أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - علا مجد الدين عبد النور - الإنسان والحيوان- قصة سيادة لم تكن يومًا حقيقية-














المزيد.....

الإنسان والحيوان- قصة سيادة لم تكن يومًا حقيقية-


علا مجد الدين عبد النور
كاتبة

(Ola Magdeldeen)


الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 20:23
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


يتعامل الإنسان الحديث مع الأرض كأنها ملكية خاصة، وكأن باقي الكائنات وُجدت لتخدمه هو فقط.
هذا الغرور العابر للتاريخ جعله ينسى حقيقة بسيطة وهي انه لم يكن يومًا وحده على هذا الكوكب، ولم يكن في أي مرحلة من تاريخه سيدًا مطلقًا. فمنذ اللحظة الأولى للوجود الإنساني، تشكّلت علاقة الإنسان بالحيوان لا على أساس السيادة، بل على أساس الشراكة. بل لعل حاجة الإنسان إلى الحيوان، في معظم الأزمنة، كانت أعمق وأقسى من حاجة الحيوان إلى من يرعاه.
في الأزمنة القديمة، حين كان الإنسان أضعف أمام الطبيعة، لم ينظر إلى الحيوان بوصفه أدنى، بل بوصفه قوة موازية، ورمزًا لما يعجز هو عن امتلاكه.
من هنا نشأ التقديس، لا باعتباره عبادة ساذجة، بل اعترافًا ضمنيًا بأن هذا الكائن يحمل من الصفات ما يستحق الرهبة أو الامتنان.
الأسد رمز للشجاعة، والثور للقوة، والبقرة للحنان والخصوبة، والصقر للعلو والسيادة.
لم يكن الحيوان معبودًا لذاته، بل مرآة للخالق على الأرض، وقد بلغت هذه العلاقة ذروة رمزية فريدة في مصر القديمة، حيث قدس الحيوان لأنه وعاء لروح الإله أو تجسيد لصفة كونية.
القطة لم تكن مجرد كائن أليف، بل رمزًا للحماية والحنان، والصقر لم يكن طائرًا فحسب، بل تمثيلًا للملكية والسماء والسرعة. لذلك مزج الفن المصري القديم بين الجسد الإنساني والرأس الحيواني، في محاولة لتقريب ما هو متعالٍ إلى الفهم البشري. الحيوان هنا لم يكن تابعًا، بل وسيطًا بين الإنسان والمقدّس، بين الأرض والسماء.

هذه النظرة لم تقتصر على حضارة بعينها. ففي الديانات السماوية، ظل الحيوان حاضرًا بوصفه آية للتفكر في الخلق، أو رمزًا أخلاقيًا، أو مثالًا يُضرب للحكمة أو الغواية.
في الكتاب المقدس، يظهر الحمل رمزًا للفداء، والأسد للقوة، والحية للخداع، بينما استُخدم الكلب في مواضع كثيرة كرمز للاحتقار أو الشراسة، لا لأن الكلب بذاته شرير، بل لأن الرمز الأخلاقي أُسقط عليه بصفات إنسانية.
وفي القرآن الكريم، تتجلى الحيوانات بوصفها أممًا أمثالنا، تشارك الإنسان الوجود، وتسبّح بطريقتها، وتُذكر قصصها للعبرة لا للتسلية؛ من النملة التي تعلّم التنظيم، إلى الهدهد الذي يحمل الخبر، إلى الغراب الذي علّم الإنسان أول درس في دفن الموتى.
حتى الأسماء التي أطلقها البشر على أنفسهم، أفرادًا وقبائل، تكشف عمق هذا الارتباط، فتسمية القبائل بأسماء الحيوانات كانت تمنّيًا لصفات القوة، الصبر، الدهاء، الشجاعة التي تمتلكها الحيوانات. كان الإنسان يرى في الحيوان ما يتمنى أن يكونه، لا ما يحتقره.
كانت الطبيعة معلمًا، لا ساحة استباحة.
لكن المفارقة القاسية أن هذا التبجيل القديم تراجع كلما توهّم الإنسان أنه أصبح أقوى. كلما تقدّم علميًا، تراجع أخلاقيًا في علاقته بالكائنات الأخرى. ولم يكن هذا التراجع نتيجة الجهل، بل نتيجة الغرور.
والمفارقة الأشد أن النصوص الدينية نفسها، التي يستدعيها البعض لتأكيد تفوق الإنسان، تؤكد في جوهرها عكس ذلك.
فهي تضع مسؤولية الرعاية على الإنسان، وتربط سيادته بالرحمة لا بالقوة. الإنسان لم يُمنح الأرض ليفسدها، بل ليحفظ التوازن الدقيق الذي إن اختلّ، اختلت معه إنسانيته.

ربما ليست أزمة علاقتنا بالحيوان أزمة حقوق حيوان بقدر ما هي أزمة إنسان. فحين يفقد الإنسان قدرته على الرحمة مع الأضعف، يكون قد أعلن إفلاسه الأخلاقي. فالرحمة بالحيوان هي الاختبار الحقيقي لمعنى أن نكون بشرًا.

غير أن هذا الانهيار في المعنى لم يبقَ حبيس الأفكار، بل تجسّد اليوم في منظومة كاملة تُدار باسم التقدم والربح، حيث تتحول الحياة إلى أرقام، والمعاناة إلى مادة للعرض. فكل عام، يعاني ويموت نحو 500 ألف حيوان حول العالم بسبب تجارب مستحضرات التجميل، بينهم الأرانب والخنازير الغينية والفئران والجرذان، في تجارب قاسية تشمل تهيج الجلد والعين، أو تسميم الحيوانات بجرعات كيميائية قسرية. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال نحو 78% من أكبر 50 علامة تجارية عالمية للتجميل تموّل أو تشارك في هذه التجارب، غالبًا بذريعة الالتزام بقوانين بعض الأسواق.
وحتى القتل ذاته لم يعد يُخفى، بل يُصوَّر ويُتداول في زوايا مظلمة من الإنترنت، حيث يصبح الألم مادة للمشاهدة، والقسوة محتوى.

في مواجهة هذه الحقيقة، يطرح السؤال نفسه بلا هوادة.. إذا كانت السيادة تعني القسوة، فهل يحق للإنسان أن يصف نفسه بسيد هذا الكوكب؟ أم أننا، في هذه اللحظة من الانكسار الأخلاقي بحاجة إلى إعادة التفكير في معنى الإنسانية، لا لأنفسنا فقط، بل لكل من شاركنا الأرض في صمت؟



#علا_مجد_الدين_عبد_النور (هاشتاغ)       Ola_Magdeldeen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «مصنع السحاب»… رواية عالقة بين منع الستينيات وانتشار الألفين ...
- ما جدوى تغيير الوزير دون تغيير حقيبته؟
- لماذا يحتاج الانسان إلى مخلص ؟
- لماذا يبدو -أبا الصادق- عبد الله هاشم مخلّصًا مثاليًا لعصرنا ...
- دفاع عن العقيدة أم دفاع عن العمامة؟ لماذا تخشى المؤسسات الدي ...
- تحت رعاية السيد المسؤول..( عندما تبتلع الصور الإنجازات)
- وتبقى دائمًا… درية شفيق (المنتصرة في النهاية)
- عزيزتي درية شفيق .. لم يكن الأمر يستحق
- وتبقى دائماً.. درية شفيق (بين نضال فردي وخيانة جماعية)
- سيدات ضد السلطة (1)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (الأخيرة)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (3)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (2)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه(1)
- أمنياتي للعام الجديد
- بين مقص الرقيب وفضاء تيك توك: هل يحمي حظر العرافين عقل المشا ...
- الكريسماس.. رحلة العيد من (أروقة الكنيسة) إلى(شوارع العالم)
- ​ورحل فيلسوف السينما عن -أرض الخوف-
- ​إمبراطورية الإغواء.. من -رقصة- السياسي إلى -سحر- العل ...
- المعارضة كأداة حكم: لماذا تحتاج السلطة إلى من يقول «لا»؟


المزيد.....




- -إعصار القنبلة- ينحسر وموجة البرد القطبية لا تزال مستمرة.. م ...
- مصر.. المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يمنع ظهور هاني مهنا إعلام ...
- فيديو - -لم تصلنا أي مساعدات-.. نازحون أكراد في كوباني يروون ...
- قطر تعتزم إطلاق برنامج إقامة 10 سنوات لرواد الأعمال وكبار ال ...
- التعدين غير المنظم بأفريقيا.. كلفة إنسانية عالية لأرباح الشر ...
- ماذا سيحدث لو أغلقت إيران مضيق هرمز؟
- ألمانيا: نرفض وصم إيران لجيوش أوروبا بالإرهاب
- حماس: الاحتلال يريد تحويل رفح إلى بوابة سيطرة على الفلسطينيي ...
- في اجتماع مغلق.. واشنطن وتل أبيب تبحثان الخيارات العسكرية ضد ...
- كيف تتم عملية الترحيل من ألمانيا؟


المزيد.....

- ‫-;-وقود الهيدروجين: لا تساعدك مجموعة تعزيز وقود الهيدر ... / هيثم الفقى
- la cigogne blanche de la ville des marguerites / جدو جبريل
- قبل فوات الأوان - النداء الأخير قبل دخول الكارثة البيئية الك ... / مصعب قاسم عزاوي
- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - علا مجد الدين عبد النور - الإنسان والحيوان- قصة سيادة لم تكن يومًا حقيقية-