أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة














المزيد.....

عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 00:31
المحور: الادب والفن
    


ليست قيمة الشاعر في ما يتركه من قصائد، وإنما في نوع الأسئلة التي يتركها معلقة في ضمير عصره. فهناك من يكتب لأن اللغة هوايته، وهناك من يكتب لأن الصمت خيانة. وكان عبد المجيد بنخالي، أو "ابن الأثير عبده"، من الصنف الثاني؛ أولئك الذين لم ينظروا إلى الزجل باعتباره فنا للفرجة أو لعبة لغوية، بل باعتباره شكلا من أشكال الوعي الشعبي، ووسيلة لمساءلة واقع يزداد قسوة كلما ادعى أنه أكثر حداثة.

يقول في واحدة من أكثر ومضاته كثافة:

«"حيث لبسنا حق
ولينا عيفة الناس
ولحال تمسخ
دارونا مكيال
يكيلو فيه الوسخ."»

في هذا المقطع لا يتحدث الشاعر عن مظلومية فردية، بل عن انقلاب تاريخي في منظومة القيم. فالحق لم يعد يمنح صاحبه مكانة أخلاقية، بل صار سببا للعزلة والإقصاء. إنها لحظة يصبح فيها الدفاع عن الكرامة سلوكا شاذا، بينما يتحول التكيف مع الرداءة إلى شرط غير معلن للاندماج داخل مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية.

إن أخطر ما في هذا النص أنه لا يرثي الضحية، بل يكشف الآليات التي تنتجها. فعبارة "ولحال تمسخ" ليست وصفا لحالة نفسية، وإنما تشخيص لمسار اجتماعي طويل، تتآكل فيه المعاني، وتتبدل المقاييس، حتى يغدو القبح مألوفا، ويصبح الفساد جزءا من النظام الطبيعي للأشياء. عندها لا يعود الإنسان يقاس بما يحمله من قيم، وإنما بمدى قدرته على التكيف مع الخراب.

ومن هنا تأتي الصورة الأخيرة: "دارونا مكيال يكيلو فيه الوسخ." إنها ليست استعارة شعرية فحسب، بل نقد لميزان اجتماعي مختل، لم يعد يزن النزاهة ولا المعرفة ولا الوفاء، وإنما يقيس قابلية الإنسان للانحناء أمام القوة والمصلحة. إنها صورة تختزل أزمة مجتمع بأكمله، أكثر مما تختزل تجربة فرد.

لهذا ظل عبد المجيد بنخالي قريبا من الناس. لم يكن مثقفا يتحدث من برج عاجي، بل كان جزءا من الحياة اليومية، من المقاهي والساحات والمسارح، ومن ذاكرة مدينة آسفي التي كانت حاضرة في كتاباته باعتبارها فضاء للإنسان البسيط، لا مجرد مكان جغرافي. كان يدرك أن الثقافة لا تقاس بعدد الكتب، بل بقدرتها على الدفاع عن المعنى في زمن تتسارع فيه عمليات تفريغ الكلمات من مضامينها.

واليوم، ونحن نستعيد اسمه، لا ينبغي أن يكون ذلك من باب الحنين وحده، لأن الحنين، مهما كان نبيلا، لا يصنع ذاكرة حية. الوفاء الحقيقي هو أن نعيد قراءة تجربته باعتبارها جزءا من تاريخ الثقافة الشعبية المغربية، وأن ندرك أن الزجل، حين يمتلك عمقا فكريا وحسًا إنسانيا، يصبح وثيقة اجتماعية لا تقل أهمية عن الدراسات الأكاديمية.

لقد رحل عبد المجيد بنخالي، لكن السؤال الذي حمله في كلماته ما يزال قائما: كيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على إنسانيته إذا أصبح الحق تهمة، وأصبح "الوسخ" هو المعيار الذي توزن به الأشياء؟

ذلك هو السؤال الذي يجعل الشاعر حيا بعد رحيله، ويجعل الكلمة الصادقة أطول عمرا من أصحابها.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...
- بمناسبة ذكرى ميلاده: لينين كإشكالية راهنة
- مزن النيل: حين يصبح الفقد مساءلة لضمير اليسار


المزيد.....




- -يوم الكشف-.. هل نجح الفيلم في استعادة سحر الخيال العلمي؟
- الثقافة الإيطالية تنتقد خطة الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل بينا ...
- معارض إيطالي: نية المفوضية الأوروبية وقف تمويل بينالي البندق ...
- المسرح المغربي يودع محمد الزيات بعد مسيرة امتدت لأكثر من 4 ع ...
- الطب الشرعي يكشف سبب وفاة الممثلة التركية إيجي أرتيم ويحسم ل ...
- مجلس الشعب السوري يعقد أولى جلساته بعد سقوط الأسد، والشرع يد ...
- اللواء رضائي: إذا نجح الأعداء في ترسيخ ثقافة اغتيال القادة ف ...
- المفوضية الأوروبية توصي بوقف تمويل بينالي البندقية بسبب مشار ...
- سوق السلاح في عمّان.. إرث الفروسية تحرسه القوانين
- المتحف الروسي في بطرسبورغ يفتح أبوابه مجانا للمشاركين في ال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة