أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس














المزيد.....

جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 16:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا ينبغي فهم عبارة "يريدون خلق جيل من الضباع" بوصفها شتيمة أخلاقية أو مبالغة لغوية، بل باعتبارها توصيفا لمآل مشروع اجتماعي وسياسي يعيد تشكيل الإنسان وفق حاجات النظام الاقتصادي السائد. فالمسألة ليست أن المجتمع فقد أخلاقه فجأة، وإنما أن منظومة كاملة تعمل على إنتاج نموذج جديد من الإنسان: فرد معزول، شديد التنافس، ينظر إلى الآخرين باعتبارهم منافسين أو وسائل لتحقيق مصالحه، لا شركاء في بناء مستقبل مشترك.

لقد أدركت الرأسمالية المعاصرة، وخاصة في مرحلتها النيوليبرالية، أن السيطرة لا تتحقق بالقوة وحدها، بل بإعادة تشكيل الوعي. فالمدرسة، والجامعة، والإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، لم تعد مجرد مؤسسات لنقل المعرفة أو الثقافة، بل أصبحت، بدرجات متفاوتة، فضاءات لإنتاج الفرد الذي يتماهى مع منطق السوق، ويعتبر المنافسة قانونا طبيعيا للحياة، والنجاح الفردي القيمة العليا التي تبرر كل الوسائل.

إن تراجع المدرسة العمومية ليس مجرد أزمة في الميزانية أو المناهج، بل هو جزء من إعادة هيكلة المجتمع. فحين تتحول المدرسة من فضاء لبناء المواطن إلى مؤسسة لإنتاج "رأس المال البشري"، يصبح التعليم مجرد استثمار اقتصادي، وتتحول المعرفة إلى سلعة، ويختزل الإنسان في كفاءته الإنتاجية، لا في وعيه النقدي أو مسؤوليته الاجتماعية.

وفي هذا السياق، لا يصنع "جيل الضباع" داخل الفصول الدراسية فقط، بل داخل مجتمع يعيد تعريف النجاح باعتباره قدرة على التفوق على الآخرين، لا معهم. مجتمع يكافئ الانتهازية ويسميها ذكاء، ويحول التضامن إلى سذاجة، والعمل الجماعي إلى ضعف، بينما يمجد الاستهلاك والثراء السريع باعتبارهما المقياس الوحيد للقيمة الاجتماعية.

إن ما يبدو انحلالا أخلاقيا ليس سوى انعكاس لانحلال البنية الاجتماعية نفسها. فالإنسان الذي يعيش في ظل البطالة، والهشاشة، وغلاء المعيشة، وغياب الأفق، يجد نفسه مدفوعا إلى خوض معركة يومية من أجل البقاء. وهنا تنجح النيوليبرالية في تحويل ضحاياها إلى متنافسين فيما بينهم، بدل أن يتحولوا إلى قوة اجتماعية تدافع عن مصالحها المشتركة. إنها تزرع الصراع الأفقي بين المقهورين حتى يبقى الصراع الحقيقي مع البنية المنتجة للقهر غائبًا عن الوعي.

ولذلك، فإن أخطر ما أنتجته النيوليبرالية ليس فقط الفقر أو اللامساواة، بل إعادة تشكيل الشخصية الإنسانية نفسها. شخصية ترى العالم كسوق، والعلاقات الإنسانية كصفقات، والسياسة كوسيلة لتحقيق المصالح الخاصة، والثقافة كسلعة للترفيه، والتعليم كأداة للحصول على وظيفة، لا كوسيلة لتحرير العقل.

ومع ذلك، فإن التاريخ لا يسير في اتجاه واحد. فكل نظام ينتج تناقضاته، وكل محاولة لتشييء الإنسان تفتح في الوقت نفسه إمكانات مقاومته. ومن هنا فإن الدفاع عن المدرسة العمومية، وعن الثقافة النقدية، وعن الإعلام الحر، وعن التنظيمات الديمقراطية والنقابية، ليس دفاعا عن مؤسسات معزولة، بل عن فكرة الإنسان نفسها، وعن حقه في أن يكون مواطنا لا مجرد مستهلك، وفاعلا اجتماعيا لا مجرد رقم في سوق العمل.

إن القضية، في النهاية، ليست قضية جيل بعينه، بل قضية مجتمع يراد له أن ينسى أن الإنسان كائن اجتماعي، وأن حريته لا تتحقق إلا بحرية الآخرين، وأن العدالة ليست عائقا أمام التقدم، بل شرطه الأساسي.

قد ينجح النظام في إنتاج أفراد يشبهون الضباع في سلوكهم، لكنه يعجز دائما عن إلغاء قدرة الإنسان على المقاومة، وعلى استعادة إنسانيته كلما أدرك أن ما يبدو قانونا طبيعيا للمنافسة ليس سوى نتاج نظام تاريخي قابل للنقد والتغيير. ولهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس على التكيف مع الغابة، بل على بناء مجتمع لا يحتاج الإنسان فيه إلى أن يتحول إلى ضبع كي يعيش بكرامة.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...
- بمناسبة ذكرى ميلاده: لينين كإشكالية راهنة
- مزن النيل: حين يصبح الفقد مساءلة لضمير اليسار
- بين الإمبرياليات الصاعدة وأوهام “المعسكرات”: قراءة ماركسية ن ...
- سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة
- ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت


المزيد.....




- نظارات ماكرون الشمسية تعود.. ما قصتها؟
- فضل شاكر أمام إخلاء سبيل محتمل: كيف بدأت القصة وأين وصلت؟
- رداً على تصريحات ترامب.. رئيسة وزراء الدانمارك: غرينلاند ليس ...
- -الأوكتاغون-.. أكبر مجمع عسكري في العالم في بلد يئن من الفقر ...
- دواء سريع الفعالية للحساسية
- تحذير من منتجات أطفال خطرة تُباع عبر منصات التسوق الإلكتروني ...
- روسيا تؤكد استمرار تقدم قواتها على جميع جبهات القتال وتكبيد ...
- سبح حتى الإرهاق ثم اختفى.. مصرع المؤثر الأمريكي كونور ميرفي ...
- النوم والصحة الجنسية.. دراسة تكشف رابطا مهما لدى الرجال
- موناكو.. استمرار التحقيق في محاولة اغتيال الأوليغارشي الأوكر ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس