أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي















المزيد.....

ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 22:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ضد التخوين ومصادرة التاريخ

كلما عاد اسم أبراهام السرفاتي إلى النقاش، خرج من بين ركام الذاكرة السياسية من يريد أن يحاكم الرجل لا بما عاشه وناضل من أجله، وإنما بما يوافق هواه السياسي اليوم. وحين تعجز الحجة عن مواجهة التاريخ، يصبح التخوين هو البديل الأسهل: تنتزع مواقف من سياقاتها، وتبتر مراحل من مساره، وتمحى سنوات النضال والاعتقال والسجن والمنفى، ثم يقدم المناضل في صورة جاهزة تصلح للإدانة، لكن التاريخ لا يكتب بهذه الطريقة.

السرفاتي ليس ملكا لتيار سياسي، ولا شهادة حسن السيرة تمنح له أو تسحب منه وفقا لمزاج هذا الطرف أو ذاك. إنه جزء من تاريخ الصراع السياسي والاجتماعي في المغرب، وتاريخه ملك لذاكرة المناضلين وللتاريخ نفسه، بكل ما فيه من شجاعة وأخطاء، ومن نجاحات وإخفاقات، ومن اختيارات وقطائع وتناقضات.

والذين يعتقدون أن الدفاع عن السرفاتي يقتضي تحويله إلى مناضل معصوم إنما يسيئون إليه بقدر الذين يريدون اغتياله سياسيا بعد رحيله. فالسرفاتي لا يحتاج إلى أسطورة تحميه، كما لا يحتاج إلى محكمة أيديولوجية تحاكمه. يحتاج إلى قراءة تاريخية نقدية تضع كل موقف في سياقه، وكل تحول في شروطه، وكل قطيعة في أسبابها، إن التخوين ليس نقدا.

النقد يسأل: لماذا اتخذ المناضل هذا الموقف؟ ما الشروط التي أنتجته؟ أين أصاب؟ أين أخطأ؟ وما الذي تكشفه تجربته عن المرحلة التي عاشها؟
أما التخوين فيبدأ من النتيجة التي يريد الوصول إليها، ثم يبحث عن الوقائع التي تخدمها، وبين المنهجين مسافة أخلاقية وسياسية كبيرة.

لقد عاش السرفاتي في زمن كانت فيه السياسة مكلفة فعلا؛ زمن كان فيه الانتماء إلى اليسار الثوري يمكن أن يقود إلى الاعتقال والسجن والتعذيب والمنفى، لا إلى صفحات التكريم والاحتفال. ولذلك فإن من يريد محاكمة الرجل اليوم مطالب أولا بأن يفهم العالم السياسي الذي عاش فيه، وأن يقرأ اختياراته ضمن الصراعات التي صنعتها، لا أن يعيد ترتيب الماضي وفق خريطة الحاضر.

إننا لا ندافع هنا عن السرفاتي ضد النقد، بل ندافع عن حقه في أن ينقد باعتباره مناضلا حقيقيا، لا باعتباره خصما افتراضيا، والفرق كبير.

فالذين يخلطون بين النقد والتخوين لا يريدون في الحقيقة فتح نقاش حول تجربة السرفاتي، وإنما يريدون إغلاقها. يريدون أن يقولوا لنا إن هناك مواقف مسموحا بها ومواقف محرمة، وإن المناضل لا يحق له أن يختلف، ولا أن يراجع، ولا أن يخطئ، ولا أن يخرج عن الإجماع.

لكن المناضل الذي لا يملك حق الاختلاف ليس مناضلا، والتنظيم الذي لا يحتمل النقد يتحول إلى عقيدة مغلقة، واليسار الذي يصادر تاريخه باسم الطهارة السياسية يفقد القدرة على فهم نفسه.

لهذا تأتي هذه القراءة لا لتقديس أبراهام السرفاتي، ولا لتبرئة كل اختياراته، وإنما لرفض اغتياله مرتين: مرة بالقمع حين كان حيا، ومرة بالتخوين حين أصبح جزءا من التاريخ.

فالذين يخونون السرفاتي اليوم لا يختلفون معه سياسيا فقط؛ إنهم، في كثير من الأحيان، يريدون مصادرة حقنا في قراءة تاريخ اليسار المغربي قراءة مستقلة عن المحاكم الأيديولوجية، وهذا ما نرفضه، لأن تاريخ المناضلين لا يكتب بمنطق: معنا أو ضدنا.

يكتب بمنطق أصعب وأكثر مسؤولية: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ ماذا تعلمنا منه؟ وماذا بقي من أسئلته مفتوحا أمامنا اليوم؟ ومن هنا تبدأ قراءة أبراهام السرفاتي.

ليس من السهل الكتابة عن أبراهام السرفاتي كما لو أننا نكتب عن شخصية اكتملت سيرتها واستقرت دلالتها. فالسرفاتي لم يكن مجرد اسم في تاريخ اليسار المغربي، ولا مجرد مناضل ارتبط اسمه بالمقاومة والاعتقال والسجن والمنفى. لقد كان جزءا من تاريخ سياسي وفكري متوتر، تاريخ لم يكن فيه اليسار المغربي مجرد حامل لأفكار جاهزة، بل كان مجالا لصراع طويل حول معنى الاستقلال، وطبيعة التحرر، والعلاقة بين الوطني والاجتماعي، وبين الديمقراطية والاشتراكية، وبين التنظيم والمجتمع.

ولهذا فإن استعادة السرفاتي اليوم لا ينبغي أن تكون مناسبة لإعادة إنتاج صورته كمناضل أسطوري، ولا مناسبة لإدانته أو تبرئته بأثر رجعي. الأجدى هو قراءة مساره باعتباره تجربة سياسية وفكرية مركبة، وطرح الأسئلة التي واجهت جيلا كاملا من المناضلين المغاربة: كيف يمكن الانتقال من مقاومة الاستعمار إلى مقاومة علاقات الاستغلال؟ كيف يمكن بناء مشروع للتحرر الاجتماعي داخل مجتمع له تاريخه وبنياته وخصوصياته؟ وكيف يستطيع المناضل أن يحافظ على استقلاله الفكري عندما تصطدم قناعاته بالخط العام لتنظيمه أو بالحركة التي ينتمي إليها؟

من الاستقلال الوطني إلى سؤال التحرر الاجتماعي

بدأ السرفاتي من الحركة الشيوعية، وانخرط في النضال السياسي والنقابي في مرحلة كان فيها المغرب يعيش تحت السيطرة الاستعمارية. لكن تجربته ستقوده تدريجيا إلى إدراك أن المسألة الوطنية لا يمكن فصلها عن المسألة الاجتماعية.

فانتزاع الاستقلال السياسي لا يعني، في حد ذاته، تحرر العمال والفلاحين والفئات الشعبية من علاقات الاستغلال والتبعية. ويمكن لدولة مستقلة أن تعيد إنتاج كثير من علاقات القوة التي كانت قائمة في المرحلة الاستعمارية، وإن بأشكال جديدة.

من هنا أخذ السؤال الاجتماعي يحتل مكانا مركزيا في تفكير السرفاتي. لم يعد التحرر بالنسبة إليه مجرد استرجاع للسيادة الوطنية، وإنما أصبح يعني أيضا تغيير علاقات القوة داخل المجتمع.

وقد ارتبط هذا التحول باهتمامه بقضايا العمال والمناجم والنضال النقابي. فالاشتراكية لم تعد بالنسبة إليه مجرد منظومة فكرية، وإنما صارت مرتبطة بالممارسة اليومية للطبقات الكادحة وبالصراع حول شروط العمل والسلطة الاقتصادية.

كان السؤال الذي يفرض نفسه بسيطا في صياغته، عميقا في نتائجه: من يملك الثروة؟ ومن يملك القرار؟ ومن يملك القدرة على تغييرهما؟

عندما يصبح التنظيم موضع سؤال

مع بداية الستينيات، أخذت المسافة بين السرفاتي والحزب الشيوعي المغربي تتسع، لم يكن الأمر مجرد خلاف تنظيمي أو شخصي. كانت وراءه أسئلة استراتيجية تتعلق بطبيعة المرحلة، وبالقوى الاجتماعية القادرة على التغيير، وبالعلاقة بين الحركة الشيوعية والقوى الوطنية، وبحدود التحالفات السياسية، كان الاستقلال قد تحقق، لكن الدولة الجديدة لم تكن دولة التحرر الاجتماعي.

وكانت هذه المفارقة تفرض على اليسار إعادة بناء تصوراته: هل انتهت مهمة النضال الوطني بمجرد رحيل الاستعمار المباشر؟ أم أن التحرر الوطني نفسه يظل ناقصا إذا لم يتحول إلى تحرر اجتماعي وديمقراطي؟ هنا بدأت القطيعة مع التصورات القديمة.

فالقطيعة الحقيقية لا تبدأ عندما يغادر المناضل تنظيما، وإنما عندما يكتشف أن الأدوات النظرية والتنظيمية التي يمتلكها لم تعد قادرة على تفسير الواقع أو تغييره.

وهذه واحدة من أهم دلالات تجربة السرفاتي: لقد كان يبحث عن طريق للتغيير يتجاوز حدود المعارضة السياسية التقليدية.

1965: المجتمع يدخل السياسة

جاءت أحداث 1965 لتكشف عمق التناقضات الاجتماعية والسياسية في المغرب.

لم تعد السياسة حكرا على الأحزاب والنخب. دخل الشباب والأحياء الشعبية والفئات الكادحة إلى المجال السياسي بصورة مباشرة، وظهر أن هناك مجتمعا يتجاوز الأطر التقليدية للتمثيل.

كانت هذه اللحظة كاشفة بالنسبة إلى جيل من المناضلين، لأنها طرحت سؤالا جديدا: ليس فقط كيف نعارض السلطة، وإنما كيف نبني قوة اجتماعية وسياسية تستطيع تغيير ميزان القوى؟ من هنا ظهر الرهان على التنظيم الثوري.

لكن التاريخ سيكشف لاحقا أن التنظيم، مهما كانت صلابته، لا يستطيع أن يعوض غياب الشروط الاجتماعية التي تسمح له بالتحول إلى قوة جماهيرية.

فالثورية ليست مجرد شجاعة، وليست مجرد سرية وانضباط وتضحيات. إنها قبل كل شيء قدرة على الارتباط بحركة المجتمع، وعلى تحويل التناقضات الاجتماعية إلى وعي وتنظيم وفعل جماعي.

وهذه إحدى المسائل التي تجعل تجربة السرفاتي جديرة بالقراءة النقدية، لا بالتمجيد.

القمع والسجن والمنفى

كان الاعتقال والسجن والمنفى محطات مركزية في حياة السرفاتي، لكن قيمة هذه التجربة لا تختزل في سنوات المعاناة وحدها، الأهم هو ما يكشفه القمع عن العلاقة بين الإنسان والفكرة.

يمكن للقمع أن يكسر المناضل، ويمكن أن يحوله إلى أسير لصورة بطولية عن ذاته، لكنه يمكن أيضا أن يدفعه إلى إعادة النظر في أفكاره وتجربته.

وفي هذا المعنى، فإن أحد أهم جوانب شخصية السرفاتي كان قدرته على الاستمرار في التفكير وسط الهزائم والقطائع.

فالمناضل ليس من يظل متمسكا بكل أفكاره الأولى حتى النهاية، وإنما من يستطيع مراجعة أفكاره دون أن تتحول المراجعة إلى استسلام.

إن الثبات الحقيقي ليس ثباتا على كل فكرة، بل ثبات على المبدأ التحرري مع القدرة على تغيير الوسائل والتصورات عندما يكشف الواقع حدودها.

الهوية: اليهودي والمغربي والمناضل

تحتل قضية الهوية موقعا خاصا في تجربة السرفاتي، كان يهوديا مغربيا وماركسيا ومناضلا من أجل التحرر الوطني والاجتماعي. ولم ير في هذه العناصر تناقضا ضروريا.

فاليهودية بالنسبة إليه لم تكن مرادفا للصهيونية، كما أن الانتماء المغربي لم يكن بحاجة إلى محو هويته اليهودية، وهنا تكمن أهمية تجربته في مواجهة اختزالين متناقضين.

الاختزال الأول يحاول ربط اليهودي المغربي تلقائيا بالمشروع الصهيوني، والاختزال الثاني يريد محو يهوديته حتى يصبح مقبولا داخل صورة نمطية عن المناضل الوطني، السرفاتي رفض الاختزالين.

كان يرى أن الهوية التاريخية والثقافية شيء، والمشروع السياسي الصهيوني شيء آخر، ومن هنا تحولت مسألة الهوية إلى جزء من المعركة الفكرية ضد الصهيونية، دون التخلي عن الانتماء المغربي وعن قضية التحرر الاجتماعي.

إن أهمية هذه التجربة تتجاوز السرفاتي نفسه، لأنها تطرح على اليسار سؤالا دائما: هل يستطيع أن يتعامل مع تعدد الهويات والانتماءات باعتباره جزءا من الواقع الاجتماعي، أم أنه يحتاج إلى هويات سياسية صلبة ومغلقة؟

الصحراء والاستقلال الفكري

كانت قضية الصحراء واحدة من أكثر القضايا التي جعلت السرفاتي يدخل في مواجهة مع السلطة، وفي الوقت نفسه في خلافات مع أجزاء من اليسار، وهنا لا تكمن أهمية التجربة في إصدار حكم سريع على موقفه، وإنما في السؤال الذي تفرضه حول معنى الاستقلال الفكري للمناضل.

ماذا يفعل عندما تصبح قناعته مخالفة للموقف السائد داخل الحركة التي ينتمي إليها؟ وهل يستطيع اليسار أن يقبل الاختلاف عندما يتعلق الأمر بقضية وطنية حساسة؟ إن استقلال المناضل لا يختبر عندما يتطابق موقفه مع موقف رفاقه، وإنما عندما يصبح الاختلاف مكلفا.

ومن هذه الزاوية، فإن تجربة السرفاتي تضع أمامنا سؤالا أكبر من قضية الصحراء نفسها: هل يمكن لحركة ثورية أن تحافظ على وحدتها دون أن تتحول وحدتها إلى إلغاء للاختلاف؟

بين القطيعة والمراجعة

لم يكن مسار السرفاتي خطا مستقيما، كان سلسلة من التحولات والقطائع والمراجعات.

بدأ من الشيوعية، ثم اصطدم بحدود التجربة الحزبية، وانخرط في البحث عن تنظيم ثوري جديد، وعاش تجربة القمع والسجن والمنفى، ثم واصل التفكير السياسي في ظروف جديدة.

وهذا بالضبط ما يجعل تجربته إنسانية وتاريخية في آن واحد.

فالمناضل ليس كائنا سياسيا مكتمل الأجوبة، إنه يتشكل داخل الصراع.

وقد يصيب، وقد يخطئ، وقد يكتشف بعد سنوات أن بعض رهاناته كانت محدودة أو أن بعض تقديراته لم تكن دقيقة، لكن الاعتراف بذلك ليس تقليلا من قيمة التجربة، بل هو جزء من فهمها.

فاليسار الذي لا يستطيع مراجعة نفسه يتحول تدريجيا من حركة للتغيير إلى حركة للدفاع عن ذاكرتها.

السرفاتي ومسألة اليسار

إن قراءة السرفاتي لا تقودنا إلى سؤال شخصي فقط، بل إلى سؤال اليسار المغربي كله.

لقد حاول جيل كامل أن يجد طريقا بين الاستقلال الوطني والتحرر الاجتماعي، بين النضال الديمقراطي والثورة الاجتماعية، بين التنظيم والنضال الجماهيري.

لكن هذا البحث اصطدم بتناقضات موضوعية وذاتية، وبالقمع، وبضعف الحركة الجماهيرية، وبأزمات التنظيمات، وبالتحولات التي عرفها المجتمع المغربي والعالم.

ولهذا فإن قيمة تجربة السرفاتي لا تكمن فقط فيما أنجزه، وإنما أيضا في حدود ما استطاع إنجازه.

فالتجربة التاريخية تصبح مفيدة عندما نقرأ نجاحاتها وإخفاقاتها معا، إن السؤال ليس: لماذا فشل هذا المناضل أو ذاك؟

السؤال الأهم هو: ما الذي جعل مشروعا للتحرر الاجتماعي يجد نفسه عاجزا عن التحول إلى قوة تاريخية واسعة؟ هنا ينتقل النقاش من سيرة الفرد إلى أزمة المشروع نفسه.

لماذا يبقى السرفاتي حاضرا؟ لأن الأسئلة التي عاشها لم تنته، ما زالت الديمقراطية مطروحة، وما زال الاستغلال قائما، وما زالت التبعية الاقتصادية والاجتماعية حاضرة، وما زال اليسار يبحث عن علاقته بالطبقات الشعبية، وما زال سؤال التنظيم قائما، وما زال هناك فارق بين رفض الظلم أخلاقيا وبين امتلاك القوة الاجتماعية والسياسية لتغييره.

لهذا فإن السرفاتي لا ينبغي أن يستعاد باعتباره جوابا جاهزا، ينبغي أن يستعاد باعتباره سؤالا، سؤالا عن العلاقة بين الوطنية والتحرر الاجتماعي، سؤالا عن العلاقة بين الماركسية والواقع المغربي، سؤالا عن العلاقة بين التنظيم والمجتمع، سؤالا عن استقلال المناضل عن الدولة وعن التنظيم وعن الأفكار الجاهزة، وسؤالا، قبل كل شيء، عن إمكانية بناء مشروع تحرري قادر على الجمع بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي.

الوفاء للسرفاتي هو نقده

أسوأ ما يمكن أن نفعله بالسرفاتي هو أن نحوله إلى قديس، فالقديس لا يناقش، بينما المناضل الحقيقي يقرأ ويناقش وينتقد.

والوفاء الحقيقي له لا يكون بتكرار شعاراته، ولا بإعادة إنتاج صورته البطولية، وإنما بمحاولة فهم الظروف التي أنتجت اختياراته، ونقد تلك الاختيارات، واستخلاص ما يمكن أن يفيد منها اليوم.

يمكن أن نختلف معه في بعض مواقفه، وأن نرى حدود بعض خياراته، دون أن ننكر شجاعته أو أهميته التاريخية، بل إن النقد هو الشكل الوحيد الذي يجعل التجربة قابلة للحياة، فالأفكار لا تبقى حية لأنها مقدسة، وإنما لأنها قادرة على الدخول في صراع دائم مع الواقع.

السرفاتي: مسار لا عقيدة

لم يترك أبراهام السرفاتي وراءه عقيدة مغلقة، ترك مسارا، والمسار أهم من العقيدة عندما يتعلق الأمر بمناضل عاش السياسة باعتبارها بحثا وصراعا ومراجعة.

لقد ترك لنا أسئلة أكثر مما ترك أجوبة، ترك سؤال الوطنية عندما تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وترك سؤال الاشتراكية عندما تنفصل عن حركة المجتمع، وترك سؤال التنظيم عندما يتحول إلى غاية في ذاته، وترك سؤال الماركسية عندما تتحول من أداة لفهم الواقع إلى مجموعة من الإجابات الجاهزة، وترك سؤال اليسار عندما يصبح أكثر انشغالا بحراسة ماضيه من بناء مستقبله.

لهذا لا ينتمي السرفاتي إلى الماضي وحده، إنه ينتمي إلى كل لحظة يجد فيها اليسار نفسه أمام السؤال القديم المتجدد: كيف نحول الرغبة في التحرر إلى قوة اجتماعية وتاريخية قادرة على تغيير المجتمع؟ ربما يكون هذا هو الإرث الحقيقي للسرفاتي.

ليس أن نتفق معه دائما، ولا أن نختلف معه دائما، وإنما أن نمتلك الشجاعة نفسها لطرح الأسئلة، وأن نقبل بأن تكون الإجابات قابلة للنقد والمراجعة.

فالسرفاتي لم يترك لنا طريقا جاهزا، ترك لنا تجربة، والتجربة لا تعبد.

تقرأ، وتنقد، ويستخلص منها ما يساعد على بناء الطريق من جديد.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار
- دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين
- عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية


المزيد.....




- خلف كواليس -الأوديسة-.. كيف استعدت بديلة مات ديمون لتجسيد شخ ...
- -ممتنة للأبد-.. مريم أوزرلي تحتفل بعيد ميلادها الـ44
- الزيدي: العراق سيكون خاليًا من أي وجود عسكري أجنبي بحلول الأ ...
- بعد توقيع حلف مكة.. مصر والسعودية تبحثان تفعيل التعاون مع تر ...
- ثلاث طرق لمشاهدة كسوف الشمس بأمان دون استخدام نظارات
- الكويت تُعلن إحباط مخطط لـ-داعش- لاستهداف منشأة حيوية
- مستوطنون متطرفون يشتبكون مع الجيش الإسرائيلي بعد إخلاء بؤرة ...
- من معتقل قبرص إلى قبر مجهول في حيفا.. كشف هوية جندي إسرائيلي ...
- حلف الناتو يعلن بدء تقليص وجوده في كوسوفو
- لقطات جديدة لطائرة تركية من طراز -إف-16- تحطمت شمال غربي الب ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي