سعد بن علال
الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 15:01
المحور:
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
رحيل مزن النيل ليس مجرد خبر عابر في شريط الفقد الذي يثقل كاهل هذه المنطقة من العالم، بل هو لحظة كاشفة، لحظة تعيد طرح السؤال القديم-الجديد: لماذا تخسر الحركة الثورية دوما أفضل أبنائها وبناتها في أشد اللحظات حاجةً إليهم؟
مزن النيل لم تكن اسما عابرا في مشهدٍ سياسي مثقل بالالتباس، بل كانت تعبيرا حيا عن ذلك الخيط الرفيع الذي يصل بين الفكر والممارسة، بين الحلم والتنظيم، بين الغضب الأخلاقي والبناء السياسي. في زمنٍ يتكاثر فيه “الخطاب” ويقل فيه الفعل، كانت مزن من القلة التي فهمت أن النظرية ليست ترفا، بل أداة صراع، وأن الالتزام ليس شعارا بل نمط حياة.
إن الخسارة هنا لا تقاس فقط بغياب شخص، بل بانقطاع سيرورة. فمزن كانت تمثل، في سياقها السوداني، أحد تجليات الجيل الجديد من المناضلات والمناضلين الذين خرجوا من رحم الانتفاضات، لا ليعيدوا إنتاج القديم، بل ليطرحوا أسئلة جديدة على اليسار نفسه: كيف يمكن بناء تنظيم حي داخل واقع متفكك؟ كيف يمكن وصل النضال الديمقراطي بالأفق الاجتماعي دون السقوط في الإصلاحية؟ وكيف يمكن مقاومة العسكرة دون الوقوع في أوهام “الحياد”؟
لقد كانت مزن، بهذا المعنى، جزءا من ذلك التوتر الخلاق داخل الحركة: توتر بين الحاجة إلى الوضوح النظري والانخراط في معارك يومية معقدة، بين الرغبة في التغيير الجذري وضغط اللحظة السياسية. وهذا ما جعل حضورها يتجاوز حدود “النشاط” إلى مستوى التأثير الفكري والعملي في آن واحد.
لكن، وهنا تكمن المأساة، أن مثل هذه الطاقات غالبا ما تترك وحيدة في مواجهة واقع قاس: قمع مباشر، إنهاك تنظيمي، عزلة سياسية، وأحيانا خيبات داخلية لا تقل قسوة عن عنف الخصم. إن رحيل مزن يعيدنا إلى مساءلة شروط الفعل الثوري ذاته: كيف نحمي مناضلينا ومناضلاتنا؟ كيف نبني جماعات قادرة على الاستمرار، لا فقط على الانفجار؟
ليس المطلوب اليوم رثاءً عاطفيا يختزل مزن في صورة “أيقونة”، فذلك شكل آخر من أشكال النسيان. المطلوب هو استعادة ما كانت تمثله كإشكال حي: إشكال الجيل، إشكال التنظيم، إشكال العلاقة بين الثورة والديمقراطية.
لقد رحلت مزن النيل، لكن السؤال الذي كانت تحمله لا يزال هنا، يطرق أبوابنا بإلحاح: هل نحن، كحركات يسارية، في مستوى التضحيات التي تقدّم؟ أم أننا لا نزال ندور في حلقة إعادة إنتاج العجز ذاته، بأشكال مختلفة؟
المجد لمزن النيل، لا كشعار، بل كالتزام: أن يتحول هذا الفقد إلى لحظة وعي، إلى إعادة بناء، إلى إصرار على أن ما بدأته لن ينتهي برحيلها.
وداعًا مزن…
لكن، في المعنى العميق، هذه ليست نهاية حكاية، بل بدايتها من جديد.
#سعد_بن_علال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟