|
|
المغرب تحت كشاف الظلال: شبابٌ يتحولون إلى أرقام... وانتخابات وهجرة واعتقالات في ألبوم واحد
فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 22:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
ربما كان يجب علينا أن نعيد في أناة كتابة حيواتنا، أن نجري عليها تحويرات في الامتداد والتأريخ، أن نمحو عن وجوهنا كل خبر عن ذواتنا في الألبوم الأمومي. كان يجب علينا أن نترك شهودًا مزيفين، ظلالًا مموهة، شهادات تعميد محررة، أو في كل ذاكرة نافذة مشرعة، إطارًا فارغًا، خلفية بيضاء من أجل اللعبة اللامتناهية لكشاف الظلال: لا شيء، الممكن، لا شيء. فلندع الكلمات تهرب، نحررها منا ونعبر في أناة بلا ذاكرة تحت القوس المذهب الذي يمده الخريف الفسيح في الأعلى، احتفالًا باستنشاق عبق الحرية.
لكن ماذا لو لم تعد المسألة متعلقة بحيواتنا وحدها؟ ماذا لو كانت هناك يد أخرى تمسك بالممحاة، تعيد ترتيب الصور، تقص أطرافها، تمحو بعض الوجوه وتترك أخرى في منتصف الإطار؟ ماذا لو أصبحت البلاد نفسها ألبومًا مفتوحًا على كشاف الظلال، بحيث لا يعود السؤال فقط: ماذا حدث؟ وإنما أيضًا: من يختار الصورة التي ستبقى، ومن يقرر الصورة التي ينبغي أن تختفي؟ في المغرب تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا في لحظة تتقاطع فيها الانتخابات مع أزمة الثقة، والبطالة مع الهجرة، والاحتجاج مع الاعتقال، والحدود مع الدبلوماسية، فيما تعيد الدولة في الخارج ترتيب مواقعها وتحالفاتها بعناية لافتة.
وفي قلب كل هذه الصور يقف الشاب المغربي، أو بالأحرى يقف رقمه. فهو رقم في لوائح الناخبين حين تحتاج الأحزاب إلى الأصوات، ورقم في إحصاءات البطالة حين تتحدث الدولة عن سوق العمل، ورقم في تقارير الهجرة حين تتحدث أوروبا عن حماية حدودها، ورقم في محاضر الشرطة والمحاكم حين ينزل إلى الشارع محتجًا، ثم يعود في الخطاب الرسمي إلى خانة أخرى، بوصفه «مستقبل البلاد». وبين هذه الأرقام كلها تضيع أحيانًا أبسط صورة: صورة شاب يريد أن يعيش حياته كما يعيشها الآخرون، أن يجد عملًا، وأن يتعلم، وأن يعالج، وأن يسكن، وأن يحب، وأن يختلف، وأن يبقى إذا أراد البقاء، وأن يغادر إذا اختار المغادرة، لا لأن وطنه دفعه إلى الباب.
هذا الشاب سيكون حاضرًا بقوة في انتخابات 23 سبتمبر/أيلول 2026، التي يتنافس فيها 27 حزبًا على 395 مقعدًا في مجلس النواب، فيما يتجاوز عدد المسجلين للتصويت 15.8 مليون ناخب. تبدو الأرقام الانتخابية ضخمة، وتبدو الحملة الانتخابية كأنها تعيد ترتيب المستقبل على الملصقات والبرامج والخطب، لكن خلف هذا المشهد توجد مسألة أكثر عمقًا: هل ما زال الشباب يعتقد أن الصندوق قادر على تغيير شيء من تفاصيل حياتهم؟ رويترز أشارت إلى أن نسبة المسجلين للتصويت بين الفئة العمرية 18 و24 عامًا لا تتجاوز نحو 3%، في وقت تحاول فيه الأحزاب استعادة اهتمام جيل يبدو أكثر تشككًا في جدوى المشاركة السياسية .
وهنا يصبح الرقم الانتخابي أقل بساطة مما يبدو. فالمشكلة ليست بالضرورة أن الشباب المغربي لا يريد السياسة، وإنما أن جزءًا منه قد لا يرى نفسه في السياسة التي تُمارس باسمه. حين يسمع الشاب منذ سنوات كلمات مثل الإصلاح والتنمية والتشغيل والعدالة الاجتماعية، ثم يصطدم ببطالة مرتفعة، وغلاء في المعيشة، وصعوبة في السكن، ومشكلات في الخدمات العامة، فإن الكلمة السياسية تبدأ في الانفصال عن معناها اليومي. لا يعيش الشاب داخل نسبة نمو اقتصادي، ولا داخل رقم في تقرير حكومي، ولا داخل وعد انتخابي. إنه يعيش داخل يومه؛ واليوم هو المكان الوحيد الذي يمكن فيه اختبار صدق كل تلك الكلمات.
لهذا تصبح عبارة «الوعود الكاذبة» أكثر دقة إذا فهمناها بوصفها تعبيرًا عن الفجوة بين الوعد والتجربة، لا حكمًا على كل وعد أو كل حزب. فالشاب الذي يبحث عن وظيفة لا يحتاج إلى أن يسمع مرة أخرى أن التشغيل أولوية؛ يريد أن يعرف متى تصبح الأولوية وظيفة حقيقية. والذي يقف أمام مستشفى لا يهمه كثيرًا أن يسمع عن إصلاح المنظومة الصحية بقدر ما يهمه أن يجد طبيبًا ودواءً وموعدًا. والذي لا يستطيع تحمل تكاليف السكن لا يعيش داخل خطاب عن التنمية، وإنما داخل غرفة ضيقة أو بيت عائلي أو مشروع هجرة مؤجل. ومن هنا يبدأ الانتقال من الرقم الانتخابي إلى الرقم الآخر، من الشاب الذي يفترض أن يصوت لمستقبله إلى الشاب الذي يبدأ في التفكير في مغادرة هذا المستقبل.
وهكذا يصبح البحر، في المخيلة، صندوق اقتراع آخر، لكنه صندوق بلا ورقة تصويت. يصبح الطريق نحو أوروبا محاولة أخرى للبحث عن حياة لا يجدها صاحبها بالسرعة التي يريدها في الداخل. وهناك أيضًا يتحول الإنسان إلى رقم. في الخطاب الأوروبي يصبح مهاجرًا، أو عابرًا غير نظامي، أو تدفقًا بشريًا، أو ضغطًا على الحدود؛ وهي تعبيرات ضرورية في لغة السياسات العامة، لكنها تخفي وراءها وجوهًا وأسماء وحيوات كاملة. وفي أزمة سبتة في 30 يوليو/تموز 2026 دخل نحو 80 ألف شخص إلى المدينة، وفق تقدير مركز الأبحاث التابع للبرلمان الأوروبي، فيما أشار المركز إلى سقوط ما لا يقل عن 72 قتيلًا .
وراء كل رقم إنسان، لكن السياسة الحديثة تميل إلى الأرقام لأنها أسهل من الوجوه. الرقم يمكن وضعه في جدول، ويمكن مقارنته برقم آخر، ويمكن تحويله إلى ميزانية، ويمكن أن يصبح مبررًا لإجراء أمني أو اتفاق حدودي. أما الوجه فيطرح سؤالًا لا تحبه الجداول: لماذا غادرت؟ لماذا لم تجد مكانًا لك هنا؟ لماذا بدا البحر، بكل مخاطره، أقل قسوة من المستقبل الذي تركته خلفك؟ ولهذا فإن الهجرة ليست مجرد قضية حدود، حتى وإن كانت في الحسابات الأوروبية قضية حدود وأمن وإدارة تدفقات. إنها أيضًا سؤال عن قدرة الوطن على أن يقنع أبناءه بأن المستقبل يمكن أن يكون هنا، وأن البقاء ليس شكلًا آخر من أشكال الخسارة.
ومن الحدود إلى الشارع ليست المسافة بعيدة. فإذا لم يختر الشاب الهجرة، وإذا لم يقتنع بالصمت، فإنه قد يختار الاحتجاج، وعندها يظهر الرقم الثالث. احتجاجات «جيل زد 212» التي انطلقت في 2025 طالبت بتحسين الرعاية الصحية والتعليم ووضع حد للفساد، وتحولت بعض الاحتجاجات إلى مواجهات مع قوات الأمن. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، قُتل ثلاثة أشخاص وأصيب العشرات، واعتُقل نحو 2100 شخص، وبدأت إجراءات قضائية بحق ما لا يقل عن 1400 شخص، بينهم 330 طفلًا، استنادًا إلى بيانات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي أوردتها المنظمة .
مرة أخرى يعود الشاب إلى الرقم، ولكن هذه المرة ليس رقمًا في لائحة انتخابية ولا في إحصاءات الهجرة، وإنما في ملف أمني أو قضائي. وتقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات المغربية كثفت خلال 2025 الضغط على نشطاء وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، فيما وثقت المنظمة خلال احتجاجات «جيل زد 212» استخدام القوة القاتلة والاعتقالات والمحاكمات. وهذه، مهما اختلفت المواقف من تفاصيل الاحتجاج أو من مسؤولية المتظاهرين عن بعض أعمال العنف، تضع سؤال الحريات والتعامل مع الاحتجاج في قلب الصورة.
لكن الاحتجاج لا ينتهي بمجرد إخلاء الشارع. قد ينتهي صوت مكبرات الصوت، وقد تختفي الحشود من الساحات، وقد تعود السيارات إلى الطرقات، لكن الذاكرة لا تغادر بالسرعة نفسها. هناك أم ستتذكر ابنها، وأب سيتذكر لحظة اعتقال، وصديق سيحتفظ بصورة في هاتفه، وشاب سيعود إلى بيته وهو يعرف أن شيئًا تغير في داخله. ولهذا تصبح الذاكرة، في لحظة كهذه، مقاومة صامتة للممحاة؛ لأن ما لا يظهر في الإحصاء قد يبقى حيًا في ذاكرة إنسان واحد، ثم ينتقل من ذاكرة إلى أخرى حتى يصبح جزءًا من الذاكرة العامة.
ثم تأتي الانتخابات من جديد، وكأن الصفحة لم تُفتح إلا لتُقلب سريعًا. تعود الملصقات، وتعود الخطب، وتعود الوعود، ويُطلب من المواطن أن يمنح السياسة فرصة أخرى. لكن الصفحة الجديدة لا تبدأ من فراغ؛ فالشاب يدخل غرفة الاقتراع ومعه كل ما سبقها: بطالة أخيه، وهجرة صديقه، ومرض أمه، وذكريات احتجاجاته، وما قرأه عن الاعتقالات، وما سمعه من وعود لم تتحقق. لا يدخل الصندوق وحده، وإنما يدخل ومعه ألبوم كامل.
ومن هنا يصبح السؤال الانتخابي الحقيقي أعمق من سؤال الحزب أو المرشح. السؤال هو: هل يستطيع النظام السياسي أن يعيد للشاب إحساسه بأنه ليس مجرد رقم؟ لأن الانتخابات يمكن أن تكون يومًا في التقويم، لكن الثقة السياسية لا تُبنى في يوم واحد. الديمقراطية، في معناها الأوسع، تحتاج إلى ذاكرة، وإلى قدرة على الاعتراف بما حدث، وإلى مؤسسات يشعر المواطن أن صوته يصل إليها ولا يختفي داخل الصندوق كما يختفي رقم في قاعدة بيانات.
وفيما كان هذا الشاب يعيش هذه الأسئلة في الداخل، كانت الدولة تكتب صورًا مختلفة في الخارج. ففي 16 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت إسرائيل والمغرب اتفاقًا لرفع العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، في خطوة تمثل تعميقًا لمسار التطبيع الذي بدأ عام 2020 وهنا تظهر عبارة «الهدية السياسية» التي يمكن أن تختصر دلالة هذه الخطوة من منظور سياسي: ليست هدية مادية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولا شيئًا يوضع في صندوق، وإنما مكسب دبلوماسي رمزي يأتي في توقيت حساس، ويمنح الحكومة الإسرائيلية صورة جديدة عن استمرار وتعمق علاقاتها مع المغرب.
السفارة صورة، والسفير صورة، واستئناف الرحلات المباشرة صورة، والتعاون الاقتصادي صورة، وكل صورة منها تجد مكانها في الألبوم السياسي. لكن قيمة الصورة لا تتحدد فقط بما تمثله، وإنما أيضًا باللحظة التي تُلتقط فيها. والتوقيت هنا جزء من الرسالة؛ فإسرائيل، وحكومة نتنياهو تحديدًا، تحصلان على خطوة دبلوماسية جديدة في وقت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا. وهذا لا يستلزم من القارئ أن يتخذ موقفًا مؤيدًا أو معارضًا للخطوة كي يدرك معناها السياسي؛ يكفي أن يلاحظ أن المغرب اختار في هذه اللحظة أن يرفع مستوى العلاقة ويمنحها شكلًا مؤسسيًا أوضح.
غير أن الصورة الخارجية تطرح سؤالًا داخليًا لا يمكن تجاهله: كيف تستطيع الدولة أن تتحرك بهذه المرونة في المجال الدبلوماسي، وتعيد ترتيب علاقاتها وتحالفاتها، بينما ينتظر شاب مغربي إجابة عن سؤال أبسط بكثير: أين سأعمل؟ كيف سأعيش؟ وهل أستطيع أن أختلف دون أن أدفع ثمن الاختلاف؟ ليس المقصود هنا وضع السياسة الخارجية في مواجهة السياسة الداخلية، فالدول تحتاج إلى كليهما، وإنما النظر إلى المسافة بين الصورة التي تظهر بها الدولة في الخارج والصورة التي يعيشها المواطن في الداخل.
ومن هنا تأتي أوروبا، لكن هذه المرة ينبغي الحذر من العبارة السهلة التي تقول إن المغرب أصبح معزولًا أوروبيًا. الوقائع لا تسمح بهذه الصورة المبسطة. ففي 29 يناير/كانون الثاني 2026 عقد الاتحاد الأوروبي والمغرب الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة، وأعاد الطرفان التأكيد على أن العلاقة بينهما شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل التجارة والاستثمار والهجرة والأمن والطاقة والبحث العلمي وغيرها من الملفات. بل وصف الاتحاد الأوروبي المغرب بأنه شريك استراتيجي رئيسي في جواره الجنوبي، وأكد الطرفان رغبتهما في تعميق التعاون.
إذن ليست المسألة عزلة مغربية عن أوروبا، بل إعادة تموضع داخل شبكة علاقات شديدة التعقيد، تتجاور فيها المصالح مع الخلافات. أوروبا تحتاج المغرب في ملفات الهجرة والأمن والتجارة، والمغرب يحتاج أوروبا اقتصاديًا وسياسيًا، لكن في الخلفية توجد ملفات الصحراء الغربية وحقوق الإنسان والهجرة والحدود وسبتة ومليلية. وهذه الأخيرة ليست مجرد نقطتين على الخريطة، بل عقدتان تاريخيتان وسياسيتان تتداخل فيهما السيادة والذاكرة الاستعمارية والأمن والهجرة والعلاقة المغربية الإسبانية.
وعندما انفجرت أزمة سبتة في يوليو/تموز، ظهر هذا التداخل بصورة درامية. لم تعد الحدود مجرد خط يفصل بين دولتين؛ أصبحت مكانًا تتقاطع فيه حياة آلاف الأشخاص مع حسابات الدول، وتحولت الأجساد إلى أعداد والعابرون إلى إحصاءات والقتلى إلى حصيلة. وقد وصف مركز الأبحاث التابع للبرلمان الأوروبي الأزمة بأنها كشفت هشاشة واحدة من الحدود البرية القليلة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، وربطها بإدارة الهجرة والاستجابة للأزمات وأمن الحدود .
وهكذا تعود الحكاية كلها إلى الرقم نفسه. الشاب المغربي يظهر مرة ناخبًا، ثم مهاجرًا، ثم محتجًا، ثم معتقلًا، ثم يعود في الخطاب الرسمي بوصفه «مستقبل البلاد». وفي كل مرة تتغير الصفة، لكن الإنسان نفسه يبقى في الخلفية. أما الدولة فتظهر في الخارج بصور مختلفة: شريكًا للاتحاد الأوروبي، وحليفًا للولايات المتحدة، ودولة تعمق علاقاتها مع إسرائيل، وقوة إقليمية تحاول توسيع هامش حركتها. الصورتان موجودتان في الألبوم نفسه، لكن السؤال هو: هل نراهما معًا؟
ربما لهذا لا يحتاج المغرب إلى صورة واحدة نهائية عن نفسه، ولا إلى خطاب يختصر الواقع في الأبيض والأسود. فالمغرب ليس معزولًا عن أوروبا، والعلاقة معها ليست خالية من التوتر. والتطبيع مع إسرائيل ليس مجرد صورة عابرة، لكنه أيضًا ليس الصورة الوحيدة للسياسة الخارجية المغربية. والانتخابات ليست بلا معنى، لكنها تجري في ظل أزمة ثقة لدى قطاعات من الشباب. والاحتجاجات ليست قصة بسيطة بين ضحية وجلاد، بل وقائع لها سياقات ومسؤوليات وتفسيرات مختلفة، مع وجود توثيق حقوقي لاعتقالات واستخدام للقوة وسقوط قتلى. وبين كل هذه التعقيدات يبقى السؤال الأكثر وضوحًا هو سؤال الإنسان الذي يقف في منتصف الصورة.
فالشاب الذي يُقال له إنه مستقبل المغرب لا يريد أن يكون مستقبلًا مؤجلًا. يريد أن يكون حاضرًا. يريد وظيفة لا وعدًا بوظيفة، وتعليمًا لا شعارًا عن التعليم، ومستشفى لا خطابًا عن إصلاح الصحة، ومساحة للاحتجاج لا تجعله تلقائيًا رقمًا في ملف أمني، وانتخابات لا يشعر فيها أن صوته مجرد رقم يضاف إلى مجموع الأصوات. وإذا اختار الهجرة، يريد أن تكون الهجرة اختيارًا لا نتيجة انسداد طويل. وإذا اختار البقاء، يريد أن يشعر أن البقاء ليس عقوبة.
وربما هنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تكشفها لعبة «كشاف الظلال»: ليست المشكلة أن الصور غائبة، بل أنها كثيرة أكثر مما ينبغي. هناك صورة المغرب الانتخابي، وصورة المغرب الاقتصادي، وصورة المغرب الذي يحرس حدود أوروبا، وصورة المغرب الذي يعيد ترتيب علاقاته مع إسرائيل، وصورة المغرب الشريك الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي، وصورة المغرب الذي يستعد لاستحقاقات رياضية كبرى. لكن خلف كل هذه الصور توجد صورة أكثر بساطة وأشد إلحاحًا: صورة الإنسان.
ذلك الشاب الذي لا يريد أن يكون مجرد رقم في صندوق الاقتراع، ولا رقمًا في تقرير البطالة، ولا رقمًا على طريق الهجرة، ولا رقمًا في محضر اعتقال. يريد أن يكون صاحب الصورة لا موضوعها، وأن يكون حاضرًا في المستقبل الذي تتحدث عنه الدولة باسمه.
ولهذا ربما كان علينا ألا نمحو عن وجوهنا كل خبر عن ذواتنا في الألبوم الأمومي، وألا نترك شهودًا مزيفين ولا ظلالًا مموهة ولا شهادات تعميد محررة. ربما كان علينا أن نحتفظ بكل شيء: بالوعد والخذلان، بالانتخابات والاحتجاج، بالحدود والهجرة، بالمصافحة الدبلوماسية والشارع الغاضب، بالسفارة الجديدة والذاكرة القديمة. ليس لأن الماضي يجب أن يحكم الحاضر إلى الأبد، وإنما لأن الحاضر الذي يمحو ماضيه بسهولة قد يعيد إنتاجه بسهولة أكبر.
فالحرية لا تبدأ حين ننسى، وإنما حين نستطيع أن نتذكر دون خوف؛ أن نقول إن هذه كانت وعودًا، وإن هذه كانت احتجاجات، وإن هؤلاء كانوا معتقلين، وإن هؤلاء غادروا، وإن تلك كانت أزمة على الحدود، وإن هذه كانت خطوة دبلوماسية، وإن «الهدية السياسية» كانت توصيفًا رمزيًا لمكسب دبلوماسي لا هدية مادية. ثم نترك الكلمات تهرب، نحررها منا، ونعبر في أناة، بلا ذاكرة مصطنعة، تحت القوس المذهب الذي يمده الخريف الفسيح في الأعلى، لا لكي ننسى، بل لكي نستعيد حقنا في رؤية الصورة كاملة.
فربما لا يحتاج المغرب إلى ألبوم جديد ، ربما يحتاج فقط إلى أن يتوقف قليلًا أمام الألبوم القديم، وأن ينظر في الوجوه التي تحولت إلى أرقام، والأرقام التي أخفت وجوهًا، ثم يعيد الأسماء إلى الأرقام، والوجوه إلى الصور، والذاكرة إلى أصحابها.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فتح السفارات المغربية والإسرائيلية: تطبيع قديم وإعلان في توق
...
-
المغرب: أناشيد الكناسين وصمت المسجونين
-
انتخابات المغرب: حين تصبح الديمقراطية مجرد ديكور... والورقة
...
-
الانتخابات في المغرب: هل ننتخب الحكومة أم نعيد انتخاب الواجه
...
-
المرأة ليست سلعة ولا سلاحًا ولا شعارًا موسميًا
-
المغرب: من يملك مفتاح البيت؟
-
العاهل المغربي… أين «حفيد الرسول» عندما يُطعن في أحاديث جده؟
-
الشارع المغربي والكرسي المحمدي
-
الملكية في المغرب: من الرعية إلى المواطن وتفكيك أسطورة البطل
-
خطاب جلالة الملك إلى الأمة في الذكرى الوطنية المجيدة
-
المغرب في عهد محمد السادس: المليارات للمونديال... والشباب لل
...
-
المغرب وإسبانيا وسبتة: من فتح الباب؟
-
القاصر بين القانون والسياسة: من يتحمل مسؤولية حماية الأطفال
...
-
الهجرة الجماعية من المغرب إلى سبتة... عندما تبدأ الأسئلة وتن
...
-
المغرب : بعد خطاب عيد العرش ... أي استقرار نتحدث عنه؟
-
المغرب : خطاب العرش... إنجازات على الورق وواقع يطرح الأسئلة
-
على هامشِ الذِّكرياتِ
-
عيد العرش في المغرب... بين طقوس الولاء وأسئلة الشرعية والعدا
...
-
أزمة الحكم في المغرب: سلطة بلا محاسبة وأحزاب بلا سياسة
-
الصحفي المغربي علي المرابط.. اعتقال عبثي وإفراج تحت الضغط؟
المزيد.....
-
-قوة وقيصر-.. ترامب يعلن عن خططه بشأن الذكاء الاصطناعي
-
شاهد.. إعصار نادر يرسم مشهدًا استثنائيًا فوق جبال ولاية يوتا
...
-
تقارير تؤكد زيارة خبراء من الحرس الثوري الإيراني مناطق مطلة
...
-
اشتداد المعارك في اليمن.. وخبراء من الحرس الثوري زاروا -باب
...
-
موسكو: نظام التصويت الإلكتروني يصد الهجمات السيبرانية والانت
...
-
مائدة كامل الوزير تشعل الجدل في مصر.. صور زفاف باذخ تتحول إل
...
-
انتخاب رئيس أركان الجيش الألماني رئيسا جديدا للجنة العسكرية
...
-
الجيش الإيراني يرد على تصريحات قائد -سنتكوم-: ادعاءات مضللة
...
-
نقيب المحامين من الشرقية: نسعى لخدمة أعضاء الجمعية العمومية
...
-
رائحة مزعجة رغم تكرار الغسيل.. الحل قد يبدأ قبل تشغيل الغسال
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|