أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت














المزيد.....

ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 10:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يحظى كتاب السيد فوغت بالحضور الذي تستحقه نصوص كارل ماركس داخل القراءة العربية، رغم أنه من أكثر أعماله التصاقا بالسياسة كما تمارس فعلا، لا كما تجرد في النظرية. والأسف مضاعف لأن هذا النص يكشف جانبا حاسما من الصراع السياسي غالبا ما يهمل: ليس الصراع مع السلطة فقط، بل الصراع داخل الحركة نفسها، حيث تتداخل المواقع، وتضيع الحدود، وتشتغل قوى غير مرئية في إعادة تشكيل الوعي.
كتب ماركس هذا العمل ردا على حملة قادها كارل فوغت، لكن القراءة السطحية فقط هي التي ترى فيه سجالا شخصيا. في العمق، نحن أمام نص يتجاوز الدفاع إلى التفكيك: تفكيك خطاب، وتفكيك موقع، وتفكيك لحظة تاريخية بكاملها. فماركس لا يرد على اتهام، بل يسأل: كيف ينتج هذا النوع من الاتهامات؟ ولماذا يجد طريقه إلى التصديق داخل الحركة نفسها؟
لفهم هذا، يعيدنا النص إلى ما بعد هزيمة ثورة 1848، تلك اللحظة التي لم تهزم فيها الحركة الثورية عسكريا فقط، بل دخلت أيضا في أزمة معنى. في مثل هذه اللحظات، لا يكون أخطر ما يواجه الحركة هو القمع، بل ما يتسلل إليها من داخلها: الشك، والتخوين، وتحويل النقاش السياسي إلى صراع حول النوايا بدل البرامج.
هنا يظهر فوغت، ليس كشخصية معزولة، بل كوظيفة سياسية. فهو يتكلم بلغة المعارضة، لكنه يشتغل بمنطق آخر: تقويض الثقة، تشويه الخصوم، وتحويل الصراع من مواجهة مع النظام إلى نزاع داخلي مفتوح. هذا ما يجعل ماركس لا يكتفي بتفنيد ادعاءاته، بل يربط خطابه بسياق أوسع، سياق نظام نابوليون الذي نشأ بعد إنقلاب 1884.
هذا النظام، كما يلمح ماركس، لم يكن يعتمد فقط على القمع المباشر، بل على أشكال أكثر تعقيدا من السيطرة: الدعاية، والتأثير غير المباشر، واختراق الفضاءات المعارضة. ليس الهدف دائمًا إسكات الخصم، بل أحيانًا دفعه إلى التآكل من الداخل، إلى أن يصبح عاجزا عن الفعل حتى دون تدخل مباشر.
في هذا الإطار، يتحول السيد فوغت إلى ما يشبه تشريحا دقيقا لآليات التفكك الداخلي. ماركس لا يقدم حكما أخلاقيا، بل يحلل شروط إمكان الظاهرة: كيف تصبح الحركة، بعد الهزيمة، مستعدة لتصديق الروايات التي تكتب ضدها؟ كيف يتحول التشهير إلى “حقيقة” حين يفقد المناضلون ثقتهم بأنفسهم؟ وكيف يعاد توجيه الصراع من تحليل الواقع إلى محاكمة الأشخاص؟
قوة هذا الكتاب أنه يضع يدنا على مفارقة قاسية: الحركات لا تنهار فقط بفعل قوة خصومها، بل أيضا حين تفقد قدرتها على التمييز بين النقد الذي يقويها والخطاب الذي يفككها. عندها، يصبح “المعارض” موقعا ملتبسا، لا يكفي وحده لتحديد الموقف السياسي.
وهنا تتكثف الفكرة التي يمنحها العنوان قوته: ليس كل معارض ثوريا.
فالمعارضة، في حد ذاتها، ليست ضمانة. يمكن أن تكون أفقا للتحرر، كما يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج ما تدعي مواجهته. الفارق لا يكمن في الخطاب الظاهر، بل في الوظيفة التي يؤديها داخل ميزان الصراع.
لهذا، لا ينبغي قراءة السيد فوغت كنص تاريخي فقط، بل كأداة فهم. إنه يعلمنا كيف نقرأ ما يجري داخل الحركات، كيف نشكك دون أن نسقط في العدمية، وكيف نميز بين الاختلاف الضروري والانقسام المدمر.
في النهاية، لا يدافع ماركس عن نفسه بقدر ما يدافع عن إمكانية السياسة ذاتها: سياسة لا تختزل في تبادل الاتهامات، ولا تنهار أمام أول أزمة، بل تمتلك من الوعي ما يكفي لتفهم أن أخطر المعارك أحيانًا هي تلك التي تخاض من الداخل.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس
- ليون تروتسكي: الكلمة التي ثارت — قراءة أدبية في كتاباته وأسل ...
- كلارا زتكين: المسألة النسوية في قلب الصراع الطبقي
- الحرب في الفكر الماركسي: البنية الاقتصادية، الخلفية السياسية ...
- موتٌ بالتقسيط (قصة قصيرة)
- من 20 فبراير إلى جيل زد: تحوّلات الفعل والوعي
- فلسطين بين زخم الشارع الغربي وصمت المنطقة: مفارقات التضامن ف ...
- من إبستين إلى العالم العربي: حين يصبح الإفلات من العقاب قاعد ...
- قصة قصيرة: مواطن نموذجي (نسخة مُحدَّثة)
- أحمد بن جلون… حين يصبح المناضل ذاكرةً تمشي بيننا
- هان فان ميغيرين: أكبر مزوّر لأعمال فيرمير في تاريخ الفن
- ميشيل بارنتي: عين ماركسية ترى ما تخفيه القوة
- جيل Z: التمرد في زمن ما بعد الحقيقة
- فلنتشبّث بالحياة… لأن لا حياة أخرى
- العيطة وآسفي: حين تتكلم المدينة بصوتها الأصيل
- حقيقة على طاولة مقهى: قصة قصيرة
- حين تتحوّل الماركسية إلى يقين مغلق مقال ماركسي نقدي في مساءل ...
- الثورة المؤجلة: ويلهام رايش وسؤال الجسد في مشروع التحرر
- كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم
- دييغو ريفيرا: حين يصير الجدار سيرة ومسار


المزيد.....




- نقص الوقود يسبب طوابير طويلة في عاصمة ميانمار
- البيت الأبيض: ترامب مهتم بأن يساهم العرب في تكاليف الحرب على ...
- إيران تعدم اثنين من تنظيم -مجاهدي خلق-.. وحقوقيون: سلاح لتره ...
- حتى لا ننسى
- كيف تُمول إيران مسيّراتها وتؤمّن وقود صواريخها رغم العقوبات ...
- عاجل | مصادر إسرائيلية: وقوع عدد من الجنود بين قتيل وجريح في ...
- مؤتمر الإتحاد العام التونسي للشغل، انتبه أزمة تخفي أخرى
- نتنياهو: لا إطار زمني لإنهاء الحرب مع إيران
- إيران تلعب بورقة الحوثيين لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر
- إيران.. لجنة برلمانية توافق على خطة لفرض رسوم على السفن العا ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت