أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - منذر علي - مَا السَّبِيلُ لِخَلَاصِ اليَمَنِ العَلِيل؟















المزيد.....

مَا السَّبِيلُ لِخَلَاصِ اليَمَنِ العَلِيل؟


منذر علي

الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 18:37
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    


ليس السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل اليمنيين اليوم: من سينتصر في الحرب الضَّرُوسِ الطَّائِرِ شَرَرُهَا ؟، بل كيف سينجو اليمن نفسه؟ فالأوطان قد تهزمها الانقسامات الداخلية قبل أن تهزمها الجيوش الخارجية، وقد تسقط حين تعجز نخبها عن التمييز بين المصلحة الوطنية والمصلحة الفئوية، وبين السياسة بوصفها فنًا لبناء المستقبل، والسياسة بوصفها، وسيلة للغنيمة، والانتقام.
إن ما يعيشه اليمن ليس أزمة عابرة، بل كارثة تاريخية مركبة، تشابكت فيها أخطاء القوى السياسية الداخلية مع أطماع القوى الخارجية، حتى أصبح الوطن ساحة تتصارع فوقها المشاريع الإقليمية، بينما يدفع الشعب اليمني وحده ثمن هذا الصراع.
ولهذا، فإن الواجب الوطني يقتضي أن نفكر بعقل هادئ، وأن نتحرر من الانفعالات والشعارات، وأن ننظر إلى اليمن باعتباره وطنًا واحدًا يتسع لجميع أبنائه، لا مجرد مساحة تتقاسمها الجماعات المتنافسة.
ومن هنا، فإن أول ما ينبغي تجاوزه هو الانشغال بالصراعات القبلية والطائفية والجهوية. فهذه الانقسامات ليست أصل المشكلة، بل هي أعراض لبنية تاريخية متخلفة، لا تزول بالخطب والشعارات، ولا تُمحى بقرارات إدارية أو أمنية، وإنما تتراجع تدريجيًا عندما تتغير الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنتجها وتعيد إنتاجها.
كما ينبغي أن نتجاوز النظرة الضيقة التي تختزل السياسة في تحقيق منفعة شخصية، أو في البحث عن وظيفة، أو امتياز عابر، أو مكافأة مالية، مظروف مالي أو ما بات يُعرف في وسائل التواصل الاجتماعي بـ "البناكس". فالسياسة ليست تجارة، وليست لعبة يتسلى بها الطامعون والانتهازيون، وإنما مسؤولية أخلاقية تتعلق بمصير الملايين.
إنَّ الصورة الحقيقية لليمن أشد قسوة مما تبدو عليه في تفاصيلها اليومية. فهذا البلد يضم عشرات الملايين من البشر، يعيش معظمهم تحت وطأة الفقر والخوف والحرمان، بينما تتحكم بمصيرهم أقلية سياسية واقتصادية ارتبطت، بدرجات متفاوتة، بمراكز النفوذ الخارجية، وجعلت من الولاءات الإقليمية بديلًا عن الولاء للوطن.
ومن أخطر الأوهام التي ينبغي التخلص منها الاعتقاد بأن القوى الخارجية المتنافسة على اليمن تسعى إلى إنقاذه لوجه مصلحة اليمنيين. فالدول، في السياسة، تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية قبل أي اعتبار آخر. ومن الخطأ انتظار أنْ تعيد القوى الخارجية بناء الجمهورية، أو ترسخ الديمقراطية، أو تحافظ على وحدة اليمن، أو تضع حدًا لمعاناة شعبه إذا تعارض ذلك مع حساباتها ومصالحها.
ولهذا، فإن إنقاذ اليمن لن يأتي من الخارج، بل من قدرة اليمنيين أنفسهم على استعادة إرادتهم الوطنية، وبناء مشروع سياسي جامع يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الفئوية والمحاور الإقليمية.
غير أن هذا المشروع لن يولد بمجرد الأمنيات، بل يحتاج إلى شروط تاريخية وسياسية واضحة، يمكن إجمالها في المبادئ الآتية:
أولًا: إنهاء الحرب واستعادة القرار الوطني
لا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل حرب مفتوحة. فوقف الحرب ليس مجرد ضرورة إنسانية، بل هو الشرط الأول لاستعادة القرار الوطني، وإنهاء تحويل اليمن إلى ساحة صراع بالوكالة. ولا بد أن يقود السلام إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على سيادة الدولة واستقلالها عن جميع مراكز النفوذ الخارجية.
ثانيًا: بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون
إن الدولة ليست ملكًا لحاكم، ولا لجماعة، ولا لحزب، بل هي مؤسسة قانونية تعلو على الجميع. ولا يمكن حماية السيادة الوطنية إلا بقضاء مستقل، وفصل حقيقي بين السلطات، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، وأجهزة أمنية وعسكرية تنتمي إلى الوطن وحده، لا إلى أي فئة أو قوة خارجية.
ثالثًا: تحرير الدين من الصراع السياسي
لقد دفع اليمن ثمنًا باهظًا لتحويل الدين إلى أداة تعبئة سياسية وإقليمية. والمطلوب ليس إقصاء الدين عن الحياة العامة، بل تحريره من التوظيف السياسي، ليعود مصدرًا للقيم الأخلاقية والتسامح، لا وسيلة لتبرير الحروب والانقسامات.
رابعًا: إصلاح التعليم وبناء العقل النقدي
لا توجد سيادة حقيقية بلا إنسان قادر على التفكير الحر. فالتعليم الذي يقوم على الحفظ والتلقين يعيد إنتاج التبعية، أما التعليم الذي ينمي العقل النقدي ويغرس قيم العلم والإبداع فهو الذي يصنع المواطن القادر على حماية استقلال وطنه.
خامسًا: تحقيق العدالة الاجتماعية
إن الفقر والبطالة والتهميش ليست مجرد مشكلات اقتصادية، بل هي منافذ تنفذ منها التدخلات الخارجية. ولذلك فإن مكافحة الفساد، والتوزيع العادل للثروة، وتكافؤ الفرص، ليست مطالب اجتماعية فحسب، بل هي متطلبات أساسية لحماية الأمن الوطني.
سادسًا: بناء اقتصاد منتج ومستقل
لا استقلال سياسيًا لاقتصاد يعيش على المعونات والريع والتحويلات المشروطة. ولن يمتلك اليمن قراره الحر إلا إذا أعاد بناء اقتصاده على الإنتاج، من خلال تطوير الزراعة، وتشجيع الصناعة، واستثمار موانئه وموقعه البحري، وتحويل موارده إلى مصدر قوة وطنية لا إلى وسيلة للارتهان.
سابعًا: احتكار الدولة للسلاح
لا يمكن لدولتين أن تتعايشا داخل وطن واحد، ولا لسلطات متعددة أن تنتج سيادة وطنية. ولذلك فإن بناء جيش وطني موحد، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء جميع البنى العسكرية الموازية، يمثل شرطًا لا غنى عنه لاستقرار اليمن واستقلال قراره.
ثامنًا: ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة
حين تضعف الهوية الوطنية، تتقدم الهويات الفرعية، وحين تتقدم الهويات الفرعية، تصبح البلاد أكثر عرضة للتدخل الخارجي. ولهذا فإن اليمن بحاجة إلى مشروع ثقافي وسياسي يعلي من قيمة المواطنة، ويجعل الانتماء إلى اليمن سابقًا على كل انتماء قبلي أو مناطقي أو طائفي.
تاسعًا: تمكين المرأة والشباب
لا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يعطل طاقات نصفه، أو يهمش شبابه. إن مشاركة المرأة والشباب في الحياة العامة ليست مسألة تمثيل شكلي، بل ضرورة لتجديد النخبة السياسية، وإدخال رؤى جديدة أكثر ارتباطًا بالمستقبل من ارتباطها بصراعات الماضي.
عاشرًا: بناء قيادة وطنية ذات رؤية أخلاقية
تبقى القيادة العامل الحاسم في نجاح أي مشروع وطني. فاليمن بحاجة إلى قيادات ترى في السلطة تكليفًا لا غنيمة، وتجعل المصلحة الوطنية فوق كل ولاء آخر، وتؤمن بأن السياسة ليست فن السيطرة، بل فن بناء الدولة وخدمة المجتمع.
عودة على بدء: مَا السَّبِيلُ لِخَلَاصِ اليَمَنِ العَلِيل؟
إن الكارثة اليمنية لن تنتهي بمجرد تغير موازين القوى، ولا بانتصار طرف على آخر، لأن انتصار جماعة لا يعني بالضرورة انتصار الوطن.
إن النهضة الحقيقية تبدأ حين يتحرر اليمن من الحرب، ومن التبعية، ومن الفساد، ومن الاقتصاد الريعي، ومن الانقسامات الضيقة، وحين يستعيد المواطن ثقته بأن الدولة ملك لجميع أبنائها، لا أداة بيد جماعة أو امتدادًا لمشروع خارجي.
فاليمن لن ينهض إلا عندما يتحول من ساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية إلى دولة مستقلة الإرادة، تحكمها المؤسسات، ويجمع أبناءها عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة، والتنمية.
ذلك هو الطريق الأصعب، لكنه الطريق الوحيد الذي يتيح لليمن أن يخرج من محنته، وأن يستعيد مكانه وطنًا حرًا، قادرًا على صناعة مستقبله بيد أبنائه، لا بإرادة الآخرين.



#منذر_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرائم الاغتيال والحرب لا تبرر جريمة أكبر كالانفصال!
- الرئيس اليمني هادي: مكر التاريخ وخذلان المرحلة!
- أيها اليمنيون الأحرار: لا تتركوا الخونة يقررون مستقبلكم!
- تفكيك خطاب الإخضاع في الصفقة الأمريكية مع إيران!
- الأنظمة العربية في قبضة الإمبريالية والصهيونية!
- نماذج من ردود الأفعال تجاه العدوان الإمبريالي والصهيوني على ...
- تُرى كيف ستتصرف الإمارات، فاحشة الثراء، لو كانت أكبر حجمًا؟
- هل جمهورية أرض الصومال نموذج للجنوب اليمني أم فخ جديد؟
- انتفاضة فبراير ومآلات سوء التقدير السياسي في اليمن!
- الانفصال يخدم أقلية محلية وقوى إقليمية وصهيونية، لا اليمن!
- الإمبريالية تحبّ الشعوب بطريقتها الخاصة!
- أيها اليمنيون، لا تكونوا أدوات لأعدائكم!
- التحرّر من الاحتلال الخليجي مدخلٌ إلى التحرّر من سلطة الحوثي ...
- الصفقة بين التاجر الأميركي والسياسي السعودي في زمن الانحطاط ...
- المثقف العربي المأجور واليهودي الحر: قراءة في خطاب الخيانة و ...
- انتصار الإنسان في قلب الرأسمالية: قراءة في تجرِبة زهران ممدا ...
- الإمارات: دولة الحرب الوظيفية في خدمة الصهيونية والإمبريالية ...
- مؤتمر ترامب للسلام في شرم الشيخ هندسة ماكرة لصراع جديد!
- دونالد ترامب وصناعة الخراب: قراءة في أخلاق القوة والتواطؤ!
- رسالة مفتوحة إلى الأخ عبد الملك الحوثي: نداء للتبصر والمسؤول ...


المزيد.....




- لبنان: ارتفاع حصيلة ضحايا غارات إسرائيلية على الجنوب إلى 11 ...
- تطبيق للتحذير من مفتشي التذاكر في وسائل النقل العام في برلين ...
- قتلى وجرحى بقصف إسرائيلي في جنوب لبنان و-حزب الله- يتوعد إسر ...
- إيران تكشف عن احتجاز ثلاثة طيارين في دولة خليجية منذ 6 أشهر ...
- الدفاع الروسية: استمرار ضرب مواقع الطاقة ومراكز المسيّرات في ...
- فيديوهات أشعلت مواقع التواصل.. الأمن المصري يكشف حقيقة واقعة ...
- الولايات المتحدة.. إصابات بإطلاق للنار في جامعة فيرجينيا
- كيم يكرم مقاتلين سوفيت ممن قضوا في الحرب العالمية الثانية قب ...
- زعيم كوريا الشمالية برفقة زوجته وابنته يزور ضريح الثوريين
- لحظة مرعبة لفرار بعض السكان من جحيم زلزال إندونيسيا


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - منذر علي - مَا السَّبِيلُ لِخَلَاصِ اليَمَنِ العَلِيل؟