أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة














المزيد.....

وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 18:48
المحور: الادب والفن
    


ليست رواية وليمة لأعشاب البحر عملا أدبيا عاديا، ولا مجرد حكاية عن منفيين سياسيين يتنقلون بين الخراب والذاكرة. إنها، في جوهرها العميق، صرخة جيل كامل عاش الحلم الثوري العربي ثم استيقظ على أنقاضه. رواية عن الهزيمة، نعم، لكنها أيضا عن الأسباب التي صنعت الهزيمة، وعن الأوهام التي تلبست الحركة الثورية العربية وهي تبتعد تدريجيا عن مشروع التحرر الجذري.
في هذا السياق تأتي العبارة الشهيرة التي يضعها حيدر حيدر على لسان أحد شخصياته:
"إن قيادة حزب شيوعي تتخلى عن تعاليم لينين في استلام السلطة بعنف، وتنتهج النضال السلمي-الديمقراطي ليست أكثر من قيادة بيروقراطية، تحريفية، جبانة، تقدم حزبها بطواعية لسكين الرجعية. وتحت أي شعار؟ تحت الشعار الجبان: عدم نضج الظروف الموضوعية، والمراهنة على أنظمة البورجوازية الصغيرة الديمقراطية. هذا هو الشعار الذي أودى بنا إلى المذبحة أخيرا".
لا ينبغي قراءة هذا المقطع باعتباره دعوة أو وصفة سياسية جاهزة، بل باعتباره تعبيرا أدبيا عن الإحباط التاريخي الذي اجتاح أوساط واسعة من اليسار العربي بعد سلسلة من الهزائم والانكسارات. فالشخصيات في الرواية لا تتحدث من موقع المنتصر، بل من موقع المهزوم الذي يحاول فهم أسباب الكارثة.
إن السؤال المركزي في الرواية ليس سؤال السلطة فحسب، بل سؤال العلاقة بين الثورة والهزيمة. لماذا فشلت المشاريع التحررية العربية؟ لماذا تحولت التنظيمات التي ولدت من رحم التمرد إلى مؤسسات جامدة؟ لماذا أصبحت البيروقراطية جزءا من المشكلة بدل أن تكون أداة للحل؟
هنا تكمن قوة الرواية. فهي لا تكتفي بإدانة الأنظمة القائمة، بل توجه سهام النقد أيضا إلى المعارضة ذاتها، وإلى البنى الفكرية والتنظيمية التي عجزت عن قراءة التحولات الاجتماعية العميقة. فالهزيمة في عالم حيدر حيدر ليست مجرد نتيجة للقمع، بل هي أيضا نتيجة لأخطاء داخلية، ولنزعة دوغمائية جعلت كثيرا من التنظيمات أسيرة شعاراتها الخاصة.
لكن ما يجعل وليمة لأعشاب البحر عملا استثنائيا هو أنها تتجاوز السياسة المباشرة. فالمنفى في الرواية ليس جغرافيا فقط، بل وجودي أيضا. شخصياتها تعيش اغترابا مضاعفا: اغترابا عن الوطن الذي فقدته، واغترابا عن الأحلام التي انهارت. إنها شخصيات تسير فوق ركام اليقينيات الكبرى، وتحاول أن تجد معنى جديدا للحياة بعد سقوط المعنى القديم.
ومن هذه الزاوية، تبدو الرواية أقرب إلى مرثية طويلة لجيل عربي راهن على التغيير الجذري، ثم وجد نفسه محاصرا بين استبداد الدولة وأزمة الحركة الثورية نفسها. لذلك فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الأجوبة التي تقدمها، بل في الأسئلة التي تطرحها: كيف يمكن للنضال أن يتجنب التحول إلى بيروقراطية؟ كيف يمكن للثورة أن تحافظ على بعدها التحرري؟ وكيف يمكن للأمل أن ينجو من الهزيمة؟
بعد عقود من صدورها، ما تزال وليمة لأعشاب البحر تحتفظ براهنية لافتة، لأنها تذكرنا بأن الأزمات الكبرى لا تفهم عبر تمجيد الماضي أو لعن الحاضر، بل عبر ممارسة نقد جذري لا يستثني أحدا، بما في ذلك الذات نفسها. فالرواية، في النهاية، ليست احتفاء بالهزيمة، بل محاولة شجاعة لفهمها، لأن فهم الهزيمة هو الشرط الأول لتجاوزها.
ولهذا تبقى وليمة لأعشاب البحر واحدة من أهم الروايات العربية التي جعلت الأدب فضاء لمساءلة السياسة، وجعلت من السرد أداة لتفكيك الأوهام الكبرى التي صنعت مآسي القرن العشرين العربي، وما زالت تلقي بظلالها على حاضرنا حتى اليوم.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...
- بمناسبة ذكرى ميلاده: لينين كإشكالية راهنة
- مزن النيل: حين يصبح الفقد مساءلة لضمير اليسار
- بين الإمبرياليات الصاعدة وأوهام “المعسكرات”: قراءة ماركسية ن ...
- سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة
- ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت
- بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس
- ليون تروتسكي: الكلمة التي ثارت — قراءة أدبية في كتاباته وأسل ...
- كلارا زتكين: المسألة النسوية في قلب الصراع الطبقي
- الحرب في الفكر الماركسي: البنية الاقتصادية، الخلفية السياسية ...
- موتٌ بالتقسيط (قصة قصيرة)


المزيد.....




- مهرجان -فونتانكا ساب- يطلق فئة -أسرار الشرق- للأزياء التنكري ...
- فرع غاليري تريتياكوف في سامارا يفتتح معرض المسابقة الدولية - ...
- الأسبوع المقبل.. استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران ...
- واشنطن تستعد لاستئناف المحادثات الفنية مع طهران وتحركات بشأن ...
- -المسرح يتنفس-... فرقة دمشق المسرحية تعلن انطلاق -بروفة... ي ...
- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
- مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل ...
- Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة