أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علا مجد الدين عبد النور - لماذا يبدو -أبا الصادق- عبد الله هاشم مخلّصًا مثاليًا لعصرنا؟!















المزيد.....

لماذا يبدو -أبا الصادق- عبد الله هاشم مخلّصًا مثاليًا لعصرنا؟!


علا مجد الدين عبد النور
كاتبة

(Ola Magdeldeen)


الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 08:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في لحظات الفوضى الكبرى، حين ينهار المعنى وتتشابك الأسئلة، لا يبحث الإنسان عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الطمأنينة. ومن هنا وُلدت فكرة «المخلّص»؛ ذلك الكائن أو الشخص أو الخطاب الذي يعد بالخلاص، ويَعِد بالعدل، ويَعِد قبل كل شيء، بأن هناك من يعرف الطريق حين يضيع الجميع.
عبر التاريخ، لم تخلُ حقبة إنسانية من انتظار مخلّص، نبي، مهدي، مسيح، قائد روحي، أو حتى زعيم سياسي يرتدي قناع القداسة. وكلما زادت الأزمات، زاد الطلب على هذا الدور، لا لأن البشر صاروا أكثر إيمانًا، بل لأنهم صاروا أكثر قلقًا.


عبد الله هاشم (أبا الصادق).. مخلّص العصر الرقمي

في القرن الحادي والعشرين، لم يعد مدعي النبوة بحاجة إلى منبر أو أتباع يجوبون القرى والتبشير به فقد قام الإنترنت بالمهمة.
ويُعد عبد الله هاشم، المعروف بلقب «أبا الصادق»، نموذجًا معاصرًا لتحول فكرة المخلّص من المجال التقليدي إلى الفضاء الرقمي.
بدأ ظهوره كصانع أفلام وثائقية على الإنترنت، واشتهر بسلسلة فيديوهات تناولت الماسونية، الدجال، والنظام العالمي الجديد — وهي مدخلات كلاسيكية لتهيئة المتلقي نفسيًا لفكرة «المؤامرة الكبرى» التي لا تُحل إلا بظهور منقذ.

لاحقًا، تطورت أطروحته من التفكيك النقدي إلى الادعاء الروحي؛ فأعلن نفسه وصيًا ورسولًا عن الإمام المهدي، ثم اتسعت الدعوى لتشمل
النيابة عن المهدي أو اليماني الموعود، الإيمان بتناسخ الأرواح و«رجعة» الأنبياء والأئمة، دمج الإسلام والمسيحية واليهودية في طرح واحد
تقديم نفسه بوصفه امتدادًا جامعًا لكل الرسالات السابقة.
وأصدر كتابه «غاية الحكيم»، الذي يعدّه أتباعه مرجعًا مقدسًا يحتوي على العلم المكنون الذي حُجب عن البشرية قرونًا.


كيف يقدّم نفسه كمنقذ؟

يقدّم أبا الصادق عبد الله هاشم نفسه بوصفه القائم بأمر الإمام المهدي بحسب معتقد أتباعه في «حركة رايات السود المشرقية» كمصحّح جذري للمسار الديني، مدعيًا امتلاكه «العلم اللدني» والقدرة على فك الرموز التي استعصت على رجال الدين التقليديين.

ويرتكز منهجه في معالجة الإشكالات الدينية على عدة محاور:
توحيد الأديان تحت راية «دين الإنسانية»

يرى أن الخلافات بين الأديان ليست جوهرية، بل نتاج تحريف بشري أو سوء فهم تاريخي.
ويطرح رؤية توحيدية تعتبر أن جميع الأنبياء جاؤوا برسالة واحدة، وأنه يمتلك المفتاح الذي يعيد جمع شتات هذه الرسالات.
يفسّر الرموز في القرآن والكتاب المقدس مثل سفر الرؤيا باعتبارها خارطة طريق واحدة تشير إلى زمن الظهور الحالي، مما يلغي الصراع العقائدي التقليدي بين الأديان.

التحرر من سلطة الفقهاء

يعتبر أن المؤسسات الدينية التقليدية تمثل العائق الأكبر أمام فهم الحقيقة، بسبب تركيزها على النصوص الجامدة والطقوس الشكلية.
والحل وفق طرحه، هو تجاوز التقليد والعودة المباشرة إلى خليفة الله، مستندًا إلى ثلاثية: العلم، الوصية، وحاكمية الله.
وفي المسائل الفقهية الشائكة، يقدّم «التزكية النفسية» والاتصال الروحي كبديل عن الفتاوى المتناقضة.

تأويل النصوص المتشابهة
يدّعي امتلاك القدرة على تفسير النصوص الغامضة التي تسببت في الفتن عبر التاريخ، مستخدمًا منهج «تأويل الرؤى» والكشف الروحي.
ومن خلال هذا التأويل، يعيد تقديم شخصيات «عصر الظهور» — كاليماني والسفياني والمهديين — في صيغة معاصرة، معتبرًا أن الانتظار السلبي لقرون كان نتيجة فهم أسطوري خاطئ.

حل صراع العلم والدين
لا يرفض عبدالله هاشم العلم، بل يسعى لدمجه داخل الإيمان، عبر طرح مفاهيم روحية تتقاطع مع قضايا مثل نشأة الكون، طبيعة النفس، والأكوان المتعددة، بما يخاطب عقل الإنسان المعاصر الباحث عن منطق لا يتناقض مع الإيمان.

العدالة الإلهية بصيغة جديدة
من أكثر أطروحاته إثارة للجدل طرحه لمفهوم «تعدد الحيوات» بوصفه حلًا لمعضلة الموت والعدالة الإلهية.
يرى أن فكرة الحياة الواحدة، التي يُحكم بعدها على الإنسان بجنة أو نار أبدية، لا تنسجم مع عدل إلهي مطلق، خاصة في ظل تفاوت الفرص والظروف.
وفق هذا التصور، الروح تعود في أجساد مختلفة عبر الأزمنة لتكمل مسيرتها التكاملية فيتحول الخوف من الموت وعذاب القبر إلى انتقال وظيفي لا عقوبة نهائية
ويُقدَّم هذا الطرح أيضًا كآلية أخلاقية لتكفير الذنوب، شبيهة بمفهوم «الكارما»، حيث تمر الروح بتجارب متعددة حتى تُصقَل وتصل إلى الخلاص.

تفكيك فكرة (الفرقة الناجية)

في مقابل الصراع الديني التقليدي حول من يملك الحقيقة، يقدّم أبا الصادق طرحًا يفكك مفهوم الفرقة الناجية من جذوره.
فالنجاة، وفق رؤيته، لا ترتبط بالهوية الدينية، بل بصدق البحث عن الحق واتباع «خليفة الله» في الزمان.
وبتعدد الحيوات، تصبح الفرصة متاحة للجميع، ويذوب التعصب، إذ قد يكون الإنسان في حياة أخرى جزءًا من الدين الذي يعاديه اليوم.


الخطورة الكبرى
ورغم رفضي الصريح لادعاءات عبد الله هاشم النبوية، وعدم اقتناعي بشرعية خطابه الديني أو الأسس التي يقوم عليها، فإن إنكار ذكاء الطرح الذي يقدّمه سيكون تبسيطًا مخلًّا للمشهد.
فخطابه لم يُبنَ على الفراغ، بل على قراءة واسعة للأديان الإبراهيمية، وقدرة لافتة على رصد نقاط الضعف والقلق داخل الخطاب الديني التقليدي، ثم تقديم إجابات جاهزة لما يعتبره كثيرون أزمات دينية مزمنة.
في هذا الخطاب، لم يعد اليهود بحاجة إلى انتظار معركة من أجل أرض الميعاد، ولا المسيحيون مطالبين بالخضوع الكامل للمؤسسة الكنسية أو ترقّب الخلاص المؤجَّل، ولا المسلمون مدفوعين إلى الجهاد أو فرض أنماط تدين قسرية أو معاداة العالم باسم مفاهيم جامدة مثل «الولاء والبراء». بل يُعاد تقديم الخلاص بوصفه مشروعًا روحانيًا فرديًا، يتجاوز الصراعات التاريخية ويَعِد بعدالة كونية مؤجلة التحقق.
هكذا، وفي وعي أتباعه، يتحوّل عبد الله هاشم إلى مرجعية بديلة للمسيحية، وتجسيد معاصر لفكرة المهدي المنتظر الإسلامي، وتأويل خاص لفكرة المسيح المخلص في الوعي اليهودي. وهي صورة شمولية شديدة الجاذبية، لكنها في الوقت ذاته تنطوي على خطورة كبرى، إذ تستبدل تعقيد التجربة الإنسانية والدينية بمركزية فرد واحد، وتُقصي التعدد لصالح يقين مطلق لا يقبل المراجعة.

وفي النهاية، يظل السؤال الأهم الذي يفرضه هذا المشهد، هل تمثل هذه الظاهرة مجرد حالة عابرة فرضها عصر الفوضى الرقمية، أم أنها جرس إنذار حقيقي للمؤسسات الدينية التقليدية؟
إن نجاح هذا النوع من الخطاب في استقطاب الأتباع يكشف عن فراغ عميق لم تعد الخطب المعلبة ولا الإجابات الجاهزة قادرة على ملئه، ويضع الأديان الكبرى أمام استحقاق تاريخي لتجديد خطابها، لا شكليًا بل جوهريًا، بما يخاطب أجيالًا جديدة تبحث عن روحانية تتصالح مع العقل، والعلم، والعدالة، دون الحاجة إلى مخلّص جديد.



#علا_مجد_الدين_عبد_النور (هاشتاغ)       Ola_Magdeldeen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دفاع عن العقيدة أم دفاع عن العمامة؟ لماذا تخشى المؤسسات الدي ...
- تحت رعاية السيد المسؤول..( عندما تبتلع الصور الإنجازات)
- وتبقى دائمًا… درية شفيق (المنتصرة في النهاية)
- عزيزتي درية شفيق .. لم يكن الأمر يستحق
- وتبقى دائماً.. درية شفيق (بين نضال فردي وخيانة جماعية)
- سيدات ضد السلطة (1)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (الأخيرة)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (3)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (2)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه(1)
- أمنياتي للعام الجديد
- بين مقص الرقيب وفضاء تيك توك: هل يحمي حظر العرافين عقل المشا ...
- الكريسماس.. رحلة العيد من (أروقة الكنيسة) إلى(شوارع العالم)
- ​ورحل فيلسوف السينما عن -أرض الخوف-
- ​إمبراطورية الإغواء.. من -رقصة- السياسي إلى -سحر- العل ...
- المعارضة كأداة حكم: لماذا تحتاج السلطة إلى من يقول «لا»؟
- 2025.. عام التحولات الكبرى وكسر اليقين
- كل السنة في رأس السنة (الأخير)
- عام سعيد!
- هل كان عام 2025 عامًا سعيدًا على المصريين؟


المزيد.....




- بعد البهائيين واليهود.. حملة اعتقالات تطال المسيحيين في اليم ...
- وفاة إمام مسجد نيجيري أنقذ حياة عشرات المسيحيين في 2018
- شيخ الأزهر: الأقصى ركن من هوية المسلمين ومحاولات طمسه مرفوضة ...
- بوتين لبزشكيان: خروج ملايين الإيرانيين في مسيرات دعماً للنظا ...
- بين وطنين.. حكاية يهود إيران في لوس أنجلوس
- -الجمهورية الإسلامية ستسقط-.. بهلوي يُعلن عزمه العودة إلى إي ...
- في يومه العالمي.. حكاية الفلفل الحار من التوابل الروحية إلى ...
- هل يبتلع المنفى ما بقي من الإسلاميين؟
- الإخوان المسلمون على لائحة الإرهاب الأمريكية: هل انتهى زمن ا ...
- مصادر عراقية: وقفة شعبية امام السفارة الايرانية في بغداد دعم ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علا مجد الدين عبد النور - لماذا يبدو -أبا الصادق- عبد الله هاشم مخلّصًا مثاليًا لعصرنا؟!