أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - منذر علي - تفكيك خطاب الإخضاع في الصفقة الأمريكية مع إيران!














المزيد.....

تفكيك خطاب الإخضاع في الصفقة الأمريكية مع إيران!


منذر علي

الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 13:21
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


صرّح نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، بأنَّ "الصفقة مع إيران ستتضمن دمج شعبها في الاقتصاد العالمي، مقابل التخلي عن البرنامج النووي ودعم الإرهاب". هذه جملة قصيرة، لكنها محمّلة بقاموسٍ سياسي مألوف: ألفاظ تبدو "محايدة" مثل "الاقتصاد العالمي"، وأخرى تُستخدم كسلاحٍ لغوي مثل "الإرهاب". وحين نقرأها كما تُقرأ خطابات القوة عادةً، يتضح أنها ليست عرضًا متكافئًا بين طرفين، بل تحديدٌ لشروط الانضمام إلى نظامٍ دولي تُعرّف قواعده واشنطن وحلفاؤها.

فـ"الدمج في الاقتصاد العالمي" لا يعني، في التطبيق المعتاد، إدخال شعبٍ ما إلى فضاء رخاء متبادل، بل إدخاله إلى بنية تبعية: فتح الأسواق بشروطٍ غير متوازنة، إعادة توجيه الموارد، وتكييف القرار الاقتصادي والسياسي ليتوافق مع مصالح المراكز الإمبريالية المهيمنة. وهو دمجٌ يُراد له أن يقطع صلات إيران بمحاور دولية منافسة، روسيا والصين، ومعها دولٌ تسعى لاستقلال نسبي في قرارها مثل كوبا والبرازيل، بحيث يصبح "الاندماج" اسمًا آخر لإعادة التموضع داخل المدار الأمريكي.

ومن المفيد الانتباه إلى أنَّ هذا النوع من "الاندماج" لا يُقاس عادةً بما يتحسن في حياة الناس العاديين، الأجور، التعليم، الصحة، قدرة الدولة على التخطيط، بل بما يُفتح من قطاعات أمام رأس المال العابر للحدود، وبما يُرفع من قيود عن حركة الأموال والصفقات. في هذه اللحظة تتحول مفردة "الشعب" في الخطاب إلى واجهة أخلاقية، بينما تُدار العملية فعليًا بوصفها إعادة ترتيب لموازين الملكية الرأسمالية والامتيازات.

أما " التخلي عن البرنامج النووي" فيُقدَّم بوصفه مطلبًا أخلاقيًا أو أمنيًا عامًا، لكنه يُطرح انتقائيًا: يُطلب من دولٍ بعينها أن تتجرد من أدوات الردع، في وقتٍ تُستثنى فيه قوى حليفة من أي مساءلة فعلية، ويُترك ميزان القوة الإقليمي مختلًا على نحوٍ دائم. في مثل هذا الترتيب لا تكون الغاية منع الانتشار بقدر ما هي تثبيت احتكار القوة في يد طرفٍ واحد، ثم تحويل " الأمن" إلى امتياز سياسي يمنح ويُسحب. والنتيجة المتوقعة، تاريخيًا، هي خلق وضعٍ يُراد له أن يبقى غير متوازن: طرفٌ يُطلب منه أن يثق بالضمانات، وطرفٌ آخر يحتفظ بكل أدوات الفرض والإكراه، ثم يُقدَّم ذلك بوصفه " استقرارًا". وهذه ليست مجرد مسألة تقنية تتعلق بالتخصيب أو الرقابة، بل مسألة سيادة: من يملك حق امتلاك عناصر الردع، ومن يُمنع منها، ومن يقرر حدود المسموح والممنوع.

ويبقى التعبير الأكثر حمولة: " دعم الإرهاب". في الخطاب الأمريكي الرسمي، هذا المصطلح لا يعمل كتعريفٍ قانوني ثابت، بل كوسمٍ سياسي مرن: تُلصق التهمة بمن يقاوم أو يمانع أو يخرج عن حدود الدور المرسوم له، بينما تُعاد تسمية ممارسات الحلفاء، مهما بلغت قسوتها، بمصطلحات من نوع " الدفاع عن النفس" أو "حفظ الاستقرار". وبهذه الآلية، تصبح الصفقة المقترحة مطالبةً لإيران بأن تعيد تعريف علاقاتها الإقليمية وفق منظور واشنطن: تقليم نفوذها، تفكيك شبكات دعمها، وتحويلها من فاعلٍ يزعج المعادلة إلى شريكٍ يضمن استمرارها. ومن هنا تُفهم وظيفة هذا المصطلح: إنه لا يحدد سلوكًا بعينه بقدر ما يحدد هوية من يُسمح له بالعمل السياسي ومن يُمنع، ومن له حق استخدام القوة ومن تُجرَّم قوته سلفًا. وبقدر ما يُستخدم " الإرهاب" بهذا المعنى، يصبح جزءًا من إدارة المجال السياسي لا من توصيفه.

وإذا جمعنا العناصر الثلاثة، لاندماج الاقتصادي بالشروط المفروضة، نزع عناصر الردع، وإعادة توصيف الخصوم تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، تظهر صورة الصفقة كما يتبدّى لمن يقرأ الخطاب الأمريكي بوصفه أداة لإدارة الهيمنة لا بوصفه توصيفًا محايدًا للواقع:إدخال إيران إلى منظومةٍ تُدار من الخارج، وتوجيه اقتصادها وقرارها الاستراتيجي بما يحقق هدفين متلازمين: تثبيت الهيمنة الأمريكية، وتوسيع هامش الحركة لإسرائيل في الإقليم على حساب قوى المقاومة والتحرر، وصولًا إلى إعادة ترتيب المنطقة بحيث تُدار صراعاتها وحدودها وممراتها الحيوية وفق مصالح التحالف الأمريكي–الإسرائيلي. ومن زاويةٍ أوسع، يمكن النظر إلى الصفقة بوصفها حلقة في سلسلة آليات: مرةً تُطرح العقوبات، ثم تُطرح المفاوضات، ثم تُطرح "الفرصة التاريخية"، لكن مع شرطٍ ثابت يتكرر: أن تُعاد صياغة الدولة المعنية بحيث تصبح قابلة للتوقع من منظور واشنطن، أي أقل استقلالًا في قرارها الخارجي، وأكثر قابلية لربط اقتصادها بمراكز التمويل والتجارة التي تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها قدرةً كبيرة على التأثير فيها.

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: ما الذي ستربحه إيران من "الدمج"؟ بل: أي نوع من "الاندماج" يُعرض عليها؟ اندماجُ شراكةٍ متكافئة، أم اندماجُ تبعيةٍ تُقدَّم في خطابٍ لامع ثم تُستثمر لإعادة تشكيل بلدٍ كامل، سياسةً واقتصادًا وتموضعًا، داخل مسرحٍ صُممت أدواره مسبقًا؟
والسؤال المتفرع عن ذلك: من الذي يملك حق تعريف "العالم" في عبارة "الاقتصاد العالمي"؟ هل هو مجموع الدول والشعوب على قدم المساواة، أم منظومة مؤسسات وأسواق تملك القوى الكبرى فيها وزنًا حاسمًا؟ حين يتضح هذا، يمكن فهم أن "الصفقة" ليست مجرد تبادل: تنازلات نووية مقابل مكاسب اقتصادية، بل مقايضة أوسع: اعترافٌ ضمني بقواعد اللعبة كما تضعها القوة المهيمنة، مقابل تخفيفٍ مرحلي لأدوات الضغط.



#منذر_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأنظمة العربية في قبضة الإمبريالية والصهيونية!
- نماذج من ردود الأفعال تجاه العدوان الإمبريالي والصهيوني على ...
- تُرى كيف ستتصرف الإمارات، فاحشة الثراء، لو كانت أكبر حجمًا؟
- هل جمهورية أرض الصومال نموذج للجنوب اليمني أم فخ جديد؟
- انتفاضة فبراير ومآلات سوء التقدير السياسي في اليمن!
- الانفصال يخدم أقلية محلية وقوى إقليمية وصهيونية، لا اليمن!
- الإمبريالية تحبّ الشعوب بطريقتها الخاصة!
- أيها اليمنيون، لا تكونوا أدوات لأعدائكم!
- التحرّر من الاحتلال الخليجي مدخلٌ إلى التحرّر من سلطة الحوثي ...
- الصفقة بين التاجر الأميركي والسياسي السعودي في زمن الانحطاط ...
- المثقف العربي المأجور واليهودي الحر: قراءة في خطاب الخيانة و ...
- انتصار الإنسان في قلب الرأسمالية: قراءة في تجرِبة زهران ممدا ...
- الإمارات: دولة الحرب الوظيفية في خدمة الصهيونية والإمبريالية ...
- مؤتمر ترامب للسلام في شرم الشيخ هندسة ماكرة لصراع جديد!
- دونالد ترامب وصناعة الخراب: قراءة في أخلاق القوة والتواطؤ!
- رسالة مفتوحة إلى الأخ عبد الملك الحوثي: نداء للتبصر والمسؤول ...
- رسالة مفتوحة إلى مجلس القيادة الرئاسي اليمني: نداء للتبصر وا ...
- الاعتراف البريطاني بفلسطين: خطوة صائبة لكنها غير كافية!
- قمة الدوحة بين الجدية العربية والعبثية العبرية!
- الصهاينة في عدن: مشهد عبثي في مهد الثورة التحررية!


المزيد.....




- أول تعليق من إيران على اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان
- ترامب يعلن وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.. مراسل CNN ين ...
- الجيش اللبناني يتهم إسرائيل بانتهاك وقف إطلاق النار
- شاهد.. احتفالات في لبنان مع دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل ...
- الرئيس الكوبي يقول إن بلاده تستعد لهجوم أمريكي محتمل ويحذر م ...
- تجارب مبكرة لتعديل الجينات قد تقود لعلاج متلازمة داون
- بريطانيا تتحسب لنقص في المواد الغذائية باستمرار إغلاق مضيق ه ...
- من هرمز إلى تايوان.. شرايين العالم على وشك الاختناق
- بين الولاء والطموح.. فانس في سباق مبكر لوراثة ترمب
- -إيران لا تزال قادرة على تهديدنا وحلفائنا-.. مسؤول عسكري أمر ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - منذر علي - تفكيك خطاب الإخضاع في الصفقة الأمريكية مع إيران!