أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رياض هاني بهار - فالكوني هزم المافيا بالقانون فهل يتعلم العراق الدرس














المزيد.....

فالكوني هزم المافيا بالقانون فهل يتعلم العراق الدرس


رياض هاني بهار

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 10:13
المحور: المجتمع المدني
    


التجربة الإيطالية تؤكد أن الجريمة المنظمة لا تهزم بالقوة وحدها بل بقضاء مستقل ومؤسسات قوية وإرادة سياسية تضع القانون فوق جميع المصالح

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تغير الحكومات فحسب، بل تغير مفهوم الدولة نفسها.
لحظات يثبت فيها القانون أنه أقوى من السلاح، وأن العدالة قادرة على هزيمة أكثر التنظيمات الإجرامية نفوذا ، هذا ما جسدته التجربة الإيطالية مع القاضي جيوفاني فالكوني الذي لم يخض معركة ضد عصابة، بل ضد منظومة حاولت أن تصبح دولة داخل الدولة.

أدرك فالكوني منذ البداية أن المافيا الإيطالية ليست مجرد جماعة تمارس القتل والابتزاز والاتجار بالمخدرات، بل شبكة متكاملة تمتد إلى الاقتصاد والإدارة والسياسة، وتبني نفوذها عبر المال والعلاقات والفساد ، لذلك لم يوجه جهده إلى ملاحقة المنفذين فقط، بل إلى تفكيك البنية التي تحميهم وتمولهم وتوفر لهم الغطاء.

لقد كشفت التحقيقات الإيطالية أن المافيا لا تستطيع البقاء بقوة السلاح وحده، بل تحتاج إلى شبكة واسعة من المتعاونين ، فهي تستعين بالمحاسبين والمحامين والمصرفيين والسماسرة ورجال الأعمال، كما تستفيد من مسؤولين فاسدين يوفرون لها الحماية أو يتغاضون عن أنشطتها ، ومع مرور الزمن لم تعد تكتفي بالتأثير في بعض السياسيين، بل سعت إلى توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة لضمان استمرار مصالحها.

ولم يقتصر نفوذها على الجرائم التقليدية، بل امتد إلى قطاعات اقتصادية حيوية مثل البناء والصحة والسياحة وإدارة النفايات والعقود العامة، مستفيدة من قدرتها الكبيرة على التكيف مع المتغيرات السياسية والاقتصادية ، وهكذا تحولت إلى منظومة مصالح معقدة يصعب مواجهتها بالوسائل الأمنية وحدها.

في مواجهة هذه المنظومة لم يعتمد فالكوني على الشعارات أو الحملات الإعلامية، بل على التحقيق المهني والعمل القضائي المتقن ، وبالتعاون مع زميله القاضي باولو بورسيلينو، قاد أكبر محاكمة في تاريخ إيطاليا ضد المافيا، مستندا إلى الأدلة والتحقيقات المالية وشهادات المتعاونين، فوجه ضربة تاريخية هزت أركان الجريمة المنظمة.

لكن المافيا اختارت الانتقام ففي عام 1992 اغتالت فالكوني بتفجير ضخم، ثم اغتالت بورسيلينو بعده بأسابيع ، ظنت أنها باغتيال الرجلين ستدفن مشروع الإصلاح، لكنها حققت النتيجة المعاكسة ، فقد توحد الإيطاليون خلف دولة القانون، وتعزز استقلال القضاء، وشددت التشريعات، وصودرت أموال المافيا، وأصبحت مكافحة الجريمة المنظمة قضية وطنية.

واليوم يزور آلاف الشباب الإيطاليين قبر فالكوني كل عام، ليس لأنه كان قاضيا فحسب، بل لأنه أصبح رمزا للنزاهة والشجاعة والإيمان بأن القانون قادر على الانتصار مهما بلغت قوة الجريمة المنظمة.

إن التجربة الإيطالية تقدم درسا يتجاوز حدود إيطاليا فهي تؤكد أن أخطر ما يواجه الدول ليس وجود مجرمين، بل نشوء منظومات مصالح غير مشروعة تمتلك المال والنفوذ وتسعى إلى التأثير في القرار العام وإضعاف مؤسسات الدولة ، وعندما تجد هذه المنظومات الحماية أو التواطؤ أو الإفلات من المساءلة تصبح مواجهتها أكثر تعقيدا.

أما العراق فلا يحتاج إلى استنساخ التجربة الإيطالية، بل إلى الاستفادة من مبادئها فبناء الدولة يبدأ بقضاء مستقل لا يخضع لأي ضغط، وأجهزة رقابية تمتلك صلاحيات حقيقية، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة والنزاهة، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز، وتجفيف منابع الفساد قبل أن تتحول إلى شبكات يصعب تفكيكها.

لقد قال جيوفاني فالكوني عبارته التي أصبحت خالدة:
“المافيا ظاهرة بشرية، وككل الظواهر البشرية كان لها بداية، وستكون لها نهاية.”

وهذه ليست رسالة إلى الإيطاليين وحدهم، بل إلى كل دولة تسعى إلى حماية مؤسساتها وترسيخ سيادة القانون ، فلا توجد منظومة فساد أو جريمة منظمة أقوى من الدولة إذا امتلكت إرادة الإصلاح، ولا توجد شبكة نفوذ تستطيع الصمود أمام قضاء مستقل ومؤسسات كفوءة ومجتمع يرفض التطبيع مع الفساد.

لقد هزم فالكوني المافيا لأنه آمن بأن القانون هو السلاح الأقوى وربما يكون هذا هو الدرس الأهم للعراق اليوم: فالدول لا تستعيد هيبتها بكثرة الشعارات، بل عندما يشعر الجميع أن القانون يعلو على النفوذ، وأن العدالة تطبق على الجميع بلا استثناء.



#رياض_هاني_بهار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تستهلكوا الجيش بمهام الامن الداخلي
- المخدرات المجنحة… بالونات الموت ومسيرات السموم
- عندما تختطف النخبة مؤسسات الدولة قراءة في كتاب مافيا الدولة
- تنظيم برامج الجريمة.. عودة إلى سيادة القانون وفهم الإنسان
- رجل المرور العراقي.. صمود يومي في مواجهة الفوضى
- اثنا عشر عاماً على أخطر انهيار أمني في تاريخ العراق الحديث
- تنظيم برامج الجريمة.. عودة إلى سيادة القانون والقيم الشرطوية ...
- الكفاءات الشرطية بين التمكين والاحباط
- لماذا تتصارع القوى السياسيه على وزارة الداخليه
- هندسة الخراب الإداري في العراق
- العقل المغلق في موقع القرار… كارثة مؤجلة
- الادله الرقميه في العراق بين القصور التشريعي وضعف الاجراءات
- الدوله حين تهدد نفسها
- علم الجهل حين يصنع الغموض ويعطل الدولة
- التلوث الرقمي رسائل الجمعة حين تفقد معناها
- الوطن يبدأ من الاسرة أم البنات قلب أنجب وطنا
- عقود الضياع: أثر الحروب المستمرة على النسيج المجتمعي العراقي
- الحوكمة الرقمية في العراق اما دولة بيانات او فوضى منصات
- العراق بعد الحروب الإقليمية: تحولات الجريمة وتحديات الأمن
- أنبوب ينبع الورقة المنسية في أمن الطاقة العراقي


المزيد.....




- مئات أحكام الإعدام والمؤبد في أكبر حملة ضد المخدرات
- ممداني: هوية الولايات المتحدة تتشكل باستمرار عبر المهاجرين إ ...
- دمشق تعلن اعتقال أحد أبرز ضباط النظام السابق وتكشف علاقته بـ ...
- الأمم المتحدة تحذر من كارثة جديدة تتكشف في مدينة الأبيض السو ...
- دعوات لتوسيع حملة مكافحة الفساد وتطبيق -من أين لك هذا؟-
- جنوب أفريقيا: احتجاجات مناهضة للمهاجرين
- السودان: الأمم المتحدة تنذر بـ-كارثة- تحدق بمدينة الأبيض إحد ...
- وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر ...
- العراق: آلاف من أتباع الصدر يتظاهرون دعما لمسيرة الحكومة في ...
- السودان.. مفوضية اللاجئين تأسف لاستهداف شاحنة تحمل موادا إغا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رياض هاني بهار - فالكوني هزم المافيا بالقانون فهل يتعلم العراق الدرس