أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علا مجد الدين عبد النور - لماذا يحتاج الانسان إلى مخلص ؟














المزيد.....

لماذا يحتاج الانسان إلى مخلص ؟


علا مجد الدين عبد النور
كاتبة

(Ola Magdeldeen)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 09:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين نطرح سؤال (لماذا يحتاج الإنسان إلى مخلّص؟) فنحن لا نتحدث عن فئة بعينها، ولا عن مرحلة تاريخية محددة، بل عن حاجة إنسانية شاملة رافقت البشر منذ بدايات الوعي الأولى. فمصطلح «المخلّص» في جوهره مصطلح واسع، يشمل كل من يُنظر إليه باعتباره منقذًا، أو صاحب قدرة على إخراج الإنسان من مأزق وجودي أو أخلاقي أو نفسي. ولهذا استُخدم المفهوم عبر العصور في سياقات دينية وسياسية واجتماعية متعددة، وتحوّل أحيانًا إلى مركز ثقل في تشكيل الوعي الجمعي.
الدين، في أحد أعمق أدواره، جاء استجابةً لهذه الحاجة. فهو ضرورة فطرية ونفسية قبل أن يكون منظومة تشريعية، إذ يقدّم إجابات عن الأسئلة الكبرى التي يعجز الإنسان عن تجاوزها: من أين جاء؟ وإلى أين يذهب؟ ولماذا وُجد أصلًا؟ ومن خلال هذه الإجابات، يمنح الدين للحياة معنى، ويضع إطارًا أخلاقيًا للسلوك، ويوفّر شعورًا بالطمأنينة والأمل، خصوصًا في لحظات الانكسار والخوف. ولهذا لا يمكن فصل الحاجة إلى المخلّص عن الحاجة إلى المعنى، فكلتاهما تنبعان من هشاشة الإنسان أمام تقلبات الحياة.
عبر التاريخ، لم تمر حقبة إنسانية دون انتظار مخلّص. نبي يُعيد الوصل بالسماء، أو مسيح يُنهي الظلم، أو قائد سياسي يُقدَّم بوصفه المنقذ الأوحد. وكلما اشتدت الأزمات، من حروب وفقر واضطراب قيم وانهيار يقين، ازداد التعلّق بفكرة الخلاص. في مثل هذه اللحظات، لا يبحث الإنسان بالضرورة عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الأمان، عن معنى يبرر الألم، وعن قوة خارجية تعوّض ضعف الإيمان بالذات وتقدّم بوصلة أخلاقية في زمن يختلط فيه الخير بالشر.
غير أن هذه الحاجة النفسية العميقة لا تمر دائمًا بسلام. ففي كل عصر، يظهر من يحوّلها إلى فخ. الأديان نفسها حذّرت من الأنبياء الكذبة، أولئك الذين لا يسعون إلى خلاص البشر، بل إلى امتلاكهم.
هؤلاء لا يعتمدون على البرهان أو العقل، بل على خطاب عاطفي كثيف، وعلى كاريزما لا تقبل الشك، ولغة غامضة توحي بالعمق، وادّعاء امتلاك سر إلهي حُجب عن الآخرين.
وكلما ازداد العالم ارتباكًا، ازدادت جاذبية هذا النوع من الخطاب.
في العصر الرقمي، تغيّرت وسائل الإعلان عن الدعوة، لم يعد مدّعي الخلاص بحاجة إلى منبر أو أتباع يجوبون القرى مبشرين برسالته؛ فقد صار الإنترنت كما الصحابه سيدنا محمد وتلاميذ يسوع المسيح.
ويُعد عبد الله هاشم، المعروف بلقب «أبا الصادق»، نموذجًا معاصرًا لهذا التحول. بدأ ظهوره عبر منصات الإنترنت كصانع محتوى يتناول موضوعات مثل الماسونية، والنظام العالمي الجديد، وهي موضوعات تُستخدم غالبًا لتهيئة المتلقي نفسيًا لفكرة المؤامرة الشاملة التي تستدعي بالضرورة وجود منقذ استثنائي.
لاحقًا، تطورت دعوته من دور «الكاشف» إلى دور «الوسيط»، فأعلن نفسه وصيًا ورسولًا عن الإمام المهدي، ثم توسعت أطروحته لتشمل
دمج الإسلام والمسيحية واليهودية في طرح واحد، مع تقديم نفسه بوصفه امتدادًا جامعًا لكل الرسالات السابقة. وأصدر كتابه «غاية الحكيم»، الذي يعتبره أتباعه مرجعًا مقدسًا يحتوي – بحسب ادعائه – على العلم المخفي الذي حُجب عن البشرية قرونًا طويلة.
ينجح هذا الخطاب لا لأنه ينافس العلم، بل لأنه يتحرك في المساحات التي يعجز العلم عن ملئها. فالعلم يشرح كيف تعمل الأشياء، لكنه لا يجيب عن أسئلة المعنى: لماذا وُجدنا؟ ما جدوى الألم؟ ماذا بعد الموت؟ ومع تراجع ما يُعرف بـ«إله الفجوات» – أي تفسير كل مجهول تفسيرًا دينيًا مباشرًا – لم تختفِ الحاجة إلى المقدّس، بل أعادت تشكيل نفسها.
بعض الناس لم يتخلّوا عن فكرة الإله، بل بحثوا عن إله أقرب، أو مخلّص حاضر، أو شخص يتحدث باسم السماء الآن.
خطورة هذه الظواهر لا تقتصر على الجانب الديني أو العقدي، بل تمتد إلى آثار اجتماعية عميقة. فكثيرًا ما تؤدي هذه الحركات إلى تفتيت الأسر بحجة أن المجتمع ضال، واستغلال الأتباع ماديًا ومعنويًا، وخلق صدام دائم مع القانون والدولة، وتحويل الإيمان من تجربة روحية إلى أداة للسيطرة. وغالبًا ما تنتهي هذه التجارب بانهيار القائد، أو بملاحقات قانونية، أو باختفاء غامض، يترك أتباعه في فراغ أشد قسوة من الفراغ الذي دفعهم إلى البحث عن مخلّص في المقام الأول.

في المحصلة، تبقى الحاجة إلى المخلّص حاجة إنسانية مفهومة، لكنها تصبح خطيرة حين تتحول إلى تفويض مطلق لشخص أو كتب من التراث. فالإيمان الحقيقي لا يُلغِي العقل، ولا يضعه رهينة للغموض مهما بدا مطمئنًا. وحده الوعي النقدي، والتمييز بين الإيمان والخضوع، يمكن أن يشكّل خط الدفاع الأول أمام موجات الادعاء المتكررة. (فـأبا الصادق) وغيره ليسوا سوى فصول جديدة في كتاب قديم؛ يتغير فيه الغلاف بتغيّر الزمن، بينما يبقى المحتوى واحدًا وهو سعي البشر للسلطة بإرتداء ثوب القداسة.



#علا_مجد_الدين_عبد_النور (هاشتاغ)       Ola_Magdeldeen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يبدو -أبا الصادق- عبد الله هاشم مخلّصًا مثاليًا لعصرنا ...
- دفاع عن العقيدة أم دفاع عن العمامة؟ لماذا تخشى المؤسسات الدي ...
- تحت رعاية السيد المسؤول..( عندما تبتلع الصور الإنجازات)
- وتبقى دائمًا… درية شفيق (المنتصرة في النهاية)
- عزيزتي درية شفيق .. لم يكن الأمر يستحق
- وتبقى دائماً.. درية شفيق (بين نضال فردي وخيانة جماعية)
- سيدات ضد السلطة (1)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (الأخيرة)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (3)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه (2)
- عندما سألتُ الذكاء الاصطناعي عن نفسه(1)
- أمنياتي للعام الجديد
- بين مقص الرقيب وفضاء تيك توك: هل يحمي حظر العرافين عقل المشا ...
- الكريسماس.. رحلة العيد من (أروقة الكنيسة) إلى(شوارع العالم)
- ​ورحل فيلسوف السينما عن -أرض الخوف-
- ​إمبراطورية الإغواء.. من -رقصة- السياسي إلى -سحر- العل ...
- المعارضة كأداة حكم: لماذا تحتاج السلطة إلى من يقول «لا»؟
- 2025.. عام التحولات الكبرى وكسر اليقين
- كل السنة في رأس السنة (الأخير)
- عام سعيد!


المزيد.....




- كوبا: سندافع عن سيادتها بنفس الروح التي دافع بها الفلسطينيون ...
- الحكومة السورية تمدد وقف إطلاق النار مع -قسد- 15 يوماً دعماً ...
- -الهلال الأسود-.. كيف قاد المسلمون الأفارقة ملاحم الصمود وال ...
- السيسي: لم أستهدف دماء أحد.. و-الإخوان هم من بدأوا العنف- في ...
- ديوان السودان.. مكانة الخلاوي الدينية والاجتماعية في السودان ...
- القدس في الوعي العربي من الرمز الجامع إلى الاستهلاك الخطابي ...
- كيف سيتعامل لبنان مع إدراج الجماعة الإسلامية على لائحة الإره ...
- نقل عناصر تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى العراق: ما ا ...
- قرار فرنسا بشأن الإخوان يفتح النقاش بشأن -الكيانات الغامضة- ...
- استخبارات حرس الثورة الاسلامية في ايران: التعرف على 46 شخصاً ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علا مجد الدين عبد النور - لماذا يحتاج الانسان إلى مخلص ؟