أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار














المزيد.....

برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 00:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


برحيل إدغار موران، لا يطوى فقط فصل من فصول الفكر المعاصر، بل تنطفئ أيضا واحدة من أكثر العقول إصراراً على مقاومة التبسيط واليقينيات الجاهزة. لقد عاش الرجل أكثر من قرن، عابرا للحروب والثورات والانهيارات الكبرى، شاهدا على تحولات عالمية عميقة، لكنه ظل حتى سنواته الأخيرة يحتفظ بفضول فكري نادر وقدرة استثنائية على إعادة طرح الأسئلة القديمة بصيغ جديدة.

ينتمي موران إلى جيل من المفكرين الذين لم يفصلوا بين المعرفة والحياة، بين الفكر والتجربة التاريخية. فقد خرج من رحم القرن العشرين بكل مآسيه وآماله، حاملاً اقتناعا راسخا بأن فهم العالم يقتضي التحرر من النظرات الأحادية التي تختزل الواقع في بعد واحد أو تفسير واحد. ومن هنا جاءت دعوته إلى "الفكر المركب"، ليس كموضة أكاديمية، بل كضرورة تفرضها طبيعة عالم تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية على نحو غير مسبوق.

لقد أدرك مبكر أن البشرية دخلت زمنا جديدا، لم تعد فيه الحدود التقليدية بين الحقول المعرفية قادرة على تفسير ما يجري. فالأزمة البيئية ليست منفصلة عن أنماط الإنتاج والاستهلاك، والتقدم التكنولوجي ليس معزولا عن علاقات السلطة، والعولمة ليست مجرد اندماج اقتصادي بل إعادة تشكيل شاملة للعالم ولأشكال الهيمنة داخله. ولهذا ظل يدعو إلى استعادة النظرة الكلية التي ترى الترابط بين الظواهر بدل الاكتفاء بتفكيكها إلى عناصر منفصلة.

غير أن أهمية موران لا تكمن فقط في ما قدمه من مفاهيم، بل أيضا في موقفه الفكري والأخلاقي. فقد ظل طوال مسيرته رافضا للدوغمائيات بمختلف أشكالها، منتقدا لكل أشكال الانغلاق العقائدي، ومدافعا عن حق الفكر في الشك والمراجعة والتجدد. وفي زمن تتصاعد فيه الشعبويات والنزعات الهوياتية الضيقة، بدا صوته وكأنه تذكير دائم بأن مصير البشرية واحد، وأن الأزمات الكبرى لا يمكن مواجهتها إلا بمنطق التضامن الكوني.

ومع ذلك، فإن أفضل تكريم لإدغار موران لا يكون بتحويله إلى أيقونة فكرية جديدة، بل بقراءة أعماله قراءة نقدية. فالتعقيد الذي تحدث عنه لا يلغي وجود التناقضات الاجتماعية العميقة التي تشق العالم، ولا يعفي من البحث في جذور اللامساواة والاستغلال والحروب. إن فهم ترابط الظواهر ينبغي أن يقود إلى مساءلة القوى التي تنتج هذا الواقع وتعيد إنتاجه، لا إلى الاكتفاء بوصف تشابكاته.

برحيل موران، يفقد الفكر العالمي أحد آخر ممثلي جيل كان يؤمن بأن المعرفة مشروع تحرر، وأن التفكير فعل مقاومة في مواجهة الجهل والتعصب والامتثال. لكن الأفكار التي تركها ستظل حية، ليس لأنها تقدم أجوبة نهائية، بل لأنها تدفعنا إلى التفكير في عالم يزداد تعقيدا، وإلى البحث عن سبل تغييره بدل الاكتفاء بتفسيره.

لقد رحل الرجل، لكن السؤال الذي ظل يرافق مسيرته الفكرية ما يزال مطروحا بإلحاح: كيف يمكن للإنسانية أن تفهم نفسها في عالم صنعته، ثم أصبح أكبر من قدرتها على الفهم؟

ذلك هو السؤال الذي يجعل من إرث إدغار موران إرثا مفتوحا على المستقبل، لا مجرد ذكرى من الماضي.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...
- بمناسبة ذكرى ميلاده: لينين كإشكالية راهنة
- مزن النيل: حين يصبح الفقد مساءلة لضمير اليسار
- بين الإمبرياليات الصاعدة وأوهام “المعسكرات”: قراءة ماركسية ن ...
- سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة
- ليس كل معارض ثوريا: حول كتاب ماركس السيد فوغت
- بين صمت مهيب وحقيقة مرة: في مساءلة إرث يورغن هابرماس
- ليون تروتسكي: الكلمة التي ثارت — قراءة أدبية في كتاباته وأسل ...
- كلارا زتكين: المسألة النسوية في قلب الصراع الطبقي
- الحرب في الفكر الماركسي: البنية الاقتصادية، الخلفية السياسية ...
- موتٌ بالتقسيط (قصة قصيرة)
- من 20 فبراير إلى جيل زد: تحوّلات الفعل والوعي
- فلسطين بين زخم الشارع الغربي وصمت المنطقة: مفارقات التضامن ف ...
- من إبستين إلى العالم العربي: حين يصبح الإفلات من العقاب قاعد ...
- قصة قصيرة: مواطن نموذجي (نسخة مُحدَّثة)
- أحمد بن جلون… حين يصبح المناضل ذاكرةً تمشي بيننا
- هان فان ميغيرين: أكبر مزوّر لأعمال فيرمير في تاريخ الفن
- ميشيل بارنتي: عين ماركسية ترى ما تخفيه القوة


المزيد.....




- 3 مسارات تعيد رسم الشرق الأوسط ما بعد الحرب
- هل تنجح الحكومة العراقية في حصر السلاح؟
- حواجز وإتاوات.. من يعرقل امتحانات طلاب السويداء؟
- تحصينات إسرائيلية برفح تعيد الجدل بشأن الملحق الأمني لـ-كامب ...
- بوتين: جربنا أسلحتنا في أوكرانيا والحرب ستتوقف بشروطنا
- سلام: المفاوضات لم تكن سهلة.. واجهنا تعنتا إسرائيليا
- -باراك أوباما- يترشح لمنصب حاكم كاليفورنيا.. ما القصة؟
- زامير: الجيش الإسرائيلي جاهز ونركز على الجبهة الشمالية
- قطاع غزة.. تحذيرات من كارثة بيئية غير مسبوقة
- لبنان.. رفض حزب الله للاتفاق يهدد جهود إنهاء الحرب مع إيران ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار