أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - منذر علي - الرئيس اليمني هادي: مكر التاريخ وخذلان المرحلة!















المزيد.....

الرئيس اليمني هادي: مكر التاريخ وخذلان المرحلة!


منذر علي

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 09:15
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    


يمكن النظر إلى الرئيس عبد ربه منصور هادي بوصفه شخصية وطنية وجدت نفسها في قلب مرحلة يمنية شديدة الاضطراب، وتعرضت لتآمر قوى متعددة، كما دفعتها تعقيدات التاريخ إلى موقع بالغ الصعوبة في لحظة مفصلية من عمر البلاد. فالرجل، في هذا التصور، لم يكن مجرد مسؤول انتقل بين أنظمة متعاقبة، بل كان جزءًا من مسار سياسي وعسكري طويل، بدأ بمشاركته في النضال من أجل الاستقلال الوطني، ثم في الإسهام في بناء المؤسسة العسكرية في اليمن الديمقراطي، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى صنعاء عقب أحداث 13 يناير 1986، في سياق سياسي معقد فرض إعادة تموضع عدد من القيادات الجنوبية.
ومن هذا المنطلق، فإن مشاركته في الدفاع عن الوحدة خلال حرب عام 1994 يمكن فهمها، وفق هذا التقدير، باعتبارها تعبيرًا عن قناعة راسخة بالوحدة اليمنية، لا مجرد تصفية حسابات مع رفاق الأمس في عدن. صحيح أنه أصبح جزءًا من سلطة تهيمن عليها قوى قبلية نافذة في صنعاء، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه تبنى كل منطقها أو شاركها جميع أهدافها. بل يمكن القول إن وجوده داخل هذه المنظومة كان، في أحد وجوهه، نتيجة ظرف سياسي معقد أكثر مما كان تطابقًا كاملًا معها في الرؤية والغاية.
وقد برز هذا التمايز بصورة أوضح عندما استجاب هادي لموجة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ووجد نفسه في مواجهة مع بنية سلطوية مترهلة ومتشبعة بالفساد، تمدد نفوذها في الشمال والجنوب معًا. فخلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت إزاحة علي عبد الله صالح عن السلطة، حاول هادي أن يعيد تشكيل المؤسسة العسكرية على أسس وطنية أكثر مهنية، وأن يفكك مراكز القوة المسلحة التي ظلت تمسك بالدولة من داخلها. غير أن هذا التوجه اصطدم بمقاومة شديدة من بقايا النظام القديم، ومن شبكات النفوذ المتغلغلة في أجهزة الدولة، كما واجه رفضًا من قوى تقليدية وقبلية وجهوية وطائفية رأت في أي إصلاح حقيقي تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الرئيس هادي لم يكن حاكمًا استبداديًا بالمعنى التقليدي، ولم يُعرف عنه الميل إلى صناعة حكم دموي قائم على البطش الشخصي أو العصبية المناطقية والقبلية. وعلى العكس من ذلك، بدا أقرب إلى شخصية سياسية تؤمن، ولو بدرجات متفاوتة من الفاعلية، بإمكان بناء دولة حديثة تتجاوز الانقسامات الأولية التي أنهكت اليمن طويلًا. ولذلك ارتبط اسمه، في نظر مؤيديه، بخيار الدولة الاتحادية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وبمحاولة الوصول إلى صيغة سياسية تعيد تنظيم الحياة العامة على أسس أكثر عدلًا وتمثيلًا.
وحين تعرض للإقصاء القسري والإهانة في صنعاء، ووُضع قيد الإقامة الجبرية، وقتل بعض أفراد حراسته، ثم تمكن من الخروج والوصول إلى عدن في ظروف شديدة الخطورة، لم يتجه ، بحسب هذا المنظور ، إلى خطاب انتقامي أو جهوي، ولم يسع إلى استثمار موقعه الجديد لإشعال نزعة انفصالية ضيقة أو لتغذية الكراهية بين الشمال والجنوب. بل حاول أن يقدم نفسه من عدن بوصفه رئيسًا لكل اليمنيين، ودعا إلى توحيد الجهود في مواجهة الانقلاب، وإلى استعادة مشروع الدولة اليمنية الديمقراطية الموحدة، وفق المرجعيات التي أقرها مؤتمر الحوار الوطني.
غير أن القوى التي كانت تعمل على تقويض هذا المسار لم تكن متمركزة في الشمال وحده، بل كانت موجودة أيضًا في الجنوب، وإن اختلفت شعاراتها ومبرراتها. فاليمن، في تلك المرحلة، كان ساحة مفتوحة لمشاريع متصارعة، بعضها يرتدي لبوس الطائفية، وبعضها يتكئ على المناطقية، وبعضها يتغذى من النزعة الانفصالية، بينما كانت جميعها، بدرجات مختلفة، تعيق قيام سلطة وطنية جامعة.
وعندما أصبحت عدن نفسها مهددة، وتعرض هادي، وهو في قصر معاشيق، لضغط عسكري مباشر من القوى القادمة من صنعاء، في لحظة ترافقت أيضًا مع برود أو عداء من بعض القوى الانفصالية في الجنوب، وجد نفسه أمام خيارات شديدة الضيق. ومن هنا جاء انتقاله إلى السعودية، الذي يختلف الناس في تفسيره: فهناك من يراه نتيجة عجز سياسي عن قراءة المشهد بدقة، وهناك من يرده إلى طيبة شخصية التي جعلته عرضة للاستغلال، وهناك من يعتبر أنه لم يكن يملك، في تلك اللحظة، بديلًا آمنًا آخر.
لكن ما يبدو أكثر وضوحًا هو أن انتقاله إلى الرياض لم ينته إلى علاقة ندية بين حليفين، بل قاده تدريجيًا إلى وضع فقد فيه كثيرًا من حرية الحركة والقرار. فالتدخل العسكري الذي جرى باسم استعادة الشرعية حمل، منذ وقت مبكر، أجندات إقليمية تجاوزت شخص هادي نفسه، وتجاوزت أيضًا الهدف المعلن المتمثل في " استعادة الشرعية" وبناء الدولة اليمنية. ومع مرور الوقت، تكشف أن السعودية والإمارات لم تتعاملا مع شرعيته بوصفها أساسًا فعليًا لتمكين الدولة، بل بوصفها مظلة سياسية قابلة للاستخدام، ثم للتهميش حين تتعارض مع مصالحهما على الأرض.
وقد بدا هذا التناقض جليًا عندما مُنع هادي من العودة إلى عدن، وبات رئيسًا معترفًا به شكليًا، لكنه مقيد فعليًا، فيما تتآكل سلطته لمصلحة تشكيلات مسلحة وقوى محلية وإقليمية تعمل وفق حساباتها الخاصة. ويُفهم من هذا المسار أن هادي أدرك، في مرحلة ما، أن ما يجري في اليمن لم يكن مجرد عملية دعم لشرعيته، بل إعادة تشكيل للخريطة السياسية والعسكرية بما يخدم مصالح الخارج. غير أن قدرته على مقاومة هذا المسار كانت محدودة، في ظل اختلال موازين القوى، وتفكك المعسكر الذي يفترض أنه يتحرك باسمه.
وحين لم يعد وجوده ملائمًا للحسابات الإقليمية، جرى عزله وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة رآها كثيرون تعبيرًا عن انتقال القرار اليمني، بدرجة أكبر، إلى أيدي الفاعلين الخارجيين. ومنذ ذلك الحين، بدا هادي وكأنه أُبعد بصمت عن المشهد الذي ظل، من الناحية الشكلية، عنوانه الشرعي الأبرز لسنوات.
إن النظر إلى الرئيس هادي من هذه الزاوية يقود إلى اعتباره رجل دولة حاول، ضمن حدود ما امتلكه من أدوات وما واجهه من عوائق، أن يحافظ على فكرة اليمن الواحد، وأن يتجنب الانزلاق إلى سياسات الانتقام والانقسام، لكنه سقط في لحظة تاريخية كانت فيها قوى الداخل المتصارعة ومطامع الخارج المتدخلة أقوى من قدرته على الفعل. وبذلك، فإن مأساته لم تكن شخصية فحسب، بل كانت أيضًا تعبيرًا عن مأساة اليمن نفسه، حين عجز مشروع الدولة الوطنية عن حماية نفسه من الانقلاب والتفكك والوصاية.
ومن هذا المنطلق، فإن عبد ربه منصور هادي، في نظر من يرون فيه قائدًا وطنيًا، لا ينتمي إلى منطقة بعينها، ولا يُختزل في خلفيته المحلية أو السياسية، بل ينتمي إلى السردية اليمنية الأوسع بكل ما فيها من آمال وانكسارات. ولهذا فإن تكريمه اللائق، بعد رحيله، ينبغي أن يتم بما ينسجم مع مكانته الرمزية في وجدان محبيه، وأن تُستعاد علاقته بالوطن في معناها الأخير والأنبل، بأن يعود إلى ترابه الذي انتمى إليه نضالًا ومصيرًا، فيُوارى فيه بوصفه واحدًا من رجاله الذين تقاطعت حياتهم مع آلام اليمن وآماله، لا كشخصية عابرة في السلطة، بل كاسم ارتبط، على نحو أو آخر، بفكرة الدولة ووحدة البلاد في واحدة من أشد مراحلها اضطرابًا.
الخلود لعبد ربه منصور هادي، والعزاء لأهله ومحبيه، ولكل من رأى فيه رجلًا حاول أن يتمسك بفكرة اليمن في زمن التمزق.



#منذر_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيها اليمنيون الأحرار: لا تتركوا الخونة يقررون مستقبلكم!
- تفكيك خطاب الإخضاع في الصفقة الأمريكية مع إيران!
- الأنظمة العربية في قبضة الإمبريالية والصهيونية!
- نماذج من ردود الأفعال تجاه العدوان الإمبريالي والصهيوني على ...
- تُرى كيف ستتصرف الإمارات، فاحشة الثراء، لو كانت أكبر حجمًا؟
- هل جمهورية أرض الصومال نموذج للجنوب اليمني أم فخ جديد؟
- انتفاضة فبراير ومآلات سوء التقدير السياسي في اليمن!
- الانفصال يخدم أقلية محلية وقوى إقليمية وصهيونية، لا اليمن!
- الإمبريالية تحبّ الشعوب بطريقتها الخاصة!
- أيها اليمنيون، لا تكونوا أدوات لأعدائكم!
- التحرّر من الاحتلال الخليجي مدخلٌ إلى التحرّر من سلطة الحوثي ...
- الصفقة بين التاجر الأميركي والسياسي السعودي في زمن الانحطاط ...
- المثقف العربي المأجور واليهودي الحر: قراءة في خطاب الخيانة و ...
- انتصار الإنسان في قلب الرأسمالية: قراءة في تجرِبة زهران ممدا ...
- الإمارات: دولة الحرب الوظيفية في خدمة الصهيونية والإمبريالية ...
- مؤتمر ترامب للسلام في شرم الشيخ هندسة ماكرة لصراع جديد!
- دونالد ترامب وصناعة الخراب: قراءة في أخلاق القوة والتواطؤ!
- رسالة مفتوحة إلى الأخ عبد الملك الحوثي: نداء للتبصر والمسؤول ...
- رسالة مفتوحة إلى مجلس القيادة الرئاسي اليمني: نداء للتبصر وا ...
- الاعتراف البريطاني بفلسطين: خطوة صائبة لكنها غير كافية!


المزيد.....




- انطلاق قمة سويسرا.. قطر تعلن كيف ستُدار المفاوضات بين أمريكا ...
- مظاهرات في عدن تطالب باستعادة دولة الجنوب وترفض الوصاية الخا ...
- ناريندرا مودي يقود تجمعا جماعيا في كلكتا احتفالا باليوم العا ...
- قوات مشاة البحرية الأمريكية والفلبينية تقتحم شاطئا ضمن تدريب ...
- بوساطة قطرية-باكستانية.. انطلاق جولة جديدة من المحادثات الأم ...
- بعد 6 أشهر على اتفاق الشرع وعبدي.. اختراق في الملف الإنساني ...
- إسرائيل.. تغريم بن غفير بـ35 ألف شيكل وإلزامه بحذف فيديو -أس ...
- وصول أول سفينة حاويات إلى ميناء -شهيد رجائي- الإيراني بعد رف ...
- بين الثناء واللوم.. ترامب يعلق بسخرية على مذكرة التفاهم مع إ ...
- ترامب: حركة -حماس- لا تسبب مشاكل في قطاع غزة حاليا


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - منذر علي - الرئيس اليمني هادي: مكر التاريخ وخذلان المرحلة!