أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لهاني نقشبندي














المزيد.....

حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لهاني نقشبندي


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 15:47
المحور: الادب والفن
    


"لا يولد القاتل مجرما، كما هو رجل الدين لا يولد شيخا. كلاهما يصبح ما هو عليه من البيئة التي نصنعها حوله... ونحن، أيها السادة، كما قد نجعل من الجاهل عالم دين، قد نجعل من الجاهل ذاته متطرفا."

يختزل هذا المقطع أحد أكثر الأسئلة الإنسانية إرباكا: هل الشر صفة فطرية أم نتاج اجتماعي؟ وهل التطرف خيار فردي محض أم نتيجة شروط تاريخية وسياسية وثقافية محددة؟

في رواية "نصف مواطن محترم"، لا يكتفي هاني نقشبندي بسرد حكاية فرد اصطدم بجدار السلطة، بل يحاول تشريح الآليات الخفية التي تحول الإنسان العادي إلى أداة في يد القمع أو ضحية له. فالرواية تنتمي إلى ذلك النوع من الأدب الذي يرفض تفسير الواقع عبر ثنائية الخير والشر، ويفضل البحث في الشروط التي تنتج كليهما.

تكمن قوة المقطع السابق في أنه ينسف الفكرة المحافظة التي ترى المجرم أو المتطرف كائنا استثنائيا خرج من رحم الشر المطلق. فالكاتب يعيدنا إلى سؤال البيئة الاجتماعية والسياسية التي تصنع الوعي وتعيد تشكيله. فالجاهل نفسه الذي يمكن أن يتحول إلى داعية ديني محترم في سياق معين، قد يتحول إلى متطرف أو قاتل في سياق آخر. ليست المسألة متعلقة بجوهر الإنسان بقدر ما هي مرتبطة بالبنية الاجتماعية التي تؤطره.

هنا تلتقي الرواية مع تقاليد أدبية وفكرية عريقة، من دوستويفسكي الذي رأى في الجريمة نتاجا لأوضاع إنسانية معقدة، إلى الأدب السياسي الذي يبحث عن الجذور الاجتماعية للعنف بدل الاكتفاء بإدانته أخلاقيا. فالمجتمعات التي تنتج التهميش والقهر والإقصاء لا يمكنها أن تتفاجأ عندما تنتج في المقابل أشكالا مختلفة من التطرف والعنف.

ولعل هذا ما يجعل الرواية راهنية حتى اليوم. فالعالم العربي لم يعش فقط أزمة ديمقراطية أو أزمة تنمية، بل عاش أيضا أزمة إنتاج للمعنى. وحين تعجز المؤسسات التعليمية والثقافية والسياسية عن منح الأفراد أفقا للكرامة والمشاركة، تظهر قوى أخرى تملأ الفراغ، سواء كانت سلطات استبدادية أو تيارات متطرفة.

إن المقطع المذكور لا يدافع عن المجرم ولا يبرر التطرف، بل يدعونا إلى تجاوز التفسير السطحي للأحداث. فإدانة العنف لا تعني تجاهل شروط إنتاجه. تماما كما أن محاربة التطرف لا يمكن أن تتم فقط عبر السجون والمحاكم، بل عبر بناء مجتمع أكثر عدالة وحرية وكرامة.

لهذا تبدو "نصف مواطن محترم" أكثر من مجرد رواية سياسية؛ إنها دعوة للتأمل في مسؤوليتنا الجماعية عن العالم الذي نصنعه. فالمجتمع الذي يزرع الخوف يحصد الخضوع، والمجتمع الذي يزرع الإقصاء يحصد التطرف، أما المجتمع الذي يزرع الحرية فيمنح أفراده فرصة أن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة، لا أنصاف مواطنين يبحثون عن مكان لهم داخل وطنهم.

وفي هذا المعنى تحديدا، لا يصبح السؤال: لماذا ظهر المتطرف أو المجرم؟ بل: أي مجتمع صنعه؟ وأي شروط سمحت له بأن يصبح ما هو عليه؟



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...
- بمناسبة ذكرى ميلاده: لينين كإشكالية راهنة
- مزن النيل: حين يصبح الفقد مساءلة لضمير اليسار
- بين الإمبرياليات الصاعدة وأوهام “المعسكرات”: قراءة ماركسية ن ...
- سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة
- ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت
- بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس
- ليون تروتسكي: الكلمة التي ثارت — قراءة أدبية في كتاباته وأسل ...
- كلارا زتكين: المسألة النسوية في قلب الصراع الطبقي


المزيد.....




- المجمع المعماري لمركز معارض عموم روسيا في موسكو يستعد لتقييم ...
- ألكسندر بلوك.. رحيل أنهى حقبة العصر الفضي للأدب الروسي
- لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...
- نوادر أدبية وفنية في مزاد ليتفوند.. من نيكراسوف المحظور إلى ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لهاني نقشبندي