أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رياض هاني بهار - المفاوض الأمني.. حين تنتصر الحكمة في مواجهة الخطر














المزيد.....

المفاوض الأمني.. حين تنتصر الحكمة في مواجهة الخطر


رياض هاني بهار

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 13:37
المحور: المجتمع المدني
    


في اللحظات التي تتصاعد فيها الأزمات الأمنية وتصبح حياة الأبرياء على المحك، تبرز الحاجة إلى مهارات تتجاوز القدرة على المواجهة واستخدام القوة، لتصل إلى فن إدارة المواقف الحرجة بالحكمة والصبر والحوار.
وهنا يظهر دور المفاوض الأمني، بوصفه أحد التخصصات المهمة في العمل الشرطوي الحديث، الذي يسعى إلى احتواء الأزمات وحماية الأرواح من خلال الكلمة المدروسة والقرار المتزن .

إن المفاوض الأمني ليس مجرد شخص يجيد الحديث أو يمتلك القدرة على الإقناع، بل هو متخصص يجمع بين المعرفة الأمنية والفهم النفسي والمهارات الإنسانية، ويعمل في ظروف استثنائية قد تكون فيها كلمة واحدة سبباً في تهدئة الموقف، أو يؤدي سوء تقديرها إلى تعقيد الأزمة وتصعيد مخاطرها .
وتتجلى أهمية هذا الدور في حالات احتجاز الرهائن، والتحصن المسلح، والتهديد بإيذاء النفس أو الآخرين، وغيرها من المواقف التي تتطلب إدارة دقيقة للحوار، وفهماً لطبيعة السلوك الإنساني، وقدرة على بناء جسور التواصل مع أشخاص يعيشون حالات من التوتر أو الخوف أو الغضب ، فالمفاوض الأمني لا يتعامل مع الكلمات بوصفها وسيلة للحديث فحسب، بل يستخدمها أداة مهنية لخفض التوتر وفتح الطريق أمام الحلول الآمنة .

ولعل ما يميز المفاوض الأمني الناجح هو إدراكه أن الإنسان، مهما كانت طبيعة الموقف الذي يمر به، يحتاج إلى من يستمع إليه ويفهم دوافعه دون أن يعني ذلك تبرير أفعاله أو التساهل مع مخالفته للقانون ، فالإنصات الفعال، وضبط النفس، والاتزان الانفعالي، والقدرة على قراءة الموقف، تمثل جميعها ركائز أساسية في بناء الثقة وتهيئة الظروف المناسبة لإنهاء الأزمة .

ولا يعني اعتماد التفاوض الأمني التخلي عن الحزم أو إضعاف سلطة القانون، بل يعكس فهماً متقدماً لطبيعة العمل الأمني، يقوم على اختيار الوسيلة المناسبة وفقاً لظروف كل حادث ومستوى خطورته، فالقوة والحوار ليسا بالضرورة خيارين متعارضين وإنما أداتان تخضعان لتقدير القيادة الأمنية وتستخدمان في إطار القانون وبما يحقق حماية الأرواح والسلامة العامة .

ومن المهم التأكيد أن التفاوض الأمني لا ينبغي أن يكون اجتهاداً فردياً أو ممارسة ارتجالية، بل عملاً مؤسسياً منظماً يستند إلى التدريب التخصصي، وتحديد المسؤوليات، وتكامل الأدوار بين المفاوض وقيادة الأزمة والفرق الميدانية. فنجاح المفاوض لا يعتمد على مهاراته الشخصية وحدها، وإنما يتطلب منظومة متكاملة توفر له المعلومات والدعم والتنسيق اللازم لاتخاذ المواقف المهنية السليمة.

وفي هذا السياق تبرز أهمية الاهتمام بتأهيل المفاوضين الأمنيين داخل جهاز الشرطة، من خلال إعداد برامج تدريبية متخصصة في علم النفس السلوكي، وإدارة الأزمات، ومهارات الاتصال، والتعامل مع الضغوط النفسية، فضلاً عن إجراء التمارين العملية التي تحاكي المواقف الأمنية المعقدة .

كما أن إعداد دليل استرشادي متخصص لعمل المفاوض الأمني يمكن أن يسهم في توحيد المفاهيم المهنية، وتحديد حدود الصلاحيات والمسؤوليات، وتنظيم آليات الاتصال والتنسيق مع قيادة الأزمة، ووضع أسس واضحة لتوثيق عمليات التفاوض وتقييم نتائجها واستخلاص الدروس المستفادة منها .

ولا ينبغي أن يقتصر تقييم نجاح المفاوض الأمني على انتهاء الحادث أو استسلام الطرف الآخر، بل يجب أن يمتد إلى مدى إسهامه في المحافظة على الأرواح، وتخفيف حدة التوتر، والالتزام بالضوابط القانونية والإنسانية، وجودة تعامله مع المعطيات المتاحة أثناء الأزمة. فقد يبذل المفاوض جهداً مهنياً كبيراً دون أن تنتهي الأزمة بالنتيجة المأمولة، وهو ما يجعل تقييم الأداء أكثر عمقاً من مجرد النظر إلى النتيجة النهائية

إن تطوير هذا التخصص يمثل فرصة لتعزيز البعد الإنساني في العمل الشرطوي وترسيخ مفهوم الأمن الذي يجمع بين الحزم واحترام الكرامة الإنسانية، ويمنح الحوار مكانته بوصفه إحدى الوسائل المهنية لحماية المجتمع .

فاجهزة الشرطة الحديثة لا تقاس كفاءتها بقدرتها على مواجهة الأخطار فحسب، بل بقدرتها أيضاً على منع تفاقمها، وإدارة الأزمات بأقل قدر ممكن من الخسائر، وتوظيف المعرفة والخبرة والحكمة في خدمة أمن الإنسان .

وفي النهاية يبقى المفاوض الأمني شاهداً على حقيقة مهمة مفادها أن الشجاعة لا تتجسد دائماً في المواجهة، بل قد تتجلى في الصبر وضبط النفس والقدرة على إنقاذ الأرواح بالكلمة، فأعظم الإنجازات الأمنية ليست بالضرورة تلك التي تنتهي باستخدام القوة، وإنما قد تكون أزمة خطرة انتهت بسلام، وعادت بعدها الأرواح إلى أهلها دون خسائر.



#رياض_هاني_بهار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مستشفى قوى الأمن الداخلي: من بناية مهملة إلى صرح يبعث على ال ...
- الاستخبارات الجنائية.. البحث عن الحركة غير الطبيعية وسط النش ...
- اصلاح الشرطة لا يقاس بعدد رجالها بل بنتائجها
- اليوم العالمي للوقاية من الانتحار… أين نحن من حماية الإنسان
- نموذج الإنتربول الجديد للفرق العملياتية ودلالاته للعراق
- وزارة الداخلية ليست غنيمة
- من عبير إلى هشام: كيف تختبر المأساة قدرة الاجهزة الامنية على ...
- كيف صنعت سنوات من التجاوز والإهمال وشبهات الفساد الطريق إلى ...
- اختيار القيادات… الحلقة الأهم في إصلاح الشرطة
- حين كانت السينما جزءا من حياتنا
- ماذا يريد المواطن من مركز الشرطة؟
- ابعدوا الاعلاميين عن كشف الدلالة حرصا على متطلبات التحقيق وض ...
- القبيلة السياسية.. حين يتحول النفوذ إلى تهديد للأمن
- التحليل الجنائي ودوره في صناعة القرار الأمني
- التفكير الجماعي وهيئات الرأي في الوزارات العراقية
- الزيارات المليونية من الادارة العسكرية الى التخصص المؤسسي
- التحليل الجنائي ودوره في صناعة القرار الامني
- فالكوني هزم المافيا بالقانون فهل يتعلم العراق الدرس
- لا تستهلكوا الجيش بمهام الامن الداخلي
- المخدرات المجنحة… بالونات الموت ومسيرات السموم


المزيد.....




- غدا.. الرئيس الإيراني يزور نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعي ...
- نبيل فهمي يلتقي وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة للشئون الإ ...
- بعد قرار إدارة ترامب.. إعلام إيراني: بزشكيان يغادر إلى نيويو ...
- حماس تدين رفض واشنطن منح تأشيرات للوفد الفلسطيني للمشاركة في ...
- الأمم المتحدة تحذر من تمدد الدعاية الإرهابية عبر الألعاب وال ...
- شهيد وحملة اعتقالات واسعة وسط تصعيد عسكري واقتحام لمستشفى في ...
- على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.. نبيل فهمي يبحث ...
- عراقجي يتوجه إلى نيويورك عبر الدوحة للمشاركة في اجتماعات الأ ...
- الزيدي يفتتح جولة دبلوماسية واقتصادية في نيويورك على هامش اج ...
- واشنطن تشرع في تفكيك المحكمة الجنائية الدولية: عقوبات شاملة ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رياض هاني بهار - المفاوض الأمني.. حين تنتصر الحكمة في مواجهة الخطر