أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علا مجد الدين عبد النور - متى يثور المصريون ولماذا؟















المزيد.....

متى يثور المصريون ولماذا؟


علا مجد الدين عبد النور
كاتبة

(Ola Magdeldeen)


الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 04:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المصريون، ذلك الشعب العريق الضارب بجذوره في تاريخ الحضارة الإنسانية، ذلك الشعب الصبور إلى أقصى حد، والذي اكتسب كثيرًا من سماته من نهر النيل، فأصبح هادئ الطبع، حلو المعشر، ينضح حياة أينما حل.

كيف لهذا الشعب الودود، صاحب النكتة، القادر على تحويل أقسى الظروف إلى مادة للسخرية، أن يثور؟

قبل أن نجيب عن هذا السؤال، ربما علينا في البداية أن نعرف: لماذا تثور الشعوب في مختلف بقاع الأرض؟

لا تندلع الثورات عادةً بسبب سبب واحد، وإنما تأتي في الغالب نتيجة تراكم طويل من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلى أن تصل المجتمعات إلى نقطة ينكسر عندها حاجز الخوف، وتتراجع معها الثقة في قدرة النظام الحاكم على الإصلاح أو توفير حياة كريمة.

فقد تكون الأسباب اقتصادية ومعيشية، مثل الفقر والجوع وارتفاع أسعار السلع الأساسية، والبطالة وغياب الأفق أمام الشباب، أو اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع، خصوصًا عندما تشعر الأغلبية بأن ثمار الاقتصاد تذهب إلى فئة محدودة مرتبطة بالسلطة والنفوذ، بينما يزداد العبء على باقي المجتمع.

لكن الضغوط الاقتصادية وحدها لا تفسر الثورات.

فالقضايا السياسية والحقوقية تلعب دورًا أساسيًا أيضًا؛ مثل الاستبداد والفساد، وغياب تداول السلطة، واحتكار القرار، وتحالف السلطة مع أصحاب المصالح، وغياب الرقابة والمحاسبة، وتجاهل مطالب المواطنين، فضلًا عن قمع الحريات، وتقييد التعبير عن الرأي، وغياب العدالة والمساواة أمام القانون.

ولكن هناك عاملًا آخر ربما يكون أكثر أهمية: الخوف.

فقد تتحمل الشعوب كثيرًا من الضغوط، وتظل صامتة لفترات طويلة، ليس لأنها راضية، وإنما لأنها تخشى تكلفة الاعتراض.

وعندما يبدأ الناس في النزول إلى الشوارع، ويكتشفون أن السلطة لم تستطع إيقاف أول المحتجين، أو تظهر عليها علامات التردد أو الانقسام، يحدث تحول نفسي مهم؛ إذ يبدأ المواطن في إدراك أن النظام الذي بدا قويًا ومخيفًا قد لا يكون بالقوة التي تخيلها.

وهنا يسقط جزء من هيبة السلطة، ويصبح ما كان يبدو مستحيلًا ممكنًا، فيتشجع المزيد من الناس على النزول إلى الشارع.

لكن هل ينطبق كل ذلك على المصريين؟

هل كان المصري، عبر تاريخه الطويل، ذلك الشعب الهادئ المستكين الذي لا يثور؟

الإجابة التي يقدمها لنا التاريخ مختلفة تمامًا.

فمنذ أقدم العصور، عرف المصريون الاحتجاج والتمرد على الحكام والولاة، وخرجوا إلى الشوارع، ورفضوا الضرائب، وأضربوا عن العمل، وواجهوا السلطة عندما وصلت الضغوط إلى حدود لم يعد من الممكن احتمالها.

في عام 1157 قبل الميلاد تقريبًا، وفي عهد الملك رمسيس الثالث، أضرب عمال دير المدينة، وهم من العمال الذين شاركوا في بناء وزخرفة المقابر الملكية، احتجاجًا على تأخر حصصهم الغذائية التي كانت تمثل جزءًا من أجورهم.

ولم يكن الأمر مجرد شكوى عابرة؛ فقد توقف العمال عن العمل، وذهبوا إلى المعابد والجبانة الملكية، واحتجوا أمام المسؤولين، مطالبين بالحصول على مستحقاتهم.

وقد وثّقت هذه الأحداث في ما يعرف باسم «بردية إضراب تورين»، وهي من أقدم وأهم الوثائق المعروفة التي تسجل احتجاجًا عماليًا منظمًا في التاريخ. وفي النهاية حصل العمال على حصصهم المستحقة، قبل أن تتجدد الاحتجاجات بسبب استمرار مشكلات الإمدادات.

ولم تكن هذه الواقعة استثناءً.

ففي أواخر عصر الدولة القديمة، وفي نهاية الأسرة السادسة، تصف بعض النصوص حالة من الفوضى والاضطراب وضعف السلطة المركزية، ارتبطت في الكتابات التاريخية الحديثة بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة.

وقد ارتبطت هذه الفترة بما يُعرف في بعض الكتابات الحديثة باسم «الثورة الاجتماعية الأولى» أو «ثورة الجياع»، وإن كان وصف هذه الأحداث بأنها ثورة بالمعنى الحديث محل نقاش بين المؤرخين.

وتصف «بردية إيبوير» حالة من الفوضى وانقلاب أحوال المجتمع، وانتشار الموت ونهب الممتلكات واضطراب النظام، لكن لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تقريرًا تاريخيًا مباشرًا عن ثورة محددة؛ فهي نص أدبي مصري قديم، وتفسير علاقتها بالأحداث التاريخية الفعلية ما زال موضع نقاش.

وانتهت الدولة القديمة إلى مرحلة من الاضطراب عُرفت باسم الفترة الانتقالية الأولى، حين ضعفت السلطة المركزية وتفككت سيطرتها على البلاد.

ثم جاء العصر الإسلامي، ولم تختفِ الاحتجاجات الشعبية.

ففي دلتا النيل اندلعت ثورات البشموريين، وهي انتفاضات شارك فيها سكان من المنطقة، وكان من أبرزها ثورة عام 831 ميلادية في عهد الخليفة العباسي المأمون، احتجاجًا على الأعباء الضريبية والظروف القاسية التي فرضتها الإدارة العباسية.

وتشير المصادر إلى مشاركة مسلمين وأقباط في تلك الانتفاضات، قبل أن تنتهي بقمعها على يد السلطة العباسية.

وفي العصر الفاطمي، شهدت مصر واحدة من أقسى أزماتها الاقتصادية خلال ما عُرف بـ«الشدة المستنصرية»، في عهد الخليفة المستنصر بالله.

فقد تسببت سنوات متتالية من انخفاض فيضان النيل وما ترتب عليها من نقص المحاصيل والغذاء في مجاعة شديدة، تزامنت مع اضطراب سياسي واقتصادي واسع، وارتفاع كبير في الأسعار، وانهيار في أحوال الناس.

وقد استمرت الأزمة الكبرى التي بلغت ذروتها في ستينيات وسبعينيات القرن الحادي عشر لسنوات متتالية، حتى أصبحت واحدة من أشهر الكوارث الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ مصر الوسيط.

كما شهد العصر المملوكي بدوره احتجاجات واضطرابات شعبية، شارك فيها العوام والحرفيون والتجار، اعتراضًا على الضرائب والمظالم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الخبز.

ومع دخول مصر العصر الحديث، لم يتغير الأمر كثيرًا.

ففي عامي 1798 و1800 اندلعت ثورتا القاهرة ضد الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، وشارك فيهما علماء الأزهر والعامة، احتجاجًا على الاحتلال والضرائب والسياسات التي فرضتها الحملة على المصريين.

وفي عام 1805، خرجت قوى شعبية وعلماء الأزهر بقيادة عمر مكرم في مواجهة الوالي العثماني خورشيد باشا، اعتراضًا على مظالم جنوده وفرض الإتاوات وسوء الأوضاع، وانتهت الأحداث بعزل خورشيد باشا وتولي محمد علي باشا حكم مصر، بدعم من القيادات الشعبية والعلماء.

ثم جاءت الثورة العرابية في عامي 1881 و1882، التي بدأت بمطالب عسكرية قادها أحمد عرابي، وبرزت في مظاهرة عابدين الشهيرة، قبل أن تتحول إلى حركة ذات مطالب سياسية أوسع، من بينها المطالبة بالدستور والبرلمان والحد من التدخل الأجنبي في شؤون البلاد.

ولم تكن الحركة العرابية مجرد تمرد عسكري، فقد اتسعت المشاركة المدنية والاجتماعية فيها، وأصبحت مواجهة أوسع للنفوذ الأجنبي ولشكل الحكم القائم.

وفي عام 1919، عاشت مصر واحدة من أكبر لحظات الاحتجاج الشعبي في تاريخها الحديث.

بدأت الأحداث باحتجاجات طلابية عقب اعتقال ونفي سعد زغلول ورفاقه، ثم اتسعت سريعًا لتشمل قطاعات واسعة من المصريين، من بينهم عمال السكك الحديدية الذين دخلوا في إضراب، وتحوّل مطلب الاستقلال عن بريطانيا إلى قضية شعبية جامعة.

وكان للمرأة المصرية في هذه الثورة حضور واسع ولافت، شكّل واحدة من أهم علامات اتساع المشاركة الشعبية في الحياة العامة آنذاك.

خلاصة الجزء الأول

يتضح مما سبق أن الصورة التي اعتدنا رسمها للمصري -بوصفه شعبًا هادئًا لا يثور- ليست دقيقة تمامًا.

فالمصري أضرب، واعتصم، وثار، ورفض الضرائب، وواجه الحكام والولاة، ونزل إلى الشارع في لحظات متفرقة من تاريخه الممتد آلاف السنين.

لكن هذا يفتح سؤالًا أكثر تعقيدًا: لماذا يثور المصري تحديدًا في هذه اللحظات دون غيرها؟ وماذا يحدث بعد أن تندلع الثورة؟ هل تتحول إلى تغيير حقيقي ومستدام، أم تعود الأمور إلى ما كانت عليه؟

هذا ما نحاول الإجابة عنه في الجزأين القادمين.

يتبع...



#علا_مجد_الدين_عبد_النور (هاشتاغ)       Ola_Magdeldeen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعديل العقول قبل تعديل القانون
- مثلث السقوط: إبستين وفساد النخبة حين يخرج النفوذ عن السيطرة
- الإنسان والحيوان- قصة سيادة لم تكن يومًا حقيقية-
- «مصنع السحاب»… رواية عالقة بين منع الستينيات وانتشار الألفين ...
- ما جدوى تغيير الوزير دون تغيير حقيبته؟
- لماذا يحتاج الانسان إلى مخلص ؟
- لماذا يبدو -أبا الصادق- عبد الله هاشم مخلّصًا مثاليًا لعصرنا ...
- دفاع عن العقيدة أم دفاع عن العمامة؟ لماذا تخشى المؤسسات الدي ...
- تحت رعاية السيد المسؤول..( عندما تبتلع الصور الإنجازات)
- وتبقى دائمًا… درية شفيق (المنتصرة في النهاية)
- عزيزتي درية شفيق .. لم يكن الأمر يستحق
- وتبقى دائماً.. درية شفيق (بين نضال فردي وخيانة جماعية)
- سيدات ضد السلطة (1)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (الأخيرة)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (3)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (2)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه(1)
- أمنياتي للعام الجديد
- بين مقص الرقيب وفضاء تيك توك: هل يحمي حظر العرافين عقل المشا ...
- الكريسماس.. رحلة العيد من (أروقة الكنيسة) إلى(شوارع العالم)


المزيد.....




- رأي.. عبدالله بن عادل فخرو يكتب: صُنع في الخليج.. من شعار لل ...
- عمرو موسى بعد لقاء السيسي ومحمد بن سلمان: لم يعد الصمت خيارً ...
- إسرائيل تدمر منصات صواريخ في جنوب لبنان.. وسجال داخل البرلما ...
- ممرّان يضغطان على حسابات القاهرة والرياض.. هرمز وباب المندب ...
- قبل لقاء ترامب وشي المرتقب.. وزير الخارجية الإيراني يزور الص ...
- احتجاز ما لا يقل عن 150 محتجا مؤيدا لمجتمع الميم في حملة أمن ...
- تقرير: واشنطن هاجمت قوارب إيرانية حاولت الاستيلاء على مسيّرة ...
- تدريبات على السلاح ورصد للمعارضين في الخارج.. ماذا وراء تحرك ...
- مصر ـ اتهامات للسلطات بإزالة -مساحات خضراء-.. والحكومة توضح ...
- -حرب- مصر على أشجارها.. من يقف وراءها ومن يدفع الثمن؟


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علا مجد الدين عبد النور - متى يثور المصريون ولماذا؟