أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين














المزيد.....

دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 00:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إذا كان القرن العشرون قد أنجب مفكرين سعوا إلى بناء يقين ثوري، فإن دانييل بنسعيد كان من بين القلائل الذين حاولوا إنقاذ الماركسية من اليقين نفسه. لم يكن همه الدفاع عن تراث جامد، ولا ترميم أطلال تجربة انهارت، بل إعادة اكتشاف الروح النقدية التي جعلت من الماركسية، في أصلها، منهجا مفتوحا لفهم العالم وتغييره.

حين انهار الاتحاد السوفياتي، بدا لكثيرين أن الماركسية قد انتهت. لم يكن سقوط نظام سياسي فحسب، بل انهياراً لرؤية كاملة للتاريخ. خرج منظرو الليبرالية يعلنون "نهاية التاريخ"، بينما وجد جزء كبير من اليسار نفسه بين خيارين: إما الدفاع عن الماضي بكل تناقضاته، وإما الاستسلام الكامل للرأسمالية المنتصرة. لكن بنسعيد رفض هذا الابتزاز الفكري. فقد رأى أن انهيار البيروقراطية السوفياتية لا يعني سقوط نقد ماركس للرأسمالية، تماماً كما أن سقوط الكنيسة في لحظة تاريخية لا يعني نهاية الإيمان الديني.

كان السؤال الذي شغله هو: كيف يمكن أن تظل الماركسية حية بعد انهيار التجربة التي ادعت تمثيلها؟

لم يبحث عن الجواب في النصوص المقدسة، بل في العودة إلى ماركس نفسه. غير أن هذه العودة لم تكن عودة إلى ماركس الأرثوذكسي الذي اختزل التاريخ في قوانين حتمية، وإنما إلى ماركس الذي كان يعتبر التاريخ فضاء للصراع والإمكان. ولذلك خاض معركة فكرية ضد كل أشكال الحتمية التاريخية التي حولت الاشتراكية إلى نتيجة مضمونة لتطور الرأسمالية.

كان بنسعيد يعتقد أن الرأسمالية لا تسقط وحدها، وأن الأزمات الاقتصادية، مهما بلغت حدتها، لا تنتج تلقائيا بديلا اشتراكيا. فبين الأزمة والثورة توجد السياسة، والتنظيم، والوعي، والموازين الاجتماعية. لذلك كان يرفض الانتظار، كما كان يرفض المغامرة. فالتاريخ ليس قطارا يسير على سكة واحدة، بل شبكة من الاحتمالات التي يحدد البشر مآلاتها من خلال الصراع.

ومن هنا جاء اهتمامه العميق بالفيلسوف الألماني والتر بنيامين. فقد وجد عنده تصورا مختلفا للزمن، لا باعتباره تقدما مستمرا، بل كسلسلة من الانقطاعات والقفزات والفرص الضائعة. لقد استعار منه فكرة أن الثورة ليست محرك التاريخ فقط، بل قد تكون أيضا "فرامل الطوارئ" التي تمنع البشرية من الاندفاع نحو الكارثة.

هذا التصور للزمن قاده إلى إعادة التفكير في الاستراتيجية الثورية. فلم يعد السؤال هو متى ستأتي الثورة، بل كيف تبنى الشروط السياسية والاجتماعية التي تجعلها ممكنة. ولذلك ركز على أهمية التنظيم، والعمل الجماهيري، والتحالفات، والانخراط في النضالات اليومية، دون فقدان الأفق الاشتراكي.

ولعل أحد أهم إسهاماته يتمثل في إعادة الاعتبار لمفهوم السياسة داخل الماركسية. فقد انتقد النزعة الاقتصادية التي اختزلت الصراع في تناقضات السوق، كما انتقد المقاربات الثقافوية التي همشت علاقات الإنتاج. بالنسبة إليه، السياسة ليست انعكاساً للاقتصاد، بل مجالا مستقلا نسبيا، تتحول فيه الإمكانيات الاجتماعية إلى وقائع تاريخية.

كما كان من أوائل الماركسيين الذين أدركوا أن الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تتجاهل القضايا البيئية. فقد رأى أن الأزمة الإيكولوجية ليست انحرافا عن الرأسمالية، بل نتيجة مباشرة لمنطقها القائم على التراكم اللامحدود. ولهذا فإن الدفاع عن البيئة لا ينفصل عن الدفاع عن العدالة الاجتماعية، لأن الرأسمالية تستنزف الإنسان والطبيعة بالمنطق نفسه.

وفي الوقت نفسه، دافع عن ضرورة انفتاح المشروع الاشتراكي على الحركات النسوية، ومناهضة العنصرية، وحقوق الشعوب المضطهدة، دون أن يتحول ذلك إلى تخل عن مركزية نقد علاقات الاستغلال الرأسمالية. كان يعتبر أن هذه النضالات لا تتناقض مع الصراع الطبقي، بل تغنيه وتوسعه.

لم يكن بنسعيد منظرا أكاديميا يعيش داخل الجامعة. فقد ظل مناضلا حتى أيامه الأخيرة، مشاركا في النقاشات الكبرى داخل الحركة المناهضة للعولمة، وفي المنتديات الاجتماعية العالمية، ومدافعا عن فكرة أممية جديدة تستجيب لعالم أصبحت فيه الرأسمالية أكثر عالمية من أي وقت مضى.

وتكتسب كتاباته اليوم أهمية خاصة، لأن العالم الذي وصفه أصبح أكثر تعقيدا. فالأزمات المالية تتكرر، والحروب تتوسع، والكوارث البيئية تتسارع، واليمين المتطرف يصعد في مختلف القارات. وكل ذلك يعيد إلى الواجهة السؤال الذي شغل حياته: كيف يمكن بناء بديل اشتراكي في زمن تبدو فيه الرأسمالية أكثر قوة، لكنها أيضا أكثر هشاشة؟

قد لا نجد عند دانييل بنسعيد أجوبة نهائية، لكنه يترك لنا شيئا أكثر قيمة: منهجا في التفكير. لقد علم أجيالا كاملة أن الماركسية ليست عقيدة مغلقة، بل نقد دائم؛ وأن الثورة ليست موعدا مكتوبا في التاريخ، بل إمكانية يصنعها البشر؛ وأن الهزائم لا تبرر الاستسلام، بل تدعو إلى مراجعة الأدوات وتجديد المشروع.

ولهذا يبقى دانييل بنسعيد أحد أهم الوجوه الفكرية التي أعادت إلى الماركسية روحها النقدية بعد انهيار اليقين، وأحد المفكرين الذين أثبتوا أن الوفاء الحقيقي لماركس لا يكون بتكرار عباراته، وإنما بمواصلة طرح الأسئلة التي لم يتوقف التاريخ عن إنتاجها.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...
- بمناسبة ذكرى ميلاده: لينين كإشكالية راهنة


المزيد.....




- حماس تعلن خليل الحية زعيمًا جديدًا خلفًا للسنوار وتكشف طريقة ...
- استعراض ترامب نهاية مثالية لكأس عالم تتسم بالإسراف والأضرار- ...
- من هو خليل الحية رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس؟
- تسريب: مشاكل بالجملة يواجهها لواء -ليتوانيا- للجيش الألماني ...
- سقوط البطل ـ الأرجنتين تخسر اللقب وسط انتقادات عالمية
- موريتانيا محطة أساسية في جولة وزير خارجية ألمانيا الأفريقية ...
- روسيا.. مقتل 5 أشخاص وإصابة 23 بهجوم مسيّرة أوكرانية
- بريطانيا: ستارمر يلقي كلمة وداعية أمام المقرّ الرسمي لرئيس ا ...
- الاحتلال يروج لهما -منطقتين تجريبيتين-.. نازحون يعودون إلى ب ...
- الثأر في الخطاب الإيراني… من الأسطورة إلى السياسة


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين