|
|
حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور
فاتن نور
الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 02:48
المحور:
كتابات ساخرة
يستفزني هؤلاء الذين يستهجنون الحرق بالتنور، لكنه نوع من الاستفزاز المثير لشغف الكتابة، خصوصاً عن هذا الاستهتار المتداول الذي لا تحرقه الأقلام مهما علا وطيسها، كونه بمثابة الحبل الشوكي لهيكل العملية السياسية المحاطة بأنفاس الزهراء وبركات الحسين وتزكيات الغائب عجل الله فرجه. “حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ” الآية 40 من سورة هود كانت قد أعطت علامة عن بدء الطوفان، وهي غليان الماء في التنور وتدفقه بقوة. وقد يكون التنور تعبيراً مجازياً عن وجه الأرض وتدفق الماء منها حسب بعض المفسرين. في العراق الأمر مختلف، فمع أن الطوفان قد بدأ منذ أكثر من عقدين من الزمن، فإن علامته الفارقة ظهرت متأخرة قليلاً، قبل يومين فقط أو هكذا. وهي ليست فوران الماء بالتنور، بل فوران المال العام في التنانير وتدفقه رماداً. ولكن لماذا يُعَدّ الحرق بالتنور عملاً مستهجناً، بينما هنالك أساليب وطرق أخرى في حرق المال العام أكثر استهتاراً، وتستدعي نمطاً من الاستهجان الثوري اقتداءً بالنهج الحسيني؟ حرق المال العام قد يكون قانونياً من حيث الشكل، فليس كل حرق سرقة مباشرة، لكنه يظل استهتاراً من حيث الأثر والنتيجة. وإذا كانت ثورة الحسين قد خلفت سندويجات الشاورمة المجانية وأقداح النومي بصرة المثلجة وركضة طويريج وغيرها من الفعاليات كأثر مستدام، فما تخلفه أنماط الاستهتار المنظورة ربما أشد وأقسى. ثم إن الحرق السريع بالتنانير ناجم عن الخوف، ولا يخلف غير رماد الورق المحروق الذي يمكن تعويضه بيسر بالطباعة. بينما الطرق الأخرى ناجمة عن الزهو المرضي والتفاخر الاستعراضي بالحرق، الذي لا يقتصر على حرق المال العام، بل حرق حتى التاريخ الذي يعتزون به، وتنجم عن هذه الحروق تداعيات خطيرة تفتك بالمجتمع، فقد تلتبس على أبنائه الأمور بتلاشي الفرق بين واقعة الطف وكرنفالات سلق الحمص لترسيخ القيمة (العالوچية) في الوعي الجمعي، وخصوصاً للطائفة المسلوقة أصلاً بسوء الخدمات ومنابر الجهل. إنه ليس بالأمر الجديد أن يُحرق المال العام بكل وقاحة مع رفعة وظيفية، فلقد أنتجت العملية السياسية في العراق أناساً محنكين، خبراء في الاختلاس واللصوصية، يجيدون حرق كل شيء بشتى صنوف الحرق وطرقه المتيسرة، فهناك من يحرق المال على صدور الراقصات الناهدة بكل فخر ومتعة، وعلى المؤخرات المتورمة بكل شهامة ومقدرة، وهناك من يسلك مسلكاً آخر في الحرق الأكثر أناقة، فتراه يحرق ما طاب له في بناء مدارس وجامعات فائضة عن حاجة البلد، في مرحلة بدأت دول العالم المتحضر تتجه فيها إلى تقليص أعداد المدارس التقليدية بعد ثورة الذكاء الاصطناعي المتصاعدة. وهناك من يحرقه لتجسيد فنتازيات استثمارية ما كان يحلم بها أو حتى يتصور أنها ممكنة مع الثراء الفاحش. الحرق صنوف، وقلنا: أحمل من كل ميزانية ثلثين زوجين وأكثر: رواتب الفضائيين التي حرقت مليارات من المال العام. افتتاح المشاريع الميتة، تلك التي تسمى عادة «حجر أساس»، يتم افتتاحه بزوجين من أكياس السمنت وشريط ومقص، ولم نرَ منها سوى شواهد قبورها. ولا أحد يحصي مقابر المشاريع وعدد شواهد كل مقبرة، لأن للمقابر حرمة. حرق الغاز الطبيعي واستيراد ما لا يكفي لسد الحاجة الوطنية أشد وطأة وأكثر استهتاراً بخيرات البلد وموارده الطبيعية من حرق الورق في التنانير. حرق المليارات بترحيلها إلى دول الجوار، وكأن البلد الذي أخفق في توفير العيش الكريم لشعبه وحفظ كرامتهم صار الممول العام لدول المنطقة. مليارات تدفع رواتب لإيرانيين ومصريين وأفغان، إلخ. حرق المدن بشكل غير طبيعي بالمولات والمطاعم والصيدليات والمستشفيات الأهلية دون أية موازنة بين العرض والطلب. إنها مدن الاختناقات المرورية المملة، نتيجة حرق الخبرات وحرق التخطيط وحرق الذائقة والعمل بالفزعة العشائرية وخبرات رجل الشارع. حرق الموجودات الصالحة باستمرار يوازي استمرارية تغيير المسؤولين والإدارات في مؤسسات الدولة. والحرق هنا لا يقتصر على حرق قيمة الموجودات بقدر ما يعني حرق القيمة الأخلاقية في تحمل المسؤولية بنزاهة. حرق أموال طائلة كل يوم على المظاهر الشكلية والاستعراضية، إنه البذخ السافر الذي لا يمت للأخلاق الفاضلة بصلة، ولا يستر الأقنعة الإيمانية الزائفة والتروس الحسينية للتجارة والسمسرة. صار حرق المال العام وإقالة الحارقين مشهداً «وطنياً» دراماتيكياً يتكرر كل يوم، لأن الوطنية في بلد لم تعد فيه للعجائب بقية، هي أن تبرز الدولة عضلاتها الجديدة مع كل دورة انتخابية، وتفصح عن كفاءتها في متابعة سيرورة التنانير وما يُحرق فيها من خيرات ومقدرات. ولا أدري إذا كانت «الإقالة من المنصب» هي العقوبة المقررة في القانون العراقي عن جرائم كبرى كجريمة سرقة المال العام أو هدره، أم أنها مجرد فتوى رحومة أخرى تحابي أصحاب النفوذ والحرق الملياري. المواطن لا يزال يصارع من أجل الصمود ضد حرارة القيظ اللاهب، يلجأ إلى الجوامع والمساجد مستجيراً من الرمضاء بالنار، من أجل نسمة عابرة تشرح له صدره، فإذا به يُصفع بحرق من صنف آخر؛ ثرثرة منبرية من ثرثرات التسويق الديني للمعاناة والترهل والفشل. التجهيز الكهربائي الذي حرقت في سبيل تحسينه المليارات دون دخان ولا تنور، فجأة يتم ربطه بواقعة الطف ومعاناة الحسين وأهل البيت. ثرثرة الربط هذه تشبه غيرها من ثرثرات الزمن البائس، الذي صار فيه حتى نكاح الدين بالسياسة مجرد نكاح متعة دون أية التزامات أخلاقية وإنسانية، وتم توظيف ثورة الحسين للجم الأفواه المتذمرة من مستنقعات الفساد وبعوضها المتكاثر. حرق المال العام هو سنة من سنن العملية السياسية التي ما زالت تلطم لتخفيف وطأة الفشل عن كاهل المواطن المهمش، فاللطم بمثابة صمام أمان للتنفيس عن الضغط قبل حدوث انفجار، لذلك فإن ترسيخه من أولويات القيّمين على العملية السياسية المدفوع ثمن استمرارها بالبترو دولار وترحيل السيادة. والجدير بالذكر هنا أن بعض الاجتهادات المتعلقة بالأنفال وحقوق الإمام في عصر الغيبة قد أسهمت، ولو بصورة غير مباشرة، في نشوء تلك النظرة الملتبسة تجاه الملكية العامة، فتعثرت أو تعددت الإجابات عن سؤال بسيط، مع أن إجابته تعد من البديهيات: من يملك المال العام بدون إمام قائد؟ وربما كل هذه المحروقات هي من هزيع هذا التوتر في فهم النمط الأخلاقي السليم للتعامل مع المال العام مع غياب الإمام عن مسرح القيادة. فجاء «الحرق» كأحد الأنماط الأخلاقية المقبولة مرحلياً، لذلك نشهد كثرة المحروقات وكثرة الحارقين الطلقاء.
#فاتن_نور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مناقل البلوط
-
جهابذة السوس
-
مساحات 8
-
بلا جوهر
-
مساحات 7
-
وقفة مع مصنع السحاب
-
صنو الكريستال
-
مساحات 6
-
قبعات
-
القناع والظل
-
هستيريا جزيرة إبستين
-
أسوار مفتوحة
-
هجاء
-
التآكل بمياه النهر
-
العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية
-
المتحرشون ضحايا أيضاّ
-
عصيّ الدولة الرخوة
-
الطريق المختصرة
-
التهافت ضد الموسيقى
-
مستشفى أم ملهىً ليليّ؟
المزيد.....
-
بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
-
بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو
...
-
من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث
...
-
في ذكرى ميلاده.. -الليل الطويل- يعيد حاتم علي إلى شاشة صالون
...
-
انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم
...
-
إسحاق دار: أعتقد أن ملف احتياطيات اليورانيوم يمكن حله من خلا
...
-
الخارجية الإيرانية: انتهى عمل فرق التفاوض في هذه المرحلة لك
...
-
د. سناء الشعلان: -نعيش زمن الانتحار الجماعيّ... ولا أحد يملك
...
-
العمودالثامن: البحث عن وزير للثقافة
-
الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الرابع.. -معارك سرية-
المزيد.....
-
مقامات وقف السرسرية
/ د. خالد زغريت
-
مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش
/ د. خالد زغريت
-
في الطريق إلى الهفا
/ د. خالد زغريت
-
وحطوا رأس الوطن بالخرج
/ د. خالد زغريت
-
قلق أممي من الباطرش الحموي
/ د. خالد زغريت
-
الضحك من لحى الزمان
/ د. خالد زغريت
-
لو كانت الكرافات حمراء
/ د. خالد زغريت
-
سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته
/ د. خالد زغريت
-
رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج
/ د. خالد زغريت
-
صديقي الذي صار عنزة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|