أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - منذر علي - انتفاضة فبراير ومآلات سوء التقدير السياسي في اليمن!















المزيد.....

انتفاضة فبراير ومآلات سوء التقدير السياسي في اليمن!


منذر علي

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 18:42
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    


لم يكن انهيار النظام السياسي في اليمن عشية 11 فبراير 2011 حادثةً معزولة ظهرت بغتة، بل خاتمةً منطقية لمسارٍ طويل تآكلت فيه القدرة على فرض القانون وتدبير الاقتصاد ورعاية الحد الأدنى من المصلحة العامة، حتى غدت الدولة عاجزة عن وظائفها الأساسية.
كانت الدلائل جلية لمن أراد أن يفهم: اقتصادٌ يضعف مع كل أزمة جديدة، وفقرٌ وبطالةٌ يتسعان لأن الدولة لا تملك خُطَّة عامة تُحاسَب عليها بالأرقام والنتائج، وتمرداتٌ قبلية وسياسية في مأرب وصعدة، واضطرابٌ ينتشر في محافظات الوسط والجنوب والشرق، بالتوازي مع صراعٍ يتصاعد داخل مركز الحكم في صنعاء. وعندما تجتمع هذه العناصر، لا تعود "الأزمة" حدثًا مفاجئًا؛ المفاجأة الحقيقية أن تتأخر لحظة الانهيار.

غير أن ضعف النظام القائم لا يعني بالضرورة قوة البديل. وهنا تظهر مفارقة الثورة اليمنية: إذ كانت المعارضة الحزبية، الممثلة في أحزاب "اللقاء المشترك"، تجمع أطرافًا متباعدة في المرجعيات والمصالح: الإصلاح، والاشتراكي، والناصري، والبعث، واتحاد القُوَى الشعبية، وحزب الحق، لكن هذا الاتساع لم يكن علامة نضج سياسي بقدر ما كان دليلًا على عجزٍ عن إنتاج تصور جامع. فالتعدد قد يكون ثراءً حين تقوم وراءه فكرة مشتركة عن الدولة والقانون والحقوق، لكنه يصبح ازدحامًا حين لا يجمعه سوى رفض الحاكم القائم. والأسوأ أن هذه الأحزاب حملت، في بنيتها الداخلية، نزعةً سلطوية تُضعف قدرتها على التعلّم من أخطاء النظام الذي تعارضه؛ فكيف تُبني ديمقراطية بأدوات لا تمارسها داخلها؟

حين اندفع الشباب، تحت ضغط الأزمات الداخلية وبوحي من الثورة التونسية والمصرية، إلى الساحات بحماسٍ مفهوم وأحلامٍ مشروعة في عدالةٍ ومواطنةٍ وكرامة، لم يدخلوا فراغًا سياسيًا، بل وجدوا أنفسهم محاطين بقوى انشقت عن النظام من قبائل وعسكر وساسة، وإلى جانبها تشكيلات مسلحة ذات صبغة طائفية وقبلية. وهذه القُوَى لم تتوحد حول مشروع دولة، بل تلازمت وتنازعت في آنٍ معًا، لأنها حملت مصالح متعارضة وطموحات ضيقة. وهكذا تحولت الانتفاضة، بدرجات متفاوتة، من فعلٍ شعبي يطلب إصلاح القواعد إلى ساحة تنافس على الغنيمة السياسية. لا شيء يُفسد الثورة أسرع من أن تُدار بعقلية" الورثة"، حيث يُعامل الوطن بوصفه تركة، ويُعامل الشعب بوصفه جمهورًا للتصفيق أو وقودًا للمساومة.

إن هدم نظامٍ سياسي دون تصور واضح لما ينبغي أن يقوم بعده ليس شجاعة، بل مقامرة. كان اليمن، بسبب ضعف مؤسساته الحديثة وتغلغل الولاءات القبلية والطائفية في أجهزة الدولة والمجتمع، أقل قدرة من غيره على احتمال هذه المقامرة. وبين عامي 2011 و2012 ظهرت نتيجة ذلك جلية. إذْ جرى تفكيك القديم دون أن يتشكل عقدٌ وطني يجمع المختلفين على قواعد لُعْبَة سياسية واضحة، فشعر كثير من الناس أن تضحيات الشباب استُهلكت في سوق الصفقات، لا في بناء دولة. ومن هذه الفجوة خرجت سلطة انتقالية بين 2012 و2014، ضعيفة في أصلها لأنها كانت انعكاسًا لتشظي القوى التي صنعتها. بدت السلطة كترتيبٍ مؤقت لتقاسم النفوذ أكثر من كونها مشروعًا لتأسيس شرعية جديدة. وفي مثل هذه الأوضاع، يصبح الزمن عدوًا: فكل يوم يمر بلا إصلاح مؤسسي حقيقي هو يوم تُراكم فيه القُوَى المتصارعة أدواتها، وتُعمّق فيه الشكوك، وتُفرغ فيه فكرة" الانتقال السياسي" من معناها.

أما" مؤتمر الحِوار الوطني"، الذي كان يمكن أن يكون فرصة عقلانية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي، فقد جاء مثقلًا بتأثيرات خارجية وبحسابات داخلية جعلت مخرجاته أقرب إلى تسويةٍ لفظية منها إلى تأسيسٍ دستوري متين. لم يُبنَ إطارٌ واضح لدولة حديثة تُقاس فيها السلطة بالقانون وتُضبط فيها القوة بالمؤسسات، بل عادت الانقسامات الجهوية والطائفية لتجد طريقها إلى النصوص والخرائط، وكأن المشكلة تُحلّ بتغيير أسماء الأزمات لا بتغيير بنيتها.

والأهم من ذلك أن المشروع السياسي الذي تشكل في تلك المرحلة بدا، في جوهره، منفصلًا عن جذور اليمن الوطنية الحديثة. لم يأتِ امتدادًا طبيعيًا لمسارات بناء الدولة بعد 1918 في الشمال، ولا بعد 1967 في الجَنُوب، ولا استكمالًا واعيًا لوحدة 1990 بوصفها مشروع مواطنة لا مجرد دمج إداري. كما أنه لم يستوعب على نحو عملي مبادئ الدولة الحديثة التي تتحدث عن فصل السلطات، وعن العقد الاجتماعي، وعن احتكار الدولة للعنف المشروع وفق قواعد القانون. لقد غلبت الهندسة السياسية التي تتعامل مع المجتمع ككتلٍ تُقسّم وتُدار، بدل أن تُعامل المواطنين بصفتهم أفرادًا متساوين في الحقوق والواجبات.

في هذا السياق ظهر مشروع" الأقاليم الفيدرالية" باعتباره حلًا تنظيميًا، لكنه كان يحمل قابلية عالية لإعادة إنتاج التفكك. فالقول بإضعاف" المركز المقدس" في صنعاء قد يبدو جذابًا لمن عانى من الاستبداد المركزي، غير أن تفتيت السلطة دون بناء مؤسسات جامعة قد يقود إلى مراكز متعددة أشد قسوة وأقل خضوعًا للمساءلة؛ مراكز صغيرة تقدس نفسها، وتستمد حمايتها من الخارج، وتعيش على خوف الداخل. وحين تصبح كل منطقة قابلة لأن تُدار بعلاقاتها الخاصة مع قُوَى إقليمية ودولية، فإن" اللامركزية" تتحول من وسيلة تحسين للحكم إلى وسيلة لإدامة الارتهان.
لم يكتمل هذا المسار. ففي 21 سبتمبر 2014 سقطت السلطة الانتقالية على يد جماعات طائفية مدعومة من إيران، قبل تطبيق نظام الأقاليم. وقد استفادت هذه الجماعات من هشاشة الدولة ومن تناقضات خصومها، وتحالفت مع بقايا النظام السابق نكايةً بخصومٍ آخرين، فكانت النتيجة قيام نظام جديد يقوم على عصبية سلالية وطائفية، أكثر رجعية من سابقه، لأن الاستبداد حين يلبس لباس" الحق المقدس" يصير أقل قابلية للتفاوض وأشد ميلًا للعنف.

وفي الجهة الأخرى، ردّت القوى التي أدارت المرحلة الانتقالية باستدعاء تدخل خارجي خليجي تقوده السُّعُودية والإمارات، وبموافقة أمريكية وغربية. شُنت حرب تحت شعار" استعادة الشرعية"، لكن الحرب لم تُعد الشرعية، بل فتحت الباب لسيطرة سياسية واقتصادية وعسكرية على أجزاء من البلاد. تمدد النفوذ على المواني والجزر، ونشأت تشكيلات محلية مسلحة مرتبطة بجهات خارجية، في الوقت الذي كانت فيه المجاعة والمرض والانهيار الخدمي تلتهم حياة الناس. وهكذا صار اليمنيون بين سلطتين تتنازعان البلاد: سلطة أمر واقع، داخلي، تبرر القمع بالأيديولوجيا، وسلطة نفوذ خارجي تبرر التدخل بشعار الدفاع عن الشرعية، في حين تذبل الدولة بوصفها مؤسسة سيادية.

حتى حين أُجبرت الإمارات، عقب أحداث حضرموت في يناير الماضي، على إخلاء مواقع ذات قيمة استراتيجية مثل ميون وسقطرى، وعلى التراجع عن مواضع نفوذ في شبوة وحضرموت، فإن ما جرى لم يكن انسحابًا بالمعنى السياسي الدقيق. لقد كان أقرب إلى تبديلٍ في طريقة الحضور: انتقالٌ من وجودٍ مباشر ظاهر إلى نفوذٍ غير مباشر يعمل عبر أدوات محلية، ويستند إلى شبكة إسناد خارج الحدود، مستفيدًا من تمركزها العسكري في “جمهورية أرض الصومال”، ومن تنسيقها الوثيق مع إسرائيل وقوى دولية أخرى. وتحت لافتة “مكافحة الإرهاب” يُعاد تعريف التدخل بوصفه ضرورة أمنية، بينما تُفضي نتائجه عمليًا إلى تعميق الانقسام وإضعاف مقومات الاستقرار في اليمن، على نحوٍ يذكّر بمسارات مشابهة في السودان وليبيَا.

الخلاصة القاسية هي أن هدف القُوَى الإقليمية والدولية لم يكن بناء الاستقرار في اليمن على نحوٍ يجعل اليمنيين سادة قرارهم، بل جعل اليمن قابلًا للتقسيم أو قابلًا للإدارة بواسطة نخبٍ محلية تعتمد على الخارج في المال والسلاح والغطاء السياسي، وبذلك تُدار السيادة باعتبارها بندًا تفاوضيًا لا حقًا ثابتًا.
اليوم نرى وطنًا ممزقًا، وشعبًا منهكًا بالحرب والجوع، وقرارًا وطنيًا مرتهنًا، وهذا ليس قدرًا غامضًا نزل من السماء، بل نتيجة نمط متكرر من الحماقة السياسية: إسقاط نظامٍ بلا بديل مؤسسي، وتوسيع الصراع بدل تضييقه، ثم استدعاء الخارج كي يحل مشكلة صنعها الداخل، فينتهي الأمر بأن يصبح الخارج جزءًا من المشكلة.

ومع ذلك، لا يبقى أمام اليمن خيارٌ معقول سوى إعادة بناء الوعي العام الذي يميز بين الدولة والغنيمة، وبين السياسة بوصفها خدمة عامة والسياسة بوصفها تجارة. لا نهضة من غير مشروع وطني يردّ الاعتبار للمواطنة فوق القبيلة والطائفة، ويعيد بناء المؤسسات على قواعد القانون والمساءلة، ويضع السلاح تحت سلطة الدولة لا تحت سلطة الجماعات القبلية والطائفية. والتاريخ، وإن كان لا “يغفر” بالمعنى الأخلاقي السهل، فإنه يسجل بلا رحمة من جعل نفسه أداة، ومن باع القرار، ومن قدّم مصلحته الضيقة على مصلحة وطنه.



#منذر_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانفصال يخدم أقلية محلية وقوى إقليمية وصهيونية، لا اليمن!
- الإمبريالية تحبّ الشعوب بطريقتها الخاصة!
- أيها اليمنيون، لا تكونوا أدوات لأعدائكم!
- التحرّر من الاحتلال الخليجي مدخلٌ إلى التحرّر من سلطة الحوثي ...
- الصفقة بين التاجر الأميركي والسياسي السعودي في زمن الانحطاط ...
- المثقف العربي المأجور واليهودي الحر: قراءة في خطاب الخيانة و ...
- انتصار الإنسان في قلب الرأسمالية: قراءة في تجرِبة زهران ممدا ...
- الإمارات: دولة الحرب الوظيفية في خدمة الصهيونية والإمبريالية ...
- مؤتمر ترامب للسلام في شرم الشيخ هندسة ماكرة لصراع جديد!
- دونالد ترامب وصناعة الخراب: قراءة في أخلاق القوة والتواطؤ!
- رسالة مفتوحة إلى الأخ عبد الملك الحوثي: نداء للتبصر والمسؤول ...
- رسالة مفتوحة إلى مجلس القيادة الرئاسي اليمني: نداء للتبصر وا ...
- الاعتراف البريطاني بفلسطين: خطوة صائبة لكنها غير كافية!
- قمة الدوحة بين الجدية العربية والعبثية العبرية!
- الصهاينة في عدن: مشهد عبثي في مهد الثورة التحررية!
- العدوان الصهيوني على الدوحة وصنعاء وازدواجية الموقف العربي!
- التافهون الخونة لهم صرختاهم البغيضة أيضًا!
- اليمن في مرمى المشروع الصهيوني!
- هل يجوز نزع سلاح المقاومة اللبنانية؟
- رِهان الحكام العرب على سراب الصهيونية!


المزيد.....




- مسؤول أمريكي لـCNN: مسيّرات لكارتل مخدرات مكسيكي اخترقت أجوا ...
- العراق يعرب عن تحفظه على تصريحات منسوبة لوزير الخارجية الترك ...
- مسؤول أمريكي: نتنياهو يصل إلى البيت الأبيض للقاء ترامب
- السلطات الأمريكية تواصل تحقيقاتها لكشف لغز -اختطاف- نانسي غو ...
- إسرائيل تشحذ درعها ضد الباليستي الإيراني.. -مقلاع داود- تحت ...
- 60 ألف بندقية ونصف شبكة أنفاق.. كيف ستتعامل الخطة الأميركية ...
- جمال كريمي بنشقرون عضو المكتب السياسي يكشف عيوب مشروع قانون ...
- ترامب يستقبل نتانياهو وسط ضغوط لتشديد الموقف الأمريكي تجاه إ ...
- عباس يدعو واشنطن لاتخاذ -موقف حازم- من الإجراءات الإسرائيلية ...
- استئناف الحركة الجوية غربي تكساس بعد قرار إغلاق -لأسباب أمني ...


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - منذر علي - انتفاضة فبراير ومآلات سوء التقدير السياسي في اليمن!