أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاشم معتوق - العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك















المزيد.....

العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 23:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العراق وإيران وبقية الجيران أوطان متجاورة ومصير مشترك

هناك في منطقتنا حقيقة أكبر من الحدود السياسية وأقدم من الحكومات والأنظمة، هي حقيقة الجغرافيا التي جعلت العراق وإيران وتركيا وسوريا والأردن والكويت والسعودية دولًا متجاورة تتداخل بينها الحدود والمياه والأسواق وطرق التجارة وحركة الناس والتاريخ، بحيث لا تستطيع دولة أن تعيش بمعزل كامل عن جيرانها، وما يحدث في واحدة منها سرعان ما يجد طريقه إلى الأخرى. ولهذا فإن الحديث عن العراق وإيران في زمن الحرب لا ينبغي أن يبدأ من الاصطفاف السياسي ولا من الحسابات العسكرية، وإنما من حقيقة الجوار والمصير المشترك، فالعلاقة بين الشعبين أوسع من تشابه ديني أو ثقافي أو تاريخي، وأعمق من العلاقات التي تتغير بتغير الحكومات، لأنها علاقة جغرافية وإنسانية واقتصادية تمتد آثارها إلى الحاضر والمستقبل معًا. وحين تشتعل الحرب في دولة قريبة لا تبقى النار داخل حدودها، ولا يبقى الألم شأنًا داخليًا، فالحدود قد تفصل الدول لكنها لا تمنع الخوف ولا اضطراب الأسواق ولا حركة البشر ولا انعكاسات الحرب على المياه والطاقة والتجارة والأمن. ومن هنا يصبح السؤال عن العراق وإيران سؤالًا عن معنى الجيرة نفسها ماذا يستطيع الجار أن يفعل حين يرى النار في بيت جاره؟ وهل يكون الوقوف إلى جانبه مرادفًا للدخول في الحرب، أم أن للإنسان والدولة وسائل أخرى أكثر قدرة على حماية الحياة؟ العراق في هذه اللحظة يحتاج قبل كل شيء إلى رؤية وطنية واضحة، لأن قدرته على أن يكون جارًا مسؤولًا وفاعلًا في محيطه تبدأ من وضوح قراره الداخلي، ومن وجود سياسة ترى العراق أولًا، لا بوصفه طرفًا في محاور الآخرين، وإنما دولة لها مصالحها وحدودها وقرارها وعلاقاتها المتوازنة مع الجميع. وهذا لا يعني إلغاء الاختلاف السياسي داخل العراق، فالاختلاف جزء طبيعي من المجتمع، وإنما يعني أن يبقى الاختلاف داخل إطار وطني جامع، وأن تكون المصلحة العراقية أعلى من المصالح الحزبية والشخصية، وأن يتحرر القرار الوطني من أي ارتهان خارجي، وأن تكون مؤسسات الدولة هي المرجع في الحرب والسلام والسلاح والعلاقات الدولية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن مسألة السلاح وتعدد مراكز القوة ما زالت من القضايا الحساسة في بناء القرار الأمني العراقي ومع اقتراب انتهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، بقي مستقبل سلاح الفصائل ونطاق خضوعه للقيادة المركزية موضع نقاش وخلاف، فيما تؤكد الحكومة العراقية سعيها إلى أن تكون إدارة السلاح والأمن ضمن مؤسسات الدولة. وهذه المسألة لا ينبغي أن تُفهم في سياق الخصومة مع إيران أو مع أي طرف آخر، وإنما في سياق استقلال العراق نفسه فالدولة التي تمتلك قرارها تستطيع أن تحافظ على علاقاتها بجيرانها من موقع الندّية، وأن تختلف حين تختلف، وتتعاون حين تتعاون، وتقف إلى جانب الإنسان حين تحل به المحنة من دون أن تفقد استقلالها. ومن هنا يستطيع العراق أن يقف إلى جانب الشعب الإيراني في محنته الإنسانية من دون أن يتحول إلى طرف عسكري في الحرب، وأن يستخدم موقعه الجغرافي وعلاقاته السياسية والاقتصادية وقنواته الدبلوماسية من أجل تخفيف آثارها والدفع نحو التهدئة وفتح أبواب الحوار. وفي الجانب الإنساني ظهرت صورة بالغة الدلالة حين خصص مكتب المرجع الديني علي السيستاني، في 16 أيلول/سبتمبر 2026، مساعدات بقيمة أحد عشر مليون دولار لنحو ثلاثة آلاف وستمائة عائلة إيرانية متضررة من الأحداث الأخيرة، إلى جانب مشروع تعليمي في ميناب وهي خطوة يمكن النظر إليها بوصفها مثالًا على أن الجيرة تستطيع أن تتحول، في لحظة المحنة، إلى فعل إنساني مباشر. والعراق يستطيع أن يذهب أبعد من المساعدة الإنسانية إلى دور سياسي هادئ يفتح مساحات للاتصال ويمنع اتساع الحرب، فموقعه وعلاقاته مع إيران ومع بقية دول المنطقة يمنحانه مصلحة حقيقية في التهدئة، لأن الحرب إذا اتسعت لن تبقى آثارها داخل حدود الدولة التي بدأت فيها، بل ستنتقل إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة وحياة الناس في المنطقة كلها. ومن هنا يصبح منع استخدام الأراضي العراقية لتوسيع الصراع جزءًا من مسؤولية الدولة تجاه العراق وتجاه جيرانه في الوقت نفسه، لا موقفًا عدائيًا من أحد، لأن الجار المسؤول لا يسمح بأن يتحول بيته إلى ساحة إضافية للحرب، كما أن الجيرة لا تعني أن يدخل بلد في حرب جاره. وما تحتاجه دول الجوار، إلى جانب الأمن والسلام، هو بناء مصالح مشتركة تجعل استقرار كل دولة منفعة للآخرين، بحيث لا يصبح تقدم بلد سببًا في إضعاف جيرانه، وإنما بابًا لتقدمهم جميعًا. وفي أوروبا، رغم استمرار الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الدول والمناطق، نشأت سياسات مؤسسية للتقارب والتنمية الإقليمية، من بينها الصندوق الأوروبي للتنمية الإقليمية وسياسة التماسك، اللذان يوجهان استثمارات إلى المناطق الأقل تطورًا بهدف تقليل الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية وتحسين فرص العمل والبنية التحتية والخدمات. وليس المطلوب نقل التجربة الأوروبية إلى منطقتنا كما هي، فلكل منطقة تاريخها وظروفها، وإنما يمكن الاستفادة من المبدأ نفسه أن تتحول الجغرافيا المشتركة إلى مصالح مشتركة، وأن تصبح المياه والطاقة والنقل والتجارة والزراعة والصحة والتعليم والاستثمار وإعادة الإعمار ملفات تعاون طويل الأمد، وأن يشعر كل بلد بأن ازدهار جاره يضيف إلى أمنه واستقراره بدل أن ينتقص منه. العراق وإيران وتركيا وسوريا و الأردن والكويت والسعودية، وسائر دول المنطقة، تحتاج إلى مثل هذا التفكير أكثر من حاجتها إلى سباق جديد في النفوذ فالمصالح التي تتشابك في الحياة اليومية للشعوب يمكن أن تكون أكثر رسوخًا من الخلافات السياسية، وإذا أصبح لكل دولة مصلحة حقيقية في استقرار جيرانها، أصبح السلام نفسه جزءًا من اقتصاد المنطقة ومستقبلها. أما مستقبل إيران السياسي فهو شأن يقرره الإيرانيون أنفسهم، وليس للعراق أن يختار لهم نظامهم أو شكل دولتهم، كما أن إنهاء الحرب قضية تختلف عن تغيير النظام، ومساعدة الإنسان الإيراني قضية تختلف عن التدخل في مستقبله السياسي وما يستطيع العراق أن يفعله هو أن يحمي الإنسان، ويساعد المتضررين، ويفتح أبواب الحوار، ويدفع باتجاه وقف الحرب، ويحافظ في الوقت نفسه على قراره الوطني. ومن هنا فإن وحدة القرار العراقي ليست عائقًا أمام الوقوف الإنساني مع إيران، بل هي التي تمنح هذا الوقوف قيمته واستقلاله؛ فالعراق يستطيع أن يكون قريبًا من إيران من دون أن يكون تابعًا لها، ومستقلًا عنها من دون أن يكون معاديًا لها، وقريبًا من تركيا وسوريا والأردن والكويت والسعودية وسائر جيرانه من دون أن يتحول إلى تابع لأي محور. وربما تكون هذه هي اللحظة التي نحتاج فيها إلى إعادة تعريف معنى الجيرة في منطقتنا الجار لا يترك جاره وحيدًا حين تحل به الكارثة، لكنه لا يجر بيته إلى النار كي يثبت صداقته له، والسيادة لا تعني أن يغلق الإنسان قلبه أمام ألم جاره، كما أن التضامن لا يعني التخلي عن استقلال القرار. العراق يستطيع أن يقف إلى جانب الشعب الإيراني في محنته، وأن يقف في الوقت نفسه إلى جانب نفسه، أرضًا وشعبًا ودولة، وأن يجعل من موقعه بين هذه البلدان طريقًا إلى التهدئة لا ممرًا للتصعيد، وماءً على نار الحرب لا حطبًا لها. وبعد أن تهدأ المدافع ستبقى الأسئلة الأصعب كيف نعيد بناء ما تهدم، وكيف نعيد للناس أمنهم وأعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم وطرقهم وأسواقهم، وكيف نحول سنوات الألم إلى فرصة لإعادة التفكير في علاقة دول المنطقة بعضها ببعض؟ عندها فقط يمكن أن يتحول المصير المشترك من حقيقة جغرافية إلى مشروع إنساني، ويصبح استقرار الجار حمايةً للجار، وازدهاره منفعةً لجاره، والسلام مصلحةً مشتركة لا هدنة مؤقتة بين حربين. فالشعوب في نهاية الأمر أقدم من حروبها وأبقى من حكوماتها، وما يجمع العراقيين والإيرانيين وسائر شعوب هذه المنطقة من جغرافيا وتاريخ ومصالح وحياة يومية أكبر من أن تتركه الحرب وحده يرسم المستقبل.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
- العفوي الجميل
- ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر
- راقية مهدي المرأة والذاكرة والوطن في أفق الكتابة
- أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.
- هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
- سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة
- غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
- يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ
- فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
- بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
- الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
- حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
- روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
- يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان ...
- لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف ...
- النغم الجليل المبارك
- إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
- لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
- من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة


المزيد.....




- البنتاغون: الحرب مع إيران كلفت أمريكا 45.1 مليار دولار
- توجيه من الملك سلمان بإطلاق اسم أمير راحل على جامعة سعودية
- سوريا توقف 5 من كبار ضباط سلاح الجو في عهد الأسد.. ما التهم ...
- بعد استهداف خط أنابيب -شرق - غرب-.. -أرامكو- تعلّق شحنات نفط ...
- اليمن ـ نزوح عشرات الآلاف و-الأزمة الإنسانية تتفاقم ساعة بسا ...
- هانتر بايدن يتهم إسرائيل بتدبير -مؤامرة- والسماح لحماس بشن ه ...
- حسن بيكر: الشرق الأوسط -سيكون أكثر استقرارا- إذا امتلكت إيرا ...
- أول تعليق مصري على مقتل بحار بسبب قصف أوكراني
- باكستان لإيران.. يجب كبح هجمات الحوثيين ضد السعودية
- سيرغي سوبيانين يفتتح في موسكو أحد أكبر متاحف النقل في العالم ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاشم معتوق - العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك