|
|
هل جمهورية أرض الصومال نموذج للجنوب اليمني أم فخ جديد؟
منذرعلي
الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 00:35
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
في لقاء أجرته قناة "سكاي نيوز" الإماراتية، تحدث رئيس جمهورية أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله، عن دولته التي يبلغ عدد سكانها نحو ستة ملايين نسمة، متخذة من هارجيسا عاصمة لها. أشار الرئيس إلى أن أرض الصومال كانت خاضعة للاحتلال البريطاني قبل أن تسير بحماس نحو الوحدة مع الجزء الجنوبي من الصومال الذي كان خاضعًا للاستعمار الإيطالي، وهي الوحدة التي أُعلنت بعد الاستقلال في عام 1960 لتشكّل جمهورية الصومال الفيدرالية، التي يزيد عدد سكانها اليوم على تسعة عشر مليون نسمة، وعاصمتها مقديشو. غير أن هذه الوحدة، التي مثلت لحظة أمل تاريخية، لم تلبث أن انهارت تحت وطأة موروث الاستعمار، الذي لم يترك سوى أزمات معقدة هيكلية، تجاوزت حدود الجغرافيا إلى عمق المجتمع. تفاقمت هذه الأزمات بفعل الصراعات القبلية، واستبداد الأنظمة العسكرية، وظهور الجماعات المتطرفة، فضلًا عن التدخلات الخارجية التي ساهمت بشكل كبير في تفكيك النسيج الوطني، خاصة من الإمارات وإثيوبيا والكيان الصهيوني. وفي النهاية، انهار الاتحاد عام 1991، وأعلنت المنطقة الشِّمالية، التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني، انفصالها لتقيم ما يُعرف بجمهورية أرض الصومال، التي باتت تخضع لهيمنة واضحة من قبيلة إسحاق. ورغم إعلان الانفصال منذ أكثر من ثلاثة عقود، لم يحظَ هذا الكيان باعتراف دولي رسمي. ومع ذلك، تمكنت أرض الصومال من إقامة علاقات وثيقة بدول مثل الإمارات وإثيوبيا، وصولًا إلى خطوة مفاجئة في ديسمبر 2025، حين أعلنت إسرائيل اعترافها الرسمي بالجمهورية الانفصالية. لقد تجاوز هذا الاعتراف كونه خطوة سياسية إلى كونه جزءًا من استراتيجية إقليمية، حيث أقامت إسرائيل مراكز استخباراتية استراتيجية في أرض الصومال، بالقرب من مضيق باب المندب وخليج عدن، بالتنسيق مع الإمارات وإثيوبيا. وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي، يظل المجتمع الدولي متحفظًا على منح الشرعية لهذا الكيان، الذي أصبح قاعدة متقدمة لتحالفات إقليمية تهدد أمن المنطقة، مستهدفة دولًا محورية مثل اليمن ومصر والمملكة العربية السُّعُودية.
إن ما دفعني إلى تناول هذا الموضوع هو إدراكي للتشابهات العميقة بين النموذجين الصومالي واليمني، وشعوري بالمسؤولية تجاه الأخطار المحدقة بوطننا. فالجنوب اليمني، الذي خضع للاحتلال البريطاني حتى عام 1967، والشمال الذي تحرر من الاستعمار العثماني في عام 1918، يشتركان في إرث استعماري ثقيل ألقى بظلاله على الحاضر. وكما غرس الاستعمار البريطاني والإيطالي في الصومال بذور الانقسامات القبلية والتفكك السياسي، فعل الاستعمار البريطاني والعثماني الأمر ذاته في اليمن، حيث أعاد تشكيل الهُوِيَّة الوطنية والأنماط الاجتماعية والسياسية بما يخدم مصالحه طويلة الأمد. هذا الإرث لم يكن مجرد حالة عابرة من السيطرة، بل مشروعًا ممنهجًا لتمزيق الهياكل الاجتماعية وتعميق الانقسامات التي لا تزال تعيق أي مساعٍ للوحدة والاستقرار. في الصومال، تتوزع السلطة والنفوذ بين أربع قبائل كبرى: دارود، وهوية، ودر، وإسحاق، حيث تسيطر الأولى والثانية والثالثة على السلطة في مقديشو، في حين تهيمن قبيلة إسحاق على المشهد السياسي والعسكري في هارجيسا، مع تهميش واضح للقبائل الأخرى. وبالمقارنة، نجد في اليمن أربع قبائل رئيسية: حاشد، وبكيل، ومذحج، وحمير، وكلها تنحدر من الجذور القحطانية. وفي الجَنُوب اليمني تحديدًا، تبرز القبائل المرتبطة بالمثلث الجنوبي: الضالع، وردفان، ويافع، التي تمثل مزيجًا من القبائل الحميرية والمذحجية. ورغم هذا التنوع القبلي، فإن الصراعات القبلية والتدخلات الخارجية، كما هو الحال في الصومال، لم تؤدِ إلا إلى تعقيد المشهد وإضعاف الدولة.
ورغم أن اليمن والصومال يتمتعان بمواقع جغرافية استراتيجية وثروات طبيعية هائلة، فإنهما يشتركان في مأساة الفقر المدقع والاضطرابات السياسية. يبلغ الدخل القومي لليمن حاليًا حوالي 19.1 مليار دولار سنويًا، في حين لا يتجاوز الدخل القومي للصومال بشطريه 15.45 مليار دولار، ما يعكس حجم المعاناة الاقتصادية التي تواجه الشعبين. وعلى صعيد التركيبة السكانية، نجد أن الجَنُوب اليمني، الذي يبلغ تعداد سكانه نحو ستة ملايين نسمة وعاصمته عدن، توحد مع الشمال الذي كان يضم حوالي عشرين مليون نسمة في عام 1990. لكن هذه الوحدة، كما هو الحال مع الصومال، لم تصمد طويلًا أمام تحديات الإرث الاستعماري، والانقسامات القبلية، وصراعات النخب السياسية على السلطة والثروة. منذ عام 1994، بدأت محاولات مدعومة من الإمارات لفصل الجَنُوب عن الشمال، في سيناريو يبدو مشابهًا لدور إثيوبيا في دعم الانفصال الصومالي عام 1991. واليوم، نجد قُوَى جنوبية تسعى لإقامة "دولة الجَنُوب العربي"، متماهية مع مشاريع خارجية تهدف إلى تفتيت اليمن، في تكرار لنهج جمهورية أرض الصومال.
ومع كل هذه التشابهات، يبرز اختلاف جوهري لا يمكن تجاهله. فقد حرص الانفصاليون في أرض الصومال على التشبث بهويتهم الصومالية، فأطلقوا على كيانهم اسم "جمهورية أرض الصومال"، في إشارة إلى ارتباطهم الجغرافي والتاريخي بالصومال الكبير. أما في الحالة اليمنية، فإن القُوَى الساعية للانفصال، بدعم مباشر من الإمارات وغير مباشر من إسرائيل، تخلت عن هويتها اليمنية، متبنية مشروع "دولة الجَنُوب العربي"، في محاولة لطمس الهُوِيَّة الوطنية اليمنية واستبدالها بمشروع إقليمي ضيق يخدم أجندات خارجية تسعى إلى تقسيم اليمن وإضعافه. السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يمكن أن يكون النموذج الصومالي، بكل ما يحمله من تعقيدات وأزمات، مصدر إلهام للجنوب اليمني؟ وهل يمكننا القبول بتحويل أرضنا إلى ساحة نفوذ للقوى الخارجية، كما حدث مع جمهورية أرض الصومال؟ الإجابة على هذا السؤال تقع على عاتق الشعب اليمني، فهو وحده صاحب القرار في تحديد مصيره. ومع ذلك، فإنني أؤمن بأن الحفاظ على الوحدة اليمنية، رُغم كل التحديات، هو الخِيار الوحيد الذي يضمن كرامة الشعب اليمني واستقلاله. فالانفصال لا يحمل معه حلولًا للمظالم بقدر ما يعمّق الانقسامات ويخدم مصالح القُوَى التخريبية المحلية والإقليمية. إن معالجة المظالم التاريخية التي أثقلت كاهل اليمنيين لا يمكن أن تتم عبر الانفصال، بل من خلال بناء دولة حديثة ومستقلة، تقوم على مبادئ العدالة وسيادة القانون والتنمية الشاملة، بعيدًا عن الهيمنة الإقليمية أو الطائفية. أما السير على خطى جمهورية أرض الصومال، فلن يكون سوى استسلام لرغبات القُوَى الخارجية، في مقدمتها الإمارات وإسرائيل، اللتين تسعيان إلى تمزيق النسيج الوطني اليمني.
والسؤال الذي يظل مطروحًا على الجميع: هل ترون في جمهورية أرض الصومال نموذجًا يُحتذى به في الجَنُوب اليمني؟ وهل يمكن أن يمر طريق المستقبل عبر تل أبيب، كما يأمل بعض دعاة الانفصال؟
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قبيل جولة جنيف.. الخارجية الإيرانية: واشنطن باتت -أكثر واقعي
...
-
-هجوم متعمد-.. الرئيس الأذربيجاني يتهم موسكو باستهداف سفارة
...
-
حزب الله يدعو لوقف مسار -حصر السلاح-.. والجيش اللبناني يعرض
...
-
نظام ترامب العالمي الجديد أصبح واقعاً… وعلى أوروبا أن تتأقلم
...
-
سبعون منظمة غير حكومية تندد بمشروع إصلاح قوانين الهجرة المعر
...
-
بشر بلا أسماء ومنازل تشبه الأقفاص.. شارع الشهداء بالخليل نمو
...
-
نهاية درامية لجاك لانغ.. مداهمة أمنية لحفل وداعه بمعهد العال
...
-
قتيلان في غارتين إسرائيليتين على بلدتي حانين وطلوسة جنوب لبن
...
-
بين هرمز وجنيف.. مناورات الحرس الثوري تستبق محادثات إيران وأ
...
-
أسرة عمران خان تطالب بزيارته بعد تقارير عن تدهور صحته بالسجن
...
المزيد.....
-
واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!!
/ محمد الحنفي
-
احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية
/ منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
-
محنة اليسار البحريني
/ حميد خنجي
-
شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال
...
/ فاضل الحليبي
-
الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟
/ فؤاد الصلاحي
-
مراجعات في أزمة اليسار في البحرين
/ كمال الذيب
-
اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟
/ فؤاد الصلاحي
-
الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية
/ خليل بوهزّاع
-
إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1)
/ حمزه القزاز
-
أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم
/ محمد النعماني
المزيد.....
|