أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد القادم؟














المزيد.....

جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد القادم؟


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 22:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اعتادت العلوم الاجتماعية النظر إلى الأجيال باعتبارها تعاقبا بيولوجيا داخل المجتمع. غير أن بعض الأجيال تتحول إلى ظواهر تاريخية تتجاوز حدود العمر لتصبح تجسيدا لتحولات اقتصادية وثقافية وسياسية عميقة. هذا هو حال جيل Z، الذي تشكل وعيه في قلب الرأسمالية النيوليبرالية المعولمة، وفي زمن الأزمات المتراكمة التي ضربت شرعية النظام العالمي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.

إن الحديث عن جيل Z ليس حديثا عن الشباب فقط، بل عن الذات الاجتماعية الجديدة التي أنتجتها الرأسمالية الرقمية، وعن التناقضات التي تحملها هذه الذات بين التكيف مع النظام والتمرد عليه.

جيل الأزمة الدائمة

نشأت الأجيال السابقة على فكرة التقدم التاريخي. كان الآباء يؤمنون بأن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر. أما جيل Z فقد ولد في عالم تسوده الأزمات المتلاحقة: الأزمة المالية العالمية، الحروب الإقليمية، الكوارث البيئية، جائحة كورونا، وتدهور شروط العيش والعمل.

لقد تشكل وعي هذا الجيل في ظل ما يمكن تسميته بـ"الرأسمالية المأزومة"، حيث لم يعد النظام قادرا على إنتاج الأمل بنفس الكفاءة التي كان يفعلها خلال العقود السابقة. ولذلك نجد لدى هذا الجيل مستويات مرتفعة من الشك تجاه المؤسسات السياسية والاقتصادية السائدة.

إنه جيل لا يثق بسهولة في الأحزاب التقليدية، ولا في الإعلام الرسمي، ولا في النخب السياسية التي تبدو بالنسبة إليه جزءا من المشكلة أكثر مما هي جزء من الحل.

الرأسمالية الرقمية وإعادة تشكيل الوعي

إذا كانت المدرسة والمصنع قد شكلا الوعي الجماعي للأجيال السابقة، فإن الهاتف الذكي ومنصات التواصل الاجتماعي هما المؤسستان الأساسيتان اللتان تشكلان وعي جيل Z.

لقد نقلت الرأسمالية عملية الاستغلال من فضاء العمل فقط إلى فضاء الحياة اليومية بأكملها. لم يعد الفرد يبيع قوة عمله فحسب، بل أصبح يبيع انتباهه وصوره وبياناته وعلاقاته الاجتماعية.

ومن هنا تظهر مفارقة كبرى: فالأدوات التي تمنح الشباب إمكانيات هائلة للتواصل والتنظيم والتعبير هي نفسها أدوات للمراقبة والتوجيه وصناعة الرأي.

لقد أصبح جيل Z يعيش داخل ما يمكن تسميته "الرأسمالية الخوارزمية"، حيث تتحكم الخوارزميات في جزء كبير من تدفق المعلومات والرغبات والتصورات السياسية.

نهاية الأيديولوجيات أم البحث عن أفق جديد؟

يتهم جيل Z أحيانا بأنه جيل غير مؤدلج أو غير سياسي. لكن هذا الحكم يعكس سوء فهم لطبيعة التحولات الجارية.

فهذا الجيل لا يرفض السياسة بقدر ما يرفض أشكالها التقليدية. إنه أقل انجذابا إلى التنظيمات الصلبة والهويات العقائدية المغلقة، وأكثر حساسية تجاه القضايا الملموسة المرتبطة بالحياة اليومية: السكن، التعليم، البيئة، الحريات، المساواة والعدالة الاجتماعية.

إنه لا يتحرك غالبا تحت رايات أيديولوجية كبرى، بل عبر قضايا جزئية تبدو متفرقة، لكنها تعبر في العمق عن أزمة شاملة للنظام القائم.

وهنا تكمن إحدى أهم معضلات اليسار المعاصر: كيف يمكن تحويل هذا الغضب المشتت إلى مشروع سياسي متماسك؟

بين الفردانية الجديدة وإمكانية الفعل الجماعي

أنتجت النيوليبرالية أفرادا يشعرون بأنهم مسؤولون بشكل فردي عن نجاحهم وفشلهم. وقد بلغ هذا المنطق ذروته مع جيل Z.

فالفرد اليوم مطالب ببناء هويته بنفسه، وتسويق ذاته بنفسه، وتحقيق نجاحه بنفسه. غير أن هذا الوعد بالتحرر الفردي يخفي واقعا من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.

ومن هنا ينبع التناقض الأساسي لهذا الجيل: فهو الأكثر فردانية في التاريخ الحديث، لكنه أيضا الأكثر إدراكا لأزمة العالم المشتركة.

إن قضايا المناخ، وعدم المساواة، والحروب، والبطالة، تكشف له باستمرار أن المشكلات الكبرى لا يمكن حلها بشكل فردي، بل تتطلب أشكالا جديدة من الفعل الجماعي.

جيل Z واليسار: فرصة تاريخية أم لحظة ضائعة؟

إن السؤال المطروح أمام القوى التقدمية ليس كيف تعلم جيل Z السياسة، بل كيف تتعلم منه أشكالا جديدة لممارسة السياسة.

فالأجيال الجديدة لا تنتظر وصاية تنظيمية أو أيديولوجية، بل تبحث عن فضاءات ديمقراطية حقيقية للمشاركة وصنع القرار.

وإذا استمر اليسار في مخاطبة هذا الجيل بلغة القرن العشرين، فإنه سيجد نفسه معزولا عن أهم قوة اجتماعية صاعدة في المجتمع.

أما إذا استطاع الربط بين النضالات اليومية للشباب وبين نقد جذري للرأسمالية المعاصرة، فقد يتحول جيل Z إلى أحد أهم روافد إعادة بناء المشروع التحرري في القرن الحادي والعشرين.

خاتمة

ليس جيل Z بطبيعته ثوريا ولا محافظا، إنه نتاج تناقضات عصره، يحمل داخله عناصر الاندماج في النظام وعناصر التمرد عليه في الوقت نفسه.

لكن المؤكد أن هذا الجيل يعيش تجربة تاريخية مختلفة عن كل ما عرفته الأجيال السابقة، فهو أول جيل يدخل الحياة العامة في زمن أزمة شاملة للرأسمالية العالمية، وفي زمن تتآكل فيه شرعية المؤسسات القديمة دون أن تتبلور بعد بدائل جديدة.

ولهذا السبب، فإن فهم جيل Z ليس قضية تربوية أو ثقافية فقط، بل هو مدخل أساسي لفهم الصراعات السياسية والاجتماعية التي ستطبع العقود المقبلة.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...
- بمناسبة ذكرى ميلاده: لينين كإشكالية راهنة
- مزن النيل: حين يصبح الفقد مساءلة لضمير اليسار
- بين الإمبرياليات الصاعدة وأوهام “المعسكرات”: قراءة ماركسية ن ...
- سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة
- ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت
- بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس
- ليون تروتسكي: الكلمة التي ثارت — قراءة أدبية في كتاباته وأسل ...
- كلارا زتكين: المسألة النسوية في قلب الصراع الطبقي
- الحرب في الفكر الماركسي: البنية الاقتصادية، الخلفية السياسية ...
- موتٌ بالتقسيط (قصة قصيرة)
- من 20 فبراير إلى جيل زد: تحوّلات الفعل والوعي
- فلسطين بين زخم الشارع الغربي وصمت المنطقة: مفارقات التضامن ف ...
- من إبستين إلى العالم العربي: حين يصبح الإفلات من العقاب قاعد ...
- قصة قصيرة: مواطن نموذجي (نسخة مُحدَّثة)
- أحمد بن جلون… حين يصبح المناضل ذاكرةً تمشي بيننا


المزيد.....




- أول تعليق من إيران بعد التوصل لاتفاق مع أمريكا: هذه البنود ت ...
- في غزة: سم الفئران يقتل طفلاً بدلاً من القوارض
- تحقيق لبي بي سي يكشف استغلال وكالات تعليمية -وسيطة- لأحلام ا ...
- باكستان تعلن التوصل إلى اتفاق بين ايران والولايات المتحدة، و ...
- بين تفاؤل ترامب وتصعيد إيران..متى يتم توقيع الاتفاق الإطاري؟ ...
- التلفزيون الإيراني يعلن رسميا التوصل لاتفاق مع الولايات المت ...
- بوتين وترامب يبحثان ملفي أوكرانيا وإيران
- نائب وزير الخارجية الإيراني يكشف تفاصيل محادثات الـ60 يوما م ...
- مصدر إيراني مطلع: تنازل استثنائي انتزعه قاليباف من ترامب في ...
- خبير بريطاني: من الآن فصاعدا سيزداد وضع أوكرانيا سوءا


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد القادم؟