أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - الرجل الضاحك: حين يصبح وجه الإنسان مرآة لمجتمع مشوه















المزيد.....

الرجل الضاحك: حين يصبح وجه الإنسان مرآة لمجتمع مشوه


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 19:11
المحور: الادب والفن
    


ليست رواية «الرجل الضاحك» مجرد حكاية عن رجل يحمل على وجهه ابتسامة أبدية لا يستطيع التخلص منها. إنها، في جوهرها، رواية عن مجتمع يفرض على الإنسان قناعه قبل أن يطلب منه أن يبتسم. فغوينبلين، بوجهه المشوه الذي يبدو كأنه يضحك باستمرار، ليس مجرد شخصية غريبة صنعتها مخيلة فيكتور هوغو؛ إنه صورة مكثفة لإنسان حكم عليه بأن يحمل على جسده آثار العنف الاجتماعي، ثم طلب منه أن يتحول إلى مصدر للفرجة والتسلية.

يبدأ هوغو من الجسد، لكنه لا ينتهي إليه. التشوه الخارجي ليس سوى المدخل إلى تشوه أعمق: تشوه مجتمع يرى الفقراء من أسفل، ويرى الأقوياء من أعلى، ويحول البؤس إلى مشهد، والإنسان إلى مادة للاستهلاك.

غوينبلين لا يختار ابتسامته، لقد نحتت في وجهه بفعل قسوة الآخرين، ثم أصبحت قدره. والمفارقة المأساوية أن المجتمع لا يرى وراء هذه الابتسامة الألم الذي أنتجها. إنه يرى فقط الصورة التي يحتاج إليها: الرجل المضحك، الغريب، المختلف، الكائن الذي يمكن للجمهور أن يدفع المال كي يتفرج عليه.

هنا تكمن إحدى أكثر أفكار الرواية حداثة: المجتمع لا يكتفي بإنتاج البؤساء، بل ينتج أيضا الطريقة التي ينظر بها إليهم، إنها آلية شبيهة بما نعرفه اليوم في مجتمعات الاستعراض: يتحول الإنسان المهمش إلى صورة، والفقر إلى مادة إعلامية، والمأساة إلى فرجة، والاختلاف إلى سلعة. لا يعود السؤال: لماذا يعيش هذا الإنسان في البؤس؟ بل: كيف يمكن أن نستمتع بمشاهدة بؤسه وهكذا تصبح الضحكة نفسها فعلا سياسيا.

غوينبلين يضحك لأن وجهه أُجبر على الضحك، بينما العالم المحيط به لا يضحك لأنه سعيد، وإنما لأنه اعتاد أن يجد في معاناة الآخرين مادة للتسلية، إن الضحكة في الرواية ليست تعبيرا عن الفرح؛ إنها قناع فوق جرح، ومن هنا يمكن فهم علاقة الرواية بالسلطة، فالرجل الذي يبدو مضحكا في عيون الجمهور يحمل في داخله قدرة على كشف النظام الاجتماعي الذي صنعه، إنه يصبح من حيث لا يريد مرآة للطبقة التي تنظر إليه، كلما ضحك الجمهور منه، انكشف شيء عن الجمهور نفسه، وهذه إحدى المفارقات الكبرى عند هوغو: المهرج ليس دائما هو الأكثر سخفا، أحيانا يكون السخف الحقيقي في أولئك الذين يضحكون عليه.

في مقابل غوينبلين، تقف السلطة الأرستقراطية بكل ما تحمله من امتيازات ورموز، هناك عالم يعيش فيه بعض البشر باعتبارهم أصحاب الحق الطبيعي في الثروة والنفوذ، بينما يوجد آخرون خارج دائرة الاعتراف الإنساني، لا يحتاج صاحب الامتياز إلى أن يثبت أنه جدير بمكانته، يكفي أنه ولد في المكان المناسب، أما الفقير فعليه أن يثبت باستمرار أنه يستحق حتى أن يرى.

لهذا تبدو الرواية، في جانب أساسي منها، تفكيكا أدبيا لفكرة الامتياز الطبقي، هوغو لا يقدم المجتمع بوصفه تجمعا متساويا للأفراد، وإنما بوصفه هرما تتحرك فيه الحياة من الأعلى إلى الأسفل: في القمة سلطة وثروة ونسب، وفي القاع أجساد تعمل وتعاني وتستغل.

لكن الرواية لا تكتفي بإدانة الفقر، إنها تذهب أبعد من ذلك، إلى السؤال الأكثر إزعاجا: من الذي يصنع الفقر؟ فالبؤس ليس حادثا طبيعيا، وليس قدرا سماويا، وليس نتيجة لعيب أخلاقي في الفقراء، إنه مرتبط ببنية اجتماعية تجعل الثروة امتيازا موروثا، وتجعل القوة السياسية امتدادا للقوة الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة «الرجل الضاحك» بوصفها رواية عن الإنسان الذي ينتزع منه حقه في تعريف نفسه، غوينبلين لا يختار أن يكون مهرجا، كما لا يختار أن يكون مشوها، المجتمع هو الذي يمنحه الاسم والدور والموقع، إنه يريد أن يحوله إلى شيء يمكن النظر إليه، لا إلى إنسان يمكن الإصغاء إليه.

وهنا تظهر أهمية أورسوس وديا، باعتبارهما نقيضين أخلاقيين لعالم السلطة والفرجة، ففي علاقتهما بغوينبلين نجد إمكانية أخرى للحياة: التضامن، الرعاية، الصداقة، والحب الذي لا يقوم على المنفعة.

العائلة الصغيرة التي تتشكل خارج مؤسسات القوة تصبح، بصورة رمزية، عالما مضادا للعالم الرسمي، إنها لا تسأل غوينبلين: كم تملك؟ ولا: من أي طبقة أنت؟ ولا: كيف يبدو وجهك؟ إنها تسأله، ببساطة، إن كان إنسانا.

وهذا السؤال البسيط هو السؤال الأكثر ثورية في الرواية، فالإنسانية، عند هوغو، لا تقاس بما يمنحه المجتمع من ألقاب، وإنما بما يمتلكه الإنسان من قدرة على الحب والرحمة والتضامن.

لكن مأساة غوينبلين تبدأ حين ينتقل من الهامش إلى عالم السلطة، وحين يكتشف أن دخوله إلى ذلك العالم لا يعني بالضرورة تحرره منه، فالمجتمع الذي كان يعرضه كفرجة يستطيع أن يعرضه، في لحظة أخرى، كرمز أو أداة أو صوت.

وهنا تبلغ الرواية إحدى أكثر لحظاتها السياسية دلالة: السلطة قادرة على استيعاب حتى من يعارضها، وتحويل المختلف إلى جزء من النظام الذي كان يفضحه.

إنها ليست مجرد مسألة فردية؛ إنها مسألة تتعلق بآليات السلطة نفسها، فالسلطة لا تقمع دائما من يقف خارجها بالسجن والعنف. أحيانا تفعل شيئا أكثر ذكاء: تمنحه مكانا داخلها، ثم تفرغ اعتراضه من مضمونه، وهكذا يتحول الإنسان من شاهد على النظام إلى قطعة منه.

لكن هوغو لا يكتب رواية سياسية بالمعنى الضيق، قوته تأتي من أنه يجعل السياسة تعيش داخل الجسد والحب والفقر واللغة والمشهد المسرحي، الطبقات الاجتماعية لا تظهر في شكل جداول اقتصادية، وإنما تظهر في الطريقة التي يمشي بها الناس، وفي الملابس، وفي البيوت، وفي الطعام، وفي الأسماء، وفي مقدار الاحترام الذي يمنح لكل شخص.

إنها سياسة التفاصيل الإنسانية، ومن هنا أيضا تأتي أهمية عنوان الرواية نفسه، «الرجل الضاحك» عنوان ساخر ومأساوي في آن واحد، فالرجل لا يضحك؛ وجهه هو الذي يضحك، وبين الأمرين مسافة هائلة، هناك فرق بين أن تضحك وأن يفرض عليك أن تبدو ضاحكا، وهذه المسافة هي المسافة بين الحرية والقهر.

قد يكون الإنسان غاضبا، حزينا، مكسورا، لكنه مضطر إلى ارتداء وجه آخر لأن المجتمع لا يريد رؤية ألمه، ولذلك يمكن أن يصبح الضحك أحد أشكال العنف حين يتحول من اختيار إلى قناع مفروض.

إن غوينبلين، بهذا المعنى، ليس فقط رجلا مشوها، إنه إنسان سلبت منه حتى ملامح حزنه، وهنا تبلغ الرواية بعدها الإنساني العميق: المجتمع يستطيع أن يسلب الإنسان المال والعمل والمكانة، لكنه يستطيع أيضا أن يسلبه حقه في أن يظهر كما هو.

ولهذا تظل الرواية حاضرة بعد أكثر من قرن ونصف على كتابتها، فقد تغيرت أشكال السلطة، وتغيرت وسائل الفرجة، لكن الإنسان ما زال معرضا لأن يتحول إلى صورة، وإلى رقم، وإلى مادة للضحك، وإلى سلعة في سوق لا يسأل عن كرامته بقدر ما يسأل عن قدرته على جذب الأنظار.

لقد تغير المسرح، لكن الجمهور ما زال موجودا، وتغير المهرج، لكن الفرجة لم تنته، ولعل أقسى ما تقوله الرواية إن المجتمع الذي يضحك من الرجل الضاحك قد لا يدرك أن الابتسامة التي يراها على وجهه ليست سوى انعكاس للوجه الحقيقي للمجتمع نفسه.

إن غوينبلين يضحك، لكن الرواية لا تطلب منا أن نضحك معه، إنها تطلب منا أن نتوقف لحظة، وأن نسأل: من الذي صنع هذه الضحكة؟ ومن الذي يستفيد منها؟ ومن الذي يقف خلف الستار؟وعندما نطرح هذه الأسئلة، يتغير معنى الرواية كلها.

فالرجل الضاحك لم يعد مجرد شخصية أدبية، يصبح رمزا لكل إنسان حول ألمه إلى فرجة، ولكل فقير طلب منه أن يبتسم، ولكل مهمش جرى اختزاله في صورته، ولكل مجتمع اعتاد أن يرى البؤس من بعيد دون أن يسأل عن أسبابه، وهنا تكمن عبقرية هوغو: لقد جعل من وجه رجل واحد مرآة لوجه مجتمع كامل.

مجتمع يضحك كثيرا، لأنه لا يريد أن يرى أنه، في العمق، يعيش فوق جرح مفتوح.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي
- جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار
- دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين
- عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...


المزيد.....




- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - الرجل الضاحك: حين يصبح وجه الإنسان مرآة لمجتمع مشوه