أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاريخيا














المزيد.....

فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاريخيا


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 00:13
المحور: الادب والفن
    


هناك شعراء يكتبون قصائدهم، وهناك شعراء تتحول حياتهم نفسها إلى قصيدة. وكانت فروغ فرخزاد من الصنف الثاني. لم تكن مجرد شاعرة إيرانية كسرت بعض القواعد الفنية، بل كانت ظاهرة ثقافية كشفت التناقضات العميقة التي عاشها المجتمع الإيراني في منتصف القرن العشرين، حين كانت الحداثة تدخل من أبواب الاقتصاد والدولة، بينما بقيت العلاقات الاجتماعية، وخاصة وضع المرأة، أسيرة بنى تقليدية تعيد إنتاج الهيمنة الذكورية بأشكال جديدة.
ولدت فروغ سنة 1935 في أسرة عسكرية، أي داخل مؤسسة تقوم على الانضباط والطاعة والتراتبية. ولم يكن هذا التفصيل البيوغرافي عابرا، فالعائلة، مثلها مثل الدولة، كانت تمثل سلطة منظمة تحدد للفرد مكانه وحدود حريته. ولذلك لم يكن تمرد فروغ على الزواج المبكر، أو على الصورة التقليدية للمرأة، مجرد قرار شخصي، بل كان بداية مواجهة مع منظومة اجتماعية كاملة.
حين تزوجت وهي في السادسة عشرة، ثم طلقت بعد سنوات قليلة، وخسرت حق حضانة ابنها، لم تكن تخسر معركة عائلية فقط، بل كانت تصطدم بالقانون والثقافة والأخلاق السائدة التي كانت تعتبر المرأة المطلقة كائنًا ناقص الشرعية الاجتماعية. ومن هذه التجربة خرج شعرها، لا باعتباره اعترافات ذاتية، وإنما باعتباره كشفا للعنف الرمزي الذي يمارس على المرأة باسم الفضيلة والأسرة والتقاليد.
لهذا تعرضت فروغ لحملة رفض واسعة. ولم يكن المجتمع غاضبا من قصائدها لأنها ضعيفة، بل لأنه وجد فيها امرأة تتحدث بصوتها الخاص، وتكتب عن الحب والرغبة والخوف والوحدة من موقع الذات، لا من موقع الصورة التي صنعها الرجل عنها. لقد كان صوتها إعلانًا بأن المرأة ليست موضوعًا للأدب، بل فاعلا فيه، وليست موضوعا للوصاية، بل ذاتا تمتلك حق التفكير والاختيار.
غير أن قراءة فروغ بوصفها أيقونة نسوية فقط تبقى قراءة ناقصة. فقد عاشت في إيران الشاه، حيث كانت الدولة تقدم نفسها بوصفها مشروعا للتحديث، لكنها كانت في الوقت نفسه تعيد إنتاج الاستبداد السياسي والتفاوت الاجتماعي والتبعية للرأسمالية العالمية. وهنا تظهر إحدى مفارقات التاريخ: فقد تستطيع الدولة أن تبني المصانع والطرق والجامعات، لكنها تعجز عن بناء إنسان حر إذا بقيت السلطة، داخل الأسرة والمجتمع والسياسة، قائمة على الخضوع.
لهذا كانت فروغ، من حيث تدري أو لا تدري، تكشف حدود الحداثة الشكلية. فالتحرر الحقيقي لا يقاس بعدد المدارس أو حجم العمران، بل بقدرة الإنسان على امتلاك جسده وصوته ووعيه ومصيره.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في تجربتها السينمائية، خاصة فيلم "البيت أسود" عن مرضى الجذام. لم تنظر إلى المرض بوصفه حالة بيولوجية فقط، بل بوصفه استعارة لمجتمع يعزل المختلفين ويخفيهم حتى لا يرى صورته الحقيقية. لقد كانت كاميرتها منحازة إلى المهمشين، تمامًا كما كان شعرها منحازًا إلى الإنسان الذي يسحقه النظام الاجتماعي.
ثم جاء ديوان "ميلاد جديد" ليعلن اكتمال تحولها الشعري. لم تعد القصيدة عندها وصفا للعواطف، بل أصبحت بناء فلسفيا يبحث عن معنى الوجود والزمن والحرية. ومن هنا استحقت مكانتها في تاريخ الشعر الفارسي الحديث، ليس لأنها جددت اللغة فقط، بل لأنها جددت موقع الإنسان داخل اللغة.
إن مأساة فروغ أنها رحلت سنة 1967، وهي في الثانية والثلاثين من عمرها، قبل أن ترى التحولات الكبرى التي ستعرفها إيران لاحقا. لكن المفارقة أن الموت لم ينه حضورها، بل منحه بعدا أسطوريا. فكل جيل جديد يعيد اكتشافها، لأن الأسئلة التي طرحتها لم تفقد راهنيتها: كيف يمكن للمرأة أن تكون حرة في مجتمع أبوي؟ وكيف يمكن للفن أن يقاوم السلطة؟ وهل يكفي تحديث الاقتصاد إذا بقي الإنسان أسيرا للخوف؟
إن فروغ فرخزاد ليست مجرد اسم في تاريخ الأدب الإيراني، بل شاهد على أن الحرية ليست منحة تقدمها السلطة، وإنما فعل وجودي وثقافي واجتماعي ينتزعه الإنسان بثمن باهظ. ولذلك ظل شعرها حيا، لأن القضايا التي حملها ما تزال حية، ولأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعيش أطول من أصحابها.
لقد كتبت فروغ حياتها بالشعر، لكن المجتمع كتب نهايتها بالمقاومة التي واجهتها. وبين الكتابتين وُلد أحد أكثر الأصوات الإنسانية عمقًا في الأدب الحديث، صوت يؤمن بأن تحرير المرأة ليس قضية خاصة بالنساء، بل هو جزء لا يتجزأ من مشروع تحرير الإنسان نفسه.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...
- بمناسبة ذكرى ميلاده: لينين كإشكالية راهنة
- مزن النيل: حين يصبح الفقد مساءلة لضمير اليسار
- بين الإمبرياليات الصاعدة وأوهام “المعسكرات”: قراءة ماركسية ن ...


المزيد.....




- -يوم الكشف-.. هل نجح الفيلم في استعادة سحر الخيال العلمي؟
- الثقافة الإيطالية تنتقد خطة الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل بينا ...
- معارض إيطالي: نية المفوضية الأوروبية وقف تمويل بينالي البندق ...
- المسرح المغربي يودع محمد الزيات بعد مسيرة امتدت لأكثر من 4 ع ...
- الطب الشرعي يكشف سبب وفاة الممثلة التركية إيجي أرتيم ويحسم ل ...
- مجلس الشعب السوري يعقد أولى جلساته بعد سقوط الأسد، والشرع يد ...
- اللواء رضائي: إذا نجح الأعداء في ترسيخ ثقافة اغتيال القادة ف ...
- المفوضية الأوروبية توصي بوقف تمويل بينالي البندقية بسبب مشار ...
- سوق السلاح في عمّان.. إرث الفروسية تحرسه القوانين
- المتحف الروسي في بطرسبورغ يفتح أبوابه مجانا للمشاركين في ال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاريخيا