أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - منذر علي - حين يكون العنف الداخلي في خدمة الخارج، يضيع الوطن!















المزيد.....

حين يكون العنف الداخلي في خدمة الخارج، يضيع الوطن!


منذر علي

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 20:38
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    


منذ حرب 1994 حتى اليوم، لم يتوقف المتصارعون على السلطة في اليمن عن مخاطبة الناس، ولا سيما الفقراء والمحرومين، بلغة الحرية، والعدالة، والاستقلال والكرامة. غير أن ما يكشف زيف هذا الخطاب هو أن القوى نفسها التي تتحدث باسم الشعب تطلب منه، في الوقت ذاته، أن يربط مصيره بعواصم إقليمية ودولية، مثل الرياض، وطهران، وأبو ظبي، وواشنطن.
هنا تبدأ الخديعة السياسية الكبرى حين يُقدَّم الارتهان بوصفه استقلالًا، و حين تُسمّى التبعية تحررًا، و حين يتحول تسليم القرار الوطني إلى القوى الرجعية العربية التوسعية الفاسدة، أو القوى الإمبريالية المتوحشة، إلى فعل يُسوَّق للناس باعتباره وفاءً للعروبة، أو دفاعًا عن الدين، أو انحيازًا للإنسانية، أو انسجامًا مع ما يسمى بالقيم الديمقراطية و العالم المتحضر.
لكن السؤال البسيط، الذي تعمل الدعاية السياسية على إبعاده عن وعي الناس، هو: كيف يستطيع من يسلّم قراره للسعودية، أو إيران، أو الإمارات، أو الولايات المتحدة، أن يدّعي الدفاع عن الوطن وحريته وسيادته؟ كيف يكون المرء في صف الاستقلال، وهو يستدعي الأجنبي إلى بلده، ويطلب منه أن يقصف المدن، ويموّل المليشيات، ويفرض شروطه، ويتحكم في موازين الحرب والسلم؟
إن الخضوع لقوة خارجية لا يصبح وطنية لأنه ارتدى لغة وطنية، ولا يتحول إلى تحرر لأنه استعمل مفردات قومية، ولا يصير عملًا أخلاقيًا لأنه احتمى بشعارات دينية أو ديمقراطية. الأسماء لا تغيّر طبيعة الأشياء. فمن يسلّم وطنه للخارج لا يدافع عن استقلاله، بل يفاوض على حصته داخل نظام من التبعية.
القوى الرجعية والإمبريالية لا تدخل اليمن لتبني دولة يمنية حرة، ولا لتمنح اليمنيين عدالة غائبة، ولا لتصنع لهم مستقبلًا كريمًا. إنها تدخل لتصنع نفوذها هي. ومن أجل ذلك، تعمل على تأليب اليمني على اليمني؛ أي الشمالي على الجنوبي، والجنوبي على الشمالي، والشرقي على الغربي، والسني على الشيعي، والإسلامي على القومي والاشتراكي. وكلما اتسعت الانقسامات، اتسعت قدرة الخارج على السيطرة.
هذه هي الوظيفة الحقيقية للحرب الأهلية حين تُدار من الخارج وينتج عنها تمزيق المجتمع، إضعاف الدولة، استنزاف الشعب، وتحويل الوطن إلى مساحة مفتوحة للتقاسم السياسي والعسكري والاقتصادي. وحين تستمر الحرب لعقود، لا يكون ذلك خطأ عابرًا في الحسابات، بل نتيجة طبيعية للاعتماد على الخارج في معالجة الصراعات الداخلية. هنا، بالضبط، يتزاوج الغباء والوهم والتبعية، ثم يولد العنف خادمًا لغير اليمن.
لقد نبّه المناضل الديمقراطي التقدمي عمر الجاوي، بعد الوحدة عام 1990، إلى حقيقة بسيطة وعميقة، ومفادها أن الحبل الحقيقي الذي ينبغي للقوى السياسية اليمنية أن تتمسك به هو الشعب. لم يكن يقصد الشعب بوصفه جمهورًا صامتًا يُستدعى عند الحاجة، ولا بوصفه وقودًا انتخابيًا أو عسكريًا، بل بوصفه مصدر الشرعية والقوة والمعنى.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم هو: لماذا لا يتمسك هؤلاء بالشعب؟ لماذا لا يثقون بقدرته على الدفاع عن الحرية والاستقلال والعدالة، والوحدة والاستقرار والتقدم؟ لماذا يبحثون عن الحماية في العواصم الأجنبية بدل أن يبحثوا عن الشرعية في الداخل اليمني؟ لماذا يكون الخارج أقرب إليهم من المواطن، والسفارة الأجنبية أهم من القرية، والتمويل أقوى من التفويض الشعبي؟
الجواب ليس معقدًا. كثير من هؤلاء لا يدافعون عن الشعب أصلًا، بل يدافعون عن مواقعهم ومصالحهم ومصالح القوى التي تموّلهم وتستخدمهم. أما القوى الخارجية، فهي لا تنفق المال والسلاح والإعلام حبًا في اليمنيين. ذلك أن الدول لا تتحرك عادة بدافع الشفقة، بل بدافع المصلحة. وكل قوة تدخل اليمن لا تدخل لكي تحرر اليمنيين، بل لكي توسّع نفوذها وتضمن مصالحها وتعيد تشكيل التوازنات بما يخدمها.
وهكذا يجد اليمني، في الشمال والجنوب، نفسه مقتولًا بسلاح يأتيه من الخارج، ثم يُطلب منه أن يصدق أن الذين يسلّحون أطراف الصراع يفعلون ذلك حبًا في اليمن. هذه ليست سياسة وطنية، بل صناعة منظمة للوهم. إنها دعاية ماكرة تجعل الضحية تصفق لمن يطيل مأساتها، وتجعل الفقير يموت في الجبهة دفاعًا عن مشروع لا يملك قراره ولا ثماره.
ومن أغرب صور الوطنية الزائفة أن يعيش صاحب القرار خارج البلاد، آمنًا ومرفّهًا، بينما يُطلب من الفقير أن يموت في الداخل دفاعًا عن مشروع سياسي لا يقوده إلى الحرية، بل إلى الانتحار. وحين يفشل هذا المشروع، كما تفشل غالبًا المشاريع التي تقوم على الحرب والارتهان، لا يعود أصحابه إلى الشعب ليتقاسموا معه الجوع والخوف والنزوح، بل يتجهون إلى العواصم التي استدعوها إلى اليمن، طالبين الحماية أو اللجوء أو موقعًا جديدًا في سوق السياسة. أما المواطن الفقير الذي دُفع إلى الحرب، فلا يبقى له غالبًا إلا القبر، أو الجرح، أو الإعاقة، أو النزوح، أو الجوع.
هذا ليس تاريخ الثورات التي احترمت نفسها. فالثائر الحقيقي، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، لا يرى استقلال بلاده ورقة قابلة للبيع. لم يكن فيدل كاسترو، ولا تشي غيفارا، ولا نيلسون مانديلا، ولا هو تشي منه، يطلبون من قوة أجنبية أن تدمّر أوطانهم كي تمنحهم سلطة فوق أنقاضها. قد يخطئ الثائر، وقد يقسو، وقد يفشل، لكن جوهر الفكرة التحررية يظل واضحًا وهو أن الشعب لا يتحرر باستبدال سيد داخلي بسيد خارجي.
إن مأساة اليمن لا تكمن فقط في وجود صراع على السلطة، فالصراعات السياسية موجودة في كل مجتمع. المأساة الحقيقية تبدأ حين يتحول الصراع إلى حرب بالوكالة، وحين يصبح الخارج هو الحكم والممول والمسلّح والراعي، وحين يُطلب من المواطن أن يموت دفاعًا عن قرار لم يصنعه، ومشروع لا يملكه، وراية لا تخدم في النهاية إلا من يمسك بخيوطها من بعيد.
لذلك، فإن أول خطوة جادة نحو إنقاذ اليمن ليست في تغيير الراعي الخارجي، ولا في الانتقال من حبل إقليمي إلى حبل دولي آخر، بل في قطع هذه الحبال جميعًا. اليمن لا يحتاج إلى وكلاء جدد، بل إلى مواطنين أحرار. لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى عقل سياسي يعيد الاعتبار للشعب بوصفه صاحب القرار. لا يحتاج إلى حرب أخرى، بل إلى شجاعة أخلاقية توقف الحرب.
هيّا، طلّقوا الغباء والوهم والتبعية.
أوقفوا العنف فورًا.
عودوا إلى الشعب، لا إلى العواصم الأجنبية.
فلا وطن يُبنى بأيدي وكلاء، ولا حرية تأتي على ظهر دبابة أجنبية، ولا استقلال يولد من رحم الارتهان



#منذر_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَا السَّبِيلُ لِخَلَاصِ اليَمَنِ العَلِيل؟
- جرائم الاغتيال والحرب لا تبرر جريمة أكبر كالانفصال!
- الرئيس اليمني هادي: مكر التاريخ وخذلان المرحلة!
- أيها اليمنيون الأحرار: لا تتركوا الخونة يقررون مستقبلكم!
- تفكيك خطاب الإخضاع في الصفقة الأمريكية مع إيران!
- الأنظمة العربية في قبضة الإمبريالية والصهيونية!
- نماذج من ردود الأفعال تجاه العدوان الإمبريالي والصهيوني على ...
- تُرى كيف ستتصرف الإمارات، فاحشة الثراء، لو كانت أكبر حجمًا؟
- هل جمهورية أرض الصومال نموذج للجنوب اليمني أم فخ جديد؟
- انتفاضة فبراير ومآلات سوء التقدير السياسي في اليمن!
- الانفصال يخدم أقلية محلية وقوى إقليمية وصهيونية، لا اليمن!
- الإمبريالية تحبّ الشعوب بطريقتها الخاصة!
- أيها اليمنيون، لا تكونوا أدوات لأعدائكم!
- التحرّر من الاحتلال الخليجي مدخلٌ إلى التحرّر من سلطة الحوثي ...
- الصفقة بين التاجر الأميركي والسياسي السعودي في زمن الانحطاط ...
- المثقف العربي المأجور واليهودي الحر: قراءة في خطاب الخيانة و ...
- انتصار الإنسان في قلب الرأسمالية: قراءة في تجرِبة زهران ممدا ...
- الإمارات: دولة الحرب الوظيفية في خدمة الصهيونية والإمبريالية ...
- مؤتمر ترامب للسلام في شرم الشيخ هندسة ماكرة لصراع جديد!
- دونالد ترامب وصناعة الخراب: قراءة في أخلاق القوة والتواطؤ!


المزيد.....




- ديمي مور بإطلالة -كروشيه- شفّافة في أسبوع الموضة بنيويورك
- -على غرار السلاح النووي-.. صحفية أمريكية تدعو لتنظيم الذكاء ...
- مهمّة بريطانية بامتياز لإنقاذ كشك الهاتف الأحمر في المملكة ا ...
- ترامب يتحدث عن اتفاق روسي أوكراني لوقف ضربات منشآت الطاقة.. ...
- كيف ظهرت الأميرتان ليونور وصوفيا في سباق الفورمولا 1 بإسباني ...
- -ضربته وشتمته لرفضه تناولها الكحول في سيارته-.. وزارة الداخل ...
- بمشاركة مصر و4 دول أوروبية.. انطلاق المناورات العسكرية الضخم ...
- -أيديكم ملطخة بدماء أطفالنا-
- كيف ستتأثر قناة السويس باضطراب الملاحة عبر مضيق باب المندب؟ ...
- طلاب الجامعات يطلقون -قائمة الطلاب- لإحداث تغيير في انتخابات ...


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - منذر علي - حين يكون العنف الداخلي في خدمة الخارج، يضيع الوطن!