أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - سعد بن علال - سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة














المزيد.....

سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 18:10
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


سعيد بن جبلي لم يكن مجرد اسم في هامش التاريخ المغربي، بل كان انعكاسا حيا لتوتر دائم بين الفرد والتاريخ، بين وعي الذات وعنف الواقع. كان وعيه يتشكل في مواجهة بنية سياسية متصلبة، وسط مجتمع يئن تحت وطأة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مجتمع يطرح أسئلة عن العدالة والحرية ويختبر كل من يجرؤ على البحث عن إجابة. لقد حمل في نفسه حسّا نقديا لم يهدأ، ورفض الامتثال لشروط النظام، لكنه، مثل كثيرين لاحقا في حركة 20 فبراير، وجد نفسه محاصرا بين طموح التغيير وإرهاق المساطر القانونية والاجتماعية، بين الرغبة في الفعل وبين حدود الواقع القاسية.
وأقول هذا من موقع لم يكن يوما محايدا: في تلك المرحلة كنت من منتقديه. كنت أرى في بعض مواقفه التباسا، وفي بعض خياراته ضعفا، لكنني لا يمكن أن أنكر اليوم أنه كان جزءا من نفس المسار الجماعي، من نفس القلق والبحث عن معنى للالتزام الثوري الذي حمله شباب حركة 20 فبراير. رغم اختلاف التقدير، كنا جميعا نحمل أسئلة حارقة عن العدالة، الحرية، والقدرة على تغيير الواقع، كل بطريقته، كل بمقدار ما تسمح له شجاعته بالتحمل والمواجهة.
حركة 20 فبراير لم تكن مجرد احتجاجات عابرة؛ كانت محاولة جذرية لإعادة تأسيس معنى الفعل السياسي في المغرب، في مواجهة نظام متصلب وهياكل اجتماعية تقمع التغيير، محاولة لاقتفاء أثر أجيال سابقة حملت هم السياسة والعدالة. ومثل سعيد بن جبلي، وجد كثيرون أنفسهم في مأزق نفسي وسياسي: كيف يمارس الالتزام الثوري في واقع يصر على قمع الفعل، وتكرار الهزائم الصغيرة، والانقسامات الفكرية التي تضعف اللحظة الجماعية؟ كيف ينجو الفرد بحساسيته ووعيه من عبء الالتزام حين تصبح كل خطوة محكومة بالمراقبة والضغط والحدود القاسية؟
مأزقه لم يكن فرديا فحسب، بل انعكاسا لبنية أوسع: بنية تفرغ الفعل السياسي من جوهره، وتحول الالتزام إلى عبء نفسي، بدل أن يكون أفقا للتحرر. وهنا يبرز السؤال السياسي والفلسفي معا: كيف يستمر المثقف أو الناشط في مواجهة واقع يكافئ النقيض ويعاقب النوايا الصافية؟ كيف تصمد الحساسية الأخلاقية والسياسية أمام تكرار الهزيمة وتحول الانكسار إلى روتين؟
النهاية المأساوية المرتبطة باسمه — اختياره وضع حد لحياته — ليست مجرد حادثة فردية، بل لحظة قصوى تكشف عمق الأزمة: الانكسار الذي يحدث حين يصطدم وعي الإنسان المثقف أو الناشط بالحدود القصوى للواقع، حين ينهار الجسر بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. ليست النهاية مجرد مأساة شخصية، بل انعكاس للتوتر بين الفعل والقيود، بين الإرادة والواقع، بين الحرية والهيمنة البنيوية.
استحضار تجربة سعيد بن جبلي وربطها بسياق حركة 20 فبراير يسمح بفهم اللحظة الجماعية، وكيف أن أولئك الذين حاولوا تجاوز التقليدي، الذين دفعوا ثمن الالتزام السياسي، كانوا جزءا من سلسلة الفعل والمساءلة، جزءا من سؤال مفتوح عن إمكانيات الثورة والحرية والعدالة. إنه درس حول حدود الفعل الفردي ضمن التاريخ، حول العبء النفسي والسياسي للوعي، وحول ضرورة مساءلة البنية التي تنتج هذا العبء.
تجربة سعيد بن جبلي، في هذا السياق، تعكس أيضا صدام الجيل الجديد مع الإرث السياسي والفكري للأجيال السابقة، أولئك الذين حاولوا وضع أسس التغيير، وتعلم من الأخطاء السابقة، لكنهم واجهوا متاهات القوانين والبيروقراطية والضغط الاجتماعي. حركة 20 فبراير لم تكن بمعزل عن هذا الإرث؛ لقد حملت بين طياتها التناقض ذاته: الحماسة والوعي، الرغبة في الفعل والإحباط المستمر، الالتزام الشخصي مقابل ضعف الهياكل الجماعية.
إنه سؤال مفتوح، ليس عن الرجل فقط، بل عن كل من حاول، وفشل، واستمر، وكل من يحمل في نفسه صراعا بين الحلم والواقع، بين الفعل والقيود. سعيد بن جبلي يظل، في هذا السياق، رمزا لتناقض اللحظة الثورية المغربية: رمز الاختلاف، الانكسار، والتساؤل الدائم عن معنى الالتزام حين ينهار العالم أمام عينيك.
في النهاية، قراءة مسار سعيد بن جبلي اليوم، ضمن سياق حركة 20 فبراير، ليست تذكيرا بمأساة فردية فحسب، بل تأملا نقديا في شروط إنتاج الفعل الثوري: في واقع يفرغ الالتزام من معناه، وفي مجتمع يترك الحساسية والثورية تواجهان الانكسار وحدهما، وفي التاريخ الذي يعيد إنتاج تحدياته على أجيال متعاقبة. إنه درس مستمر، للحساسية والالتزام، وللذين يصرون على السؤال: كيف نعيش لحظة سياسية تاريخية ونصمد أمام انهيارها؟



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت
- بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس
- ليون تروتسكي: الكلمة التي ثارت — قراءة أدبية في كتاباته وأسل ...
- كلارا زتكين: المسألة النسوية في قلب الصراع الطبقي
- الحرب في الفكر الماركسي: البنية الاقتصادية، الخلفية السياسية ...
- موتٌ بالتقسيط (قصة قصيرة)
- من 20 فبراير إلى جيل زد: تحوّلات الفعل والوعي
- فلسطين بين زخم الشارع الغربي وصمت المنطقة: مفارقات التضامن ف ...
- من إبستين إلى العالم العربي: حين يصبح الإفلات من العقاب قاعد ...
- قصة قصيرة: مواطن نموذجي (نسخة مُحدَّثة)
- أحمد بن جلون… حين يصبح المناضل ذاكرةً تمشي بيننا
- هان فان ميغيرين: أكبر مزوّر لأعمال فيرمير في تاريخ الفن
- ميشيل بارنتي: عين ماركسية ترى ما تخفيه القوة
- جيل Z: التمرد في زمن ما بعد الحقيقة
- فلنتشبّث بالحياة… لأن لا حياة أخرى
- العيطة وآسفي: حين تتكلم المدينة بصوتها الأصيل
- حقيقة على طاولة مقهى: قصة قصيرة
- حين تتحوّل الماركسية إلى يقين مغلق مقال ماركسي نقدي في مساءل ...
- الثورة المؤجلة: ويلهام رايش وسؤال الجسد في مشروع التحرر
- كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم


المزيد.....




- “قراءة في قرار وزارة العمل المصرية بحظر عمل السيدات في العم ...
- أفرجوا عن الكلمة
- بنعبد الله يترأس اجتماعاً مع فريق التقدم والاشتراكية بمجلس ا ...
- تقرير منظمة العمل الدولية يعري بنية الإفقار وقمع النقابات في ...
- تونس: تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية
- العدد 649 من جريدة النهج الديمقراطي
- تجديد حبس أحمد دومة 15 يومًا
- لا للملوك، لا للحروب، لا للمليونيرات: حوار مع متظاهرة وسط ا ...
- إنتخاب شاب على رأس فرع حزب التقدم والاشتراكية بعين الشق
- كلمة الميدان: 6 أبريل: الثورة والتحديات الراهنة


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - سعد بن علال - سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة