|
|
الدستور والتهاون القضائي
فاتن نور
الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 08:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
التهاون القضائي في سد الثغرات الدستورية، تقف وراء الانتقائية والأهواء السياسية وما يترتب عليها من منافع شخصية أو حزبية ضيقة لا تخدم البلد. كل ثغرة من ثغرات الدستور ينبغي التعامل معها بحيادية ومهنية صارمة، قادرة على سد نوافذ التأويل حسب الأمزجة، وغلق باب الطعون في قضايا ذات علاقة بمادة الدستور التي تتضمن الثغرة.
قضية تمرير أربعة نواب لرئيس مجلس الوزراء العراقي دفعتني للبحث عن دستورية هذه المحاولة المراد فرضها تكريساً لنظام المحاصصة، وفي مرحلة يشهد فيها البلد عجزاً مالياً يستدعي خفض الإنفاق الحكومي إلى أدنى مستوياته الممكنة، والعمل بمبدأ ترشيد مؤسسات الدولة وإلغاء المناصب والمؤسسات الفائضة، وخصوصاً تلك المستحدثة بعد عام 2003.
مثل تفكيك وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الذي كان من أجل استحداث ثلاثة دواوين كبديل عنها: ديوان الوقف السني، وديوان الوقف الشيعي، وديوان الطوائف الأخرى. وكل ديوان بمثابة وزارة كاملة الدوائر والكوادر، ورئيس ديوانها بدرجة وزير. وفي هذا استنزاف للمال العام من أجل بطالة مقنعة، في الوقت الذي كانت فيه وزارة واحدة تغطي الغرض وبأقل عدد من الكوادر لأداء وظيفتها دون تصنيفات طائفية.
يضطرنا الواقع السياسي الهزيل في العراق إلى الرجوع إلى الوراء قليلاً للوقوف عند قضية مهمة، ولكن بعد طرح هذه الأسئلة التي أجدها ضرورية:
هل سد ثغرة في مادة دستورية بفتح ثغرات أخرى فيها يعد حنكة قضائية أم تهاوناً؟
هل منح صلاحية تنفيذية لرئيس الوزراء لم ينص عليها الدستور صراحة، عبر تأويل ثغرة دستورية من قبل القضاء، يعد عملاً دستورياً؟
هل يصبح حكم السلطة القضائية المستنبط من التأويل قانوناً نافذاً يلغي الحاجة إلى تعديل مادة الدستور المتضمنة للثغرة، ويغلق باب التأويل والطعون مستقبلاً؟
نعود إلى ثاني دورة انتخابية 2014-2010 وقضية الطعن بتنصيب ثلاثة نواب لرئيس الوزراء السيد نوري المالكي آنذاك. وكان الطعن قد قُدم إلى المحكمة الاتحادية العليا من قبل الخبير القانوني الأستاذ إسماعيل علوان التميمي. وأنقل هنا حرفياً ما ذكره التميمي في مقالته المنشورة على موقع الحوار المتمدن بتاريخ 26/02/2011 العدد 3489 حول المادة 139 من الدستور، والتي ما زالت ثغرتها قائمة ولم تغلق بشكل حاسم حتى الآن:
(إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء لكونها مخالفة للدستور، وبالذات لنص المادة 139 التي نصت على: "يكون لرئيس مجلس الوزراء نائبان في الدورة الانتخابية الأولى"، وهذا يعني حسب مفهوم المخالفة أنه ليس لرئيس مجلس الوزراء نواب خلال الدورة الانتخابية الثانية الحالية.)
كما أدرج هنا النص الحرفي للمادة 139 من الدستور العراقي لعام 2005 المتعلق بالأحكام الانتقالية الخاصة بمجلس الوزراء، والمطابق لما ذكره التميمي في مقالته:
(يكون لرئيس مجلس الوزراء نائبان في الدورة الانتخابية الأولى.)
والحقيقة أنني لا أدري كيف تم تمرير مادة حمالة أوجه بهذا الشكل الواضح في الدستور، ويطيب لي أن أسأل فيما إذا كان الأمر ناجماً عن سهو أو عجالة أو قلة خبرة من قبل مؤسسي الدستور، أم أن تمريرها بهذا الشكل المفتوح للتأويل على مصراعيه كان مقصوداً كونه ينسجم مع المحاصصة ويلبي أغراضها في أي مرحلة كانت؟
كيف نفهم المادة 139؟
هل كما فهمها الخبير القانوني التميمي، بوجهين فقط كما هو واضح في النص الحرفي من مقطع مقالته آنفة الذكر، أم كما فسرها القضاء بحكمه الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا العراقية العدد: 24/اتحادية/2011، التاريخ: 16/5/2011؟
في الحقيقة، لم أعثر على نص قرار المحكمة، ولكن في الموقع الرسمي للمحكمة الاتحادية العليا وجدت نصاً يشير إلى فحوى القرار أو مبدأه، وأنقله هنا:
((تعيين ثلاثة نواب لرئيس مجلس الوزراء لا يعد خرقاً دستورياً، لأن دستور جمهورية العراق لعام 2005 ومن خلال نص المادة (139) منه قد قبل بمبدأ وجود نواب لرئيس مجلس الوزراء، ولكنه حدد عددهم باثنين في الدورة الانتخابية الأولى لمجلس النواب العراقي، وبعد تلك الدورة ترك الأمر لتقدير رئيس مجلس الوزراء في تحديد عدد نوابه في الدورات اللاحقة، وحسب ما يتطلبه برنامجه الوزاري، وعلى وفق المهام المنوطة به والصلاحيات المخولة له في المادتين (78) و(80) من الدستور.))
صحيح أن للمحكمة حق تفسير النصوص الدستورية، ولكن التفسير يحتاج إلى أساس دستوري بدوره، والمادتان المذكورتان في فحوى قرار المحكمة لا علاقة لهما بعدد نواب رئيس مجلس الوزراء، وليس فيهما ما يجيز استحداث مناصب دستورية ضمن صلاحياته.
فهذا الانتقال المفاجئ من نص انتقالي يحدد العدد بنائبين في دورة انتخابية معينة إلى منح رئيس مجلس الوزراء سلطة تحديد عدد النواب في الدورات اللاحقة يبدو إضافة تفسيرية تقول ما لم تقله المادة ولا حتى توحي به، وبدون سند دستوري داعم لها.
ربما المنطق العقلاني البسيط، الذي اتبعه دائماً، يضعنا على جادة قاطعة للتأويل، فنص المادة يبدو لي بسيطاً ولا يحتاج إلى عبقرية قانونية لفهمه بشكل صحيح يخدم البلد ولا يهدر المال العام: بما أن المادة تخص مرحلة انتقالية حرجة وتم تحديد نائبين فقط بموجبها، فإن الحد الأقصى لنواب رئيس مجلس الوزراء للمراحل اللاحقة، إذا استدعت الضرورة لنواب، يجب أن لا يتحاوز نائبين.
فنص المادة لا يمنح حق تعيين أكثر من نائبين لما بعد الفترة الانتقالية، كما لا يوجد نص دستوري صريح يمنح رئيس مجلس الوزراء الضوء الأخضر لاستحداث مناصب دستورية لا جدوى حقيقية منها، ومن المعيب أن تصبح هذه المادة رهينة للتحاصص وتمدد الجهاز التنفيذي بشكل مفرط يتضخم معه الإنفاق الحكومي، فقط من أجل إزكاء المحاصصة وإرضاء المتشبثين بها لتحقيق منافع شخصية.
وعن قرار المحكمة الآنف الذكر يمكننا أن نسأل:
هل قرار المحكمة كان قد حسم تأويل المادة بشكل قاطع أم لا؟
هل حسم تمرير ثلاثة نواب في الفترة الانتخابية الثانية وترك التقدير بعدها لصلاحية رئيس مجلس الوزراء لا يفتح باب السؤال والجدال عن أقصى عدد للنواب ممكن لرئيس مجلس الوزراء تعيينهم، وتحت أية شروط وتقديرات وأحكام تتوافق مع الدستور؟
هل مئة نائب مثلاً ممكن تمريرهم تحت هذا السقف المفتوح تأويلاً؟
والسؤال الأهم: كيف انتقلت المحكمة من نص انتقالي حدد وجود نائبين لرئيس مجلس الوزراء في الدورة الانتخابية الأولى إلى قاعدة دستورية دائمة تترك لرئيس الوزراء تحديد عدد نوابه في الدورات اللاحقة، مع ربط ذلك بالمادتين المذكورتين في نص فحوى القرار الآنف الذكر، مع أنهما لا تتحدثان عن نواب رئيس مجلس الوزراء ولا تمنحانه صلاحية استحداث مناصب دستورية؟
وقد وجدت خلال بحثي أن المادة 69 ربما هي الوحيدة التي تتحدث عن نواب رئيس الجمهورية في الدستور وليس نواب رئيس مجلس الوزراء.
ومن خلال متابعتي للشأن العراقي، يبدو أن ثمة رفضاً من رئيس مجلس الوزراء لتعيين أربعة نواب له، وهذا يجعل تعيينهم، إن تم، قفزاً على قرار المحكمة، وضرباً عرض الحائط بما قررته من ترك الأمر لتقدير رئيس الوزراء، بإصرار من لم يُترك الأمر لتقديراتهم على تمريرهم وتمرير أفواجهم وميزانياتهم. نحن هنا نقف وجهاً لوجه أمام مهزلة أخرى تجسدها كوميديا العراق السوداء، حيث يصبح تفسير الدستور خرقاً له. وإلى ساسته وقادته أقول: إلى أين أنتم ماضون بالعراق بهذا المحيط الهائل من التخبط والعبث والطمع بأرذل صوره؟
September 13, 2026
#فاتن_نور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نشيد المرحلة
-
ثالوث الإسلام السياسي
-
مناقل البلوط 2
-
وتصغر في عين الصغير العظائم
-
مساحات 9
-
عندما يحارب الفاسدون الفساد
-
حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور
-
مناقل البلوط
-
جهابذة السوس
-
مساحات 8
-
بلا جوهر
-
مساحات 7
-
وقفة مع مصنع السحاب
-
صنو الكريستال
-
مساحات 6
-
قبعات
-
القناع والظل
-
هستيريا جزيرة إبستين
-
أسوار مفتوحة
-
هجاء
المزيد.....
-
ساندرز يرد على وصف ترامب إياه بـ-حاد الذهن- و-لا يزال مجنونً
...
-
متشبّثًا بمقبض.. مغامر يشقّ سحب مصر على ارتفاع 13 ألف قدم
-
-لا تنتخبوه لأنه مسلم-.. تحليل وضع عبدالرحمن السيد وما يواجه
...
-
خبراء يبينون لـCNN أزمة طاقة -لم يسبق لها مثيل- بظل الحرب عل
...
-
وزير دفاع السعودية يكشف ما بحثه في اتصال مع الأمين العام لـ-
...
-
محطة زابوروجيه النووية تعلن مقتل أحد موظفيها جراء هجوم أوكرا
...
-
البنتاغون يطلب من دول أوروبية تخفيف حدة خطابهم تجاه روسيا
-
صحيفة: أوكرانيا علقت هجماتها على مصافي النفط الروسية تحت ضغط
...
-
نتنياهو: يجب عدم تشكيل حكومة مع قوائم عربية
-
الدفاع الصينية تصف اليابان بالـ-تهديد الحقيقي للأمن الإقليمي
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|