سعد بن علال
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 16:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من سؤال الصندوق إلى سؤال القوة
مع اقتراب كل محطة انتخابية، يعود الجدل نفسه ليحتل واجهة النقاش داخل اليسار: المشاركة أم المقاطعة؟
يتكرر السجال بالحدة ذاتها تقريبا، وكأن مستقبل التغيير الاجتماعي يتوقف على الجواب عن هذا السؤال وحده. بل غالبا ما يجري تقديمه باعتباره الحد الفاصل بين خطين متناقضين: بين "الواقعية" و"المبدئية"، بين "الإصلاحية" و"الثورية"، أو بين من يمتلك وعيا سياسيا متقدما ومن ما يزال أسير الأوهام المؤسساتية.
غير أن هذا التأطير نفسه يحتاج إلى مساءلة، واليوم أكثر من أي وقت مضى. فالسجال القديم نشأ في سياق تاريخي مختلف جذريا عن السياق الذي نعيشه. كانت الحركة العمالية أكثر تمركزا، وكانت النقابات والأحزاب الجماهيرية تؤطر قطاعات واسعة من المجتمع، وكانت السياسة تمارس داخل فضاءات جماعية مستقرة نسبيا.
أما اليوم فنحن أمام عالم أعادت الرأسمالية تشكيله بصورة عميقة: تفكك مواقع العمل التقليدية، توسع الهشاشة، صعود اقتصاد المنصات، هيمنة الفضاء الرقمي، وتراجع الوسائط الجماعية التي كانت تؤطر الوعي والعمل السياسي.
لهذا لم تعد المشكلة تكمن في كون المشاركة خيانة أو المقاطعة بطولة، كما لا تكمن في البحث عن الموقف الأكثر نقاء أخلاقيا، المشكلة الحقيقية تكمن في الموقع الذي نمنحه للانتخابات داخل تصورنا للتغيير الاجتماعي، وفي فهم الكيفية التي تتشكل بها موازين القوى في مجتمع يتغير بوتيرة متسارعة، هل نعتقد أن التغيير يبدأ من المؤسسات السياسية؟ أم أن هذه المؤسسات ليست سوى انعكاس لموازين قوى تتشكل خارجها؟، إذا كان التغيير يختزل في البرلمان والحكومة، فإن النقاش حول المشاركة أو المقاطعة سيظل سجالا حول الطريق الأنسب لبلوغ الوهم نفسه، أما إذا اعتبرنا أن التغيير ينبع من تراكم قوة اجتماعية مستقلة ومنظمة، فإن السؤال يتغير جذريا، عندها لا يعود السؤال: هل نشارك أم نقاطع؟ بل يصبح: كيف يمكن للمشاركة أو للمقاطعة أن تخدم مشروع بناء القوة الشعبية؟.
الحصيلة قبل النصوص
من السهل أن يتحول النقاش إلى استعراض للمرجعيات التاريخية. فلكل طرف نصوصه وتجاربه وأبطاله الذين يستشهد بهم لإثبات صحة موقفه، لكن السياسة لا تقاس بسلامة النصوص وحدها، بل أيضا بحصيلة الممارسة.
بعد عقود من المشاركة الانتخابية، ماذا كانت النتيجة؟ هل أصبحت الطبقات الشعبية أكثر تنظيما؟ هل تعززت النقابات والحركات الاجتماعية؟ هل توسعت أشكال التنظيم الذاتي في الأحياء والقرى ومواقع العمل؟ وهل أنتجت المؤسسات المنتخبة أدوات فعلية لمواجهة الاستغلال والتهميش؟.
وفي المقابل، بعد عقود من المقاطعة، هل نجحت القوى المقاطعة في بناء بديل جماهيري منظم؟ هل تحولت المقاطعة إلى عملية تراكم تنظيمي وسياسي؟ هل أنتجت أشكالا جديدة من التنظيم الشعبي القادر على التأثير في موازين القوى؟.
في أغلب الحالات كانت الحصيلة محدودة في الاتجاهين معا، ذلك أن المشاركة لم تمنع تراجع الحركة الاجتماعية، كما أن المقاطعة لم تؤد تلقائيا إلى بناء بديل شعبي مستقل.
وهنا تظهر حقيقة كثيرا ما يجري تجاهلها: الأزمة ليست أزمة تكتيك، بل أزمة استراتيجية.
المؤسسات كمرآة لا كمحرك
يقوم جزء كبير من التفكير السياسي السائد على افتراض ضمني مفاده أن المؤسسات السياسية هي مركز السلطة الفعلي، وأن تغيير تركيبتها كفيل بإطلاق عملية التغيير الاجتماعي، لكن المؤسسات ليست كيانا مستقلا عن المجتمع.
فالبرلمان والحكومة والإدارات والأحزاب ليست سوى تكثيف سياسي لموازين القوى القائمة داخل المجتمع، إنها مرآة لعلاقات القوة وليست مصدرها الأصلي، ولهذا السبب لا تستطيع الانتخابات أن تمنح قوة اجتماعية لمن لا يملكها أصلا، فالتمثيل السياسي لا يعوض غياب التنظيم الشعبي، والأغلبية البرلمانية لا تعوض غياب الأغلبية الاجتماعية المنظمة.
من هنا نفهم لماذا تتحول المشاركة الانتخابية، في غياب حركة اجتماعية قوية، إلى تمثيل معزول عن أي قدرة فعلية على الفرض.
كما نفهم لماذا لا تنتج المقاطعة شيئا يذكر حين تكون مجرد امتناع عن التصويت دون مشروع لبناء ميزان قوى بديل.
إن ضعف المجتمع لا تعالجه لا المشاركة ولا المقاطعة، ما يعالجه هو تنظيم المجتمع نفسه، مجتمع يتفكك وأدوات تنظيم تتأخر غير أن الحديث عن التنظيم لا يكفي وحده.
فالسؤال الذي يواجه اليسار اليوم ليس هو نفسه الذي واجهه قبل خمسين سنة، لقد تغيرت بنية العمل نفسها.
تراجعت المواقع الصناعية الكبرى التي كانت تجمع آلاف العمال في فضاء واحد، لصالح أشكال عمل متشظية وهشة: عقود مؤقتة، مناولات، عمل عبر المنصات الرقمية، واقتصاد غير مهيكل يتوسع باستمرار، كما تغير الفضاء العمومي ذاته.
فلم تعد النقابة أو الجريدة الحزبية أو المقر السياسي هي المجال الأساسي لتشكيل الرأي العام.
أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات والشبكات الاجتماعية جزءا أساسيا من المجال السياسي، بما تحمله من إمكانيات جديدة للتواصل والتعبئة، وما تفرضه في الوقت نفسه من نزعات نحو التشتت والانفعال والاستهلاك السريع للمواقف السياسية.
كما تعززت الفردانية الاجتماعية، وصارت أجيال كاملة تبني علاقتها بالسياسة بعيدا عن الأطر التقليدية التي شكلت تاريخيا أدوات اليسار.
كل هذا لا يعني أن الحاجة إلى التنظيم تراجعت، بل يعني أنها أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.
أزمة اليسار ليست أزمة انتخابات
هنا بالتحديد تكمن المعضلة الحقيقية، فأزمة اليسار ليست، في جوهرها، أزمة انتخابات، إنها أزمة تاريخية ترتبط بالتحولات العميقة التي عرفتها الرأسمالية العالمية خلال العقود الأخيرة.
لقد تشكلت الأحزاب العمالية الكبرى والنقابات الجماهيرية والحركات الشعبية في سياق رأسمالية صناعية كانت تسمح بتمركز العمال وتراكم الخبرات النضالية وتشكيل هويات جماعية مستقرة نسبيا.
لكن النيوليبرالية لم تهاجم فقط الأجور والخدمات العمومية، لقد هاجمت أيضا البنية الاجتماعية التي كانت تسمح للعمال والكادحين بتنظيم أنفسهم.
فككت مواقع الإنتاج الكبرى، وجرى تعميم الهشاشة، وإضعاف التنظيمات الجماعية، وتحويل التنافس الفردي إلى قاعدة منظمة للحياة الاجتماعية.
ثم جاءت الثورة الرقمية لتضيف مستوى جديدا من التعقيد، فلم تعد الرأسمالية تكتفي بالسيطرة على مواقع العمل، بل امتدت إلى فضاءات التواصل نفسها، حيث أصبحت الخوارزميات والشركات الرقمية الكبرى تتحكم في جزء متزايد من تشكيل الرأي العام والوعي الجماعي.
لهذا فإن أزمة اليسار ليست مجرد أزمة برنامج أو قيادة أو تكتيك انتخابي، إنها أزمة نموذج تاريخي كامل للتنظيم، ومن هنا تأتي محدودية كل نقاش يختزل السياسة في سؤال المشاركة أو المقاطعة.
نقد الوهمين
غير أن نقد الأوهام الانتخابية لا ينبغي أن يقود إلى وهم معاكس، فكما يمكن للمشاركة أن تتحول إلى عقيدة، يمكن للمقاطعة أن تتحول بدورها إلى عقيدة.
حين تصبح المشاركة هدفا في حد ذاتها، يبدأ المنطق المؤسساتي في إعادة تشكيل القوى التي دخلت إليه، تصبح المحافظة على المواقع الانتخابية أولوية، ويتحول الخطاب السياسي تدريجيا إلى خطاب يبحث عن التوافق أكثر مما يبحث عن التغيير.
لكن المقاطعة العقائدية ليست أقل خطرا، فهي قد تتحول إلى تعويض رمزي عن العجز التنظيمي، ويصبح التمسك بالموقف المبدئي بديلا عن العمل المضني وسط الجماهير.
وفي الحالتين يتحول التكتيك إلى بديل عن الاستراتيجية، وتصبح الإجابة جاهزة قبل طرح السؤال.
أين تصنع السياسة فعلا؟
السياسة الحقيقية لا تصنع يوم الاقتراع، إنها تصنع في الزمن الطويل الممتد بين انتخابات وأخرى، تصنع في مواقع العمل، في الأحياء الشعبية، في الجامعات والمدارس، في الحركات النسائية والبيئية والحقوقية، وفي كل فضاء تنشأ فيه مقاومة يومية للاستغلال والتهميش.
كما تصنع اليوم، بشكل متزايد، في الفضاء الرقمي نفسه، حين يستخدم كأداة للتنظيم والتنسيق وتبادل الخبرات، لا كبديل عن التنظيم الواقعي.
هناك تتشكل موازين القوى الحقيقية، وهناك تتحدد حدود ما تستطيع المؤسسات السياسية أن تفعله أو لا تفعله.
من القوة المتناثرة إلى القوة المنظمة
لكن الاحتجاجات المتفرقة، مهما كانت مشروعيتها وقوتها، لا تتحول تلقائيا إلى قوة سياسية، وهنا يبرز التحدي المركزي أمام اليسار، ليس فقط كيف يبني النقابات واللجان والحركات الاجتماعية، بل كيف يربط بينها، كيف يحول التجارب المتفرقة إلى مشروع جماعي، كيف يوحد نضالات العمال والكادحين والشباب والنساء وسكان الأحياء الشعبية والحركات البيئية والحقوقية داخل أفق تحرري مشترك.
إن بناء القوة الشعبية يقتضي أشكالا ديمقراطية قاعدية مستقلة، لكنه يقتضي أيضا أداة سياسية قادرة على توحيد الخبرات والنضالات والأهداف.
فالقوة الاجتماعية وحدها لا تتحول تلقائيا إلى قوة سياسية، كما أن التنظيم السياسي المنفصل عن المجتمع يتحول سريعا إلى جهاز فارغ، وحده التفاعل الحي بين التنظيم الاجتماعي والتنظيم السياسي يمكن أن يفتح أفقا لتغيير فعلي في موازين القوى.
الانتخابات كتكتيك لا كعقيدة
في هذا المنظور تصبح المشاركة والمقاطعة مجرد أدوات، قد تكون المشاركة مفيدة في لحظة معينة إذا ساعدت على توسيع التنظيم الشعبي وكشف حدود النظام القائم وتعبئة قطاعات جديدة من المجتمع.
وقد تكون المقاطعة ضرورية في لحظة أخرى إذا كانت المشاركة لن تخدم سوى إعادة إنتاج الأوهام حول قدرة المؤسسات على التغيير.
لكن المعيار في الحالتين واحد: هل يخدم هذا الخيار تراكم القوة المستقلة للفئات الشعبية أم لا؟ كل ما عدا ذلك يتحول إلى سجال عقيم حول الوسائل في غياب المشروع.
خاتمة: السؤال الحقيقي
ليست الانتخابات جوهر السياسة، وليست المقاطعة جوهر المعارضة، وليست المشاركة دليلا على الواقعية.
جوهر السياسة، بالنسبة لكل مشروع تحرري، هو بناء القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على تغيير موازين القوى داخل المجتمع.
ومن دون هذه القوة تصبح المشاركة إدارة للعجز باسم الواقعية، وتصبح المقاطعة تعبيرا عن العجز باسم المبدئية.
أما حين تنجح الفئات الشعبية في بناء أدواتها التنظيمية المستقلة، وفي توحيد نضالاتها داخل مشروع سياسي جامع، فإن سؤال الانتخابات يستعيد حجمه الطبيعي، عندها يصبح مجرد سؤال تكتيكي قابل للنقاش والتغيير.
أما السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يشغل اليسار اليوم فهو أعمق بكثير: كيف نبني، وسط التفكك الاجتماعي والهيمنة النيوليبرالية والثورة الرقمية، قوة شعبية منظمة قادرة على فرض نفسها في المجتمع والدولة معا؟ ذلك هو السؤال الذي يحدد مستقبل اليسار.
أما ما عداه فليس سوى جدل يتكرر منذ عقود حول صندوق الاقتراع، فيما تظل مهمة بناء القوة الشعبية هي المهمة المؤجلة دائماً، والمهمة الضرورية أكثر من أي وقت مضى.
#سعد_بن_علال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟