفا أيديولوجيا محافظا، السياسة أكثر تعقيدا من ذلك.
إنها تتشكل من المصالح، والخوف والاعتماد والزبونية والوساطة والانتظار والأمل وأحيانا من غياب البديل، وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الكتاب: أنه يدفعنا إلى البحث عن البنية التي تنتج السلوك السياسي بدل الاكتفاء بوصف السلوك نفسه.

من الاستعمار إلى الدولة الوطنية

لم يكن الاستقلال مجرد لحظة اختفاء فيها الاستعمار لتحل محله دولة وطنية مكتملة الأركان، لقد ورثت الدولة الجديدة أجهزة وبنيات وعلاقات اجتماعية، كما ورثت تفاوتات طبقية ومجالية عميقة.
والأهم أن بعض النخب التي ارتبطت، بدرجات مختلفة بالنظام الاستعماري لم تختف بمجرد حصول البلاد على الاستقلال، فقد أعيد ترتيب مواقعها، وأعيد إدماج قسم منها داخل الدولة الجديدة، وهنا نصل إلى مسألة جوهرية: القطيعة السياسية لا تعني بالضرورة القطيعة الاجتماعية.
قد يتغير العلم ويتغير الخطاب ويتغير الجهاز الإداري، لكن علاقات القوة يمكن أن تستمر بأشكال جديدة، وهذا ما يجعل بناء الدولة بعد الاستقلال عملية مركبة: فهي من جهة دولة وطنية تحاول تثبيت سيادتها، ومن جهة أخرى دولة تحتاج إلى وسطاء اجتماعيين يصلون المركز بالمجتمع، وفي البادية تحديدا كان الأعيان أحد أهم هؤلاء الوسطاء.

الأعيان: الحلقة التي تصل الدولة بالمجتمع

إن فهم الدور الذي لعبته النخب المحلية يسمح بفهم أعمق للعنوان، لم تكن الدولة بحاجة إلى أن تكون موجودة ماديا في كل قرية حتى تكون حاضرة سياسيا، كان يكفي أن تكون لها شبكة من الوسطاء، الوجيه المحلي والمنتخب والشيخ والقائد وكل من يمتلك موقعا داخل شبكة العلاقات القروية، يمكن أن يصبح جزءا من آلية تحويل السلطة المركزية إلى نفوذ محلي، وهنا لا تعود الانتخابات مجرد انتخابات، تصبح آلية لإعادة توزيع النفوذ، ويصبح المنتخب ليس فقط ممثلا للسكان، بل وسيطا بينهم وبين الإدارة، وهكذا تتحول السياسة إلى شبكة من العلاقات: خدمات مقابل ولاء، وساطة مقابل نفوذ، دعم انتخابي مقابل امتيازات، وقرب من السلطة مقابل قدرة أكبر على التأثير، هذه ليست تفاصيل هامشية، إنها إحدى الطرق التي تشتغل بها السلطة في الواقع.

ما لم تفهمه قطاعات من اليسار

لكن قراءة الكتاب من زاوية نقدية تطرح سؤالا أكثر إحراجا: لماذا استطاعت الدولة أن تجد طريقها إلى البادية، بينما ظل اليسار في كثير من الأحيان، عاجزا عن بناء حضور اجتماعي مستقر فيها؟ هذه المسألة لا يمكن تفسيرها فقط بالقمع أو بالتزوير الانتخابي أو بضعف الإمكانيات، كل ذلك موجود لكنه لا يكفي، المشكلة أعمق فجزء من اليسار تعامل طويلا مع البادية باعتبارها مجالا متأخرا ينبغي «تنويره»، بدل النظر إليها باعتبارها مجالا للصراع الطبقي والسياسي له دينامياته الخاصة.
وتعامل أحيانا مع الفلاح باعتباره تابعا للبرجوازية أو للأعيان، بدلا من البحث عن التناقضات الموجودة داخل الفئات الفلاحية نفسها، والنتيجة أن الدولة دخلت إلى المجال القروي بواسطة شبكاتها ومصالحها ووسطائها، بينما بقي اليسار في كثير من الحالات أسير المدينة، والنقابة والجامعة والمجال الثقافي، وهنا تظهر إحدى مفارقات التاريخ السياسي المغربي: القوى التي أرادت تغيير المجتمع لم تنجح دائما في بناء أدوات سياسية وسط الفئات الاجتماعية التي يفترض أن يكون التغيير في مصلحتها.

السلطة لا تحتاج دائما إلى الإقناع

ليس من الضروري أن يكون المواطن مقتنعا أيديولوجيا بالنظام حتى يصبح جزءا من قاعدة استقراره، وهذه مسألة أساسية.
يمكن أن يكون الفلاح فقيرا، وأن يكون متذمرا من أوضاعه، وأن يكون ناقما على الإدارة، لكنه في الوقت نفسه يصوت لصالح مرشح مرتبط بالسلطة.
لماذا؟ لأن السياسة ليست دائما تعبيرا مباشرا عن الوعي الطبقي، هناك علاقات التبعية، هناك الخوف، هناك الحاجة إلى الوساطة، هناك غياب البديل.
وهناك أيضا الاعتقاد بأن السلطة المركزية، مهما كانت بعيدة، هي الجهة الوحيدة القادرة على حل المشكلات، ومن هنا فإن إعادة إنتاج السلطة لا تحتاج دائما إلى إقناع الناس بأن النظام عادل، يكفي أحيانا أن تجعلهم يعتقدون بأنه لا بديل عنه، وهذه أخطر أشكال الهيمنة.

الدرس السياسي للكتاب

إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب اليوم لا تكمن في إعادة إنتاج أطروحاته كما هي، وإنما في استعماله لطرح سؤال ما زال مفتوحا:
كيف تبنى الهيمنة السياسية داخل المجتمع؟
فالهيمنة لا تنتج في البرلمان وحده، ولا في أجهزة الدولة وحدها، ولا عبر الانتخابات وحدها.
إنها تُنتج أيضا داخل القرية، وفي علاقات الأرض، وفي شبكات القرابة، وفي السوق، وفي الإدارة، وفي علاقة المواطن بالمنتخب، وفي كل تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو غير سياسية لكنها في النهاية تشكل السياسة.
ومن هنا فإن أي مشروع يساري يريد أن يستعيد موقعه في المجتمع لا يستطيع أن يكتفي بالشعارات الكبرى، عليه أن يعرف المجتمع الذي يريد تغييره.
أن يعرف المدينة والقرية، العامل والفلاح، المأجور وصاحب العمل، الشباب والنساء، المهمشين والفئات الوسطى، وأن يفهم أن الطبقات لا تتحرك دائما بالطريقة التي تتوقعها منها الكتب.

من «الفلاح المدافع عن العرش» إلى الفلاح الباحث عن الخلاص

ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم مختلفا عن السؤال الذي طرحه الكتاب في لحظته التاريخية، لم يعد السؤال فقط: لماذا دافع جزء من الفلاحين عن العرش؟
بل لماذا لم يتحول الفلاح الفقير، رغم التناقضات التي يعيشها، إلى قوة اجتماعية وسياسية مستقلة؟
وهذا سؤال يتعلق باليسار بقدر ما يتعلق بالدولة، فالهيمنة ليست مجرد قوة تفرض من فوق، إنها أيضا فشل البدائل في بناء نفسها من تحت.
حين لا يجد الفلاح تنظيما يعبر عن مصالحه، ولا مشروعا سياسيا يربط مشكلته اليومية بمسألة العدالة الاجتماعية، ولا قوة تستطيع أن تمنحه الثقة في قدرته على تغيير واقعه، فإنه سيبحث عن الحماية حيث يجدها، وهنا يصبح النظام قادرا على تقديم نفسه باعتباره الضامن الأخير للاستقرار.
ليس لأنه أنهى التفاوتات، بل لأنه نجح في احتلال موقع الوسيط الذي لا يمكن تجاوزه.

ما الذي يبقى من الكتاب؟

بعد عقود من صدور الكتاب، يمكن أن تتغير البادية، وتتغير بنية الدولة وتتغير الأحزاب وتتغير أشكال الانتخابات، لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: من يملك القدرة على تحويل المصالح الاجتماعية إلى قوة سياسية؟ هذا هو جوهر المسألة.
فالفلاح ليس بطبيعته ملكيا، كما أنه ليس بطبيعته ثوريا، والعامل ليس ثوريا بمجرد كونه عاملا، والطبقة لا تتحول إلى قوة سياسية لمجرد وجودها الموضوعي.
بين الموقع الاجتماعي والوعي السياسي والتنظيم توجد مسافة هائلة، وهذه المسافة هي بالضبط ميدان السياسة.
لذلك فإن قراءة «الفلاح المغربي المدافع عن العرش» اليوم ينبغي ألا تكون بحثا عن إجابة جاهزة، بل عودة إلى سؤال ظل اليسار يهرب منه طويلا: كيف نبني القوة الاجتماعية القادرة على تحويل الغضب المتناثر إلى مشروع للتغيير، وتحويل الفئات المقهورة من موضوع للسياسة إلى ذات سياسية تصنع تاريخها؟ عند هذه النقطة يصبح الكتاب أكثر من دراسة عن الفلاح.
إنه كتاب عن السلطة وعن الدولة وعن المجتمع، وعن عجز البدائل حين لا تستطيع أن تجد طريقها إلى الناس.
وهذا هو السبب الحقيقي الذي يجعل العودة إليه اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لفهم حاضر لم يغلق بعدُ حساباته مع ذلك الماضي.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسحاق دويتشر وتروتسكي: بين إنقاذ الذاكرة واغتيال الصورة السي ...
- ليون تروتسكي: الثورة، الديمقراطية ومأزق السلطة في ذكرى اغتيا ...
- الرجل الضاحك: حين يصبح وجه الإنسان مرآة لمجتمع مشوه
- ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي
- جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار
- دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين
- عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...


المزيد.....




- شبكتا CNN وMS Now وموقع Politico يقاضون إدارة ترامب بسبب منع ...
- رأي.. أردم أوزان يكتب: فخ السرعة.. لماذا يواجه -تحالف مكة- ا ...
- تصعيد إسرائيلي واسع في جنوب لبنان.. قصف مدفعي وغارات وتفجيرا ...
- قوة عسكرية تطوق مقر مجلس النواب الليبي في بنغازي وسط تصعيد ب ...
- هيئة -أسطول الصمود- بتونس تعلن إيقاف 15 ناشطا في حملة أمنية ...
- مع اقتراب موعد الاعتدال.. هل يتساوى الليل والنهار حقا في أول ...
- طائرات عسكرية تستعرض مهاراتها خلال أقدم مهرجان جوي في إسباني ...
- -هل هذه نهاية الزمان؟-.. رصد أضواء غامضة في سماء طهران تثير ...
- روبوتات صينية تذهل الجمهور ولجنة التحكيم في -أمريكا غوت تالن ...
- كردستان العراق: توحيد جميع قوات البيشمركة بمؤسسة واحدة


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - الفلاح المغربي المدافع عن العرش: حين تصبح البادية قاعدة لإعادة إنتاج السلطة