أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فاتن نور - العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية














المزيد.....

العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية


فاتن نور

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 18:47
المحور: قضايا ثقافية
    


تداعت العلاقات الإنسانية مع هيمنة الثقافة الاستهلاكية في العالم، وتوارت القيم الروحية خلف تجارة الاستعراض والتسويق الجسدي. محل الإرادة حلّت الخوارزمية؛ فهي التي تقترح، وترتّب، وتقرّر ما يستحق أن يُعرض أو ما يُدفن في غياهب العتمة الرقمية. باتت الفلترة الرقمية حليف العلاقات الإنسانية؛ فالقرب يُقاس بعدد التفاعلات، والغياب قد يتساوى بسهولة مفرطة مع غياب القيمة.
وأصبح الاستثمار الرقمي المعول الفاعل في الغابة الحضارية التي نعيشها، فحتى الفقر والظلم والاغتراب باتت قضايا لا تُعالج بقدر ما تُستعرض وتُستثمر. فكل أزمة إنسانية تتحوّل إلى فرصة سانحة لمنصّة، وكل هشاشة أو رثاثة مجالًا للربح. السلطات العالمية اليوم لا تعمل عبر القمع المباشر، بل عبر إدارة الألم وتسليعه ضمن ما يمكن تسميته بالهيمنة الناعمة.
اختيار الشريك اليوم بات يوازي غالباّ اختيار منتج، يُقاس بقيمته السوقية، بعد أن سادت فكرة "الشريك المناسب" كما تنتجها المنصّات . وهو ما يلتقي مع توصيف زيغمونت باومان لعلاقات العصر الاستهلاكي في كتابه*الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية* حين يقول:
(في عالم استهلاكي، تُعامَل العلاقات كما تُعامَل السلع: تُستَخدم ما دامت مُرضية، ثم تُستبدل عند أوّل خيبة.)
فالثقافة بحدّ ذاتها جرى اختزالها إلى محتوى؛ لم تعد القيمة في العمق، بل في القابلية على الظهور اللامع، وأصبح الفكر يُقاس بعدد الإعجابات، لا بقابليته على المناورة الواعية والتفكيك، ولا بقدرته على إنتاج الوعي وتنمية المدارك. وحين تُؤتمت العاطفة وتُدار وفق منطق الخوارزميات، يصبح الوعي نفسه سهل التوجيه، إذ لا يمكن لوعي حر أن يتشكّل في ظل مشاعر مُبرمَجة ومُدارة سلفًا.
ومع تفشّي «ثقافة المقارنة» وتراجع أخلاقيات الصبر والتضحية والاستدامة، لصالح علاقات هامشية معرّضة للانهيار من أوّل خلاف أو سوء فهم، صارت العلاقات الإنسانية باهتة روحيًا. حتى اللحظات العاطفية باتت تُستهلك كمحتوى للنشر على منصّات التواصل، لا كخبرة إنسانية تُعاش بعمق بعيدًا عن الاستعراضات النفعية.
لقد انحسر العمق الداخلي للإنسان في زمن حضارة استهلاكية بائسة، تراجع فيها الجوهر خلف المظهر المُعنَى بتلميعه. فقد تمكّنت الثقافة الاستهلاكية من تفريغ العلاقات الإنسانية من بعدها الوجودي، وتحويلها إلى مشاريع تجارية، حيث اضمحلّت الأحاسيس العميقة لصالح وعود اللذّة السريعة، وصار الزمن كأنّه عدوّ العواطف الرصينة، أو حتى عدوّ الروح والذاكرة.
حتى الحب، بصفته عاطفة روحية عميقة تجعل الحياة جديرة بالعناء، فقد بُعده المتسامي الذي يرفعه فوق الآني والمادي، وانحدر إلى خدمة إشباع غريزي معرّض للكساد والملل بإيقاع سريع يوازي إيقاع العالم المتسارع. وكأنّ العالم اليوم لا يريد قلوبًا تمشي على مهل بمهارة الاحتفاظ والالتزام طويل الأمد التي قوّضتها ثقافة التسوّق العاطفي، ولا يهمّه أرواح مدركة تنصت لصمتها، بل أجسادًا تستهلك وتُستبدل وتزول.
البُنى الرقمية اليوم أعادت تعريف الحب، بتحويله إلى خوارزميات على مواقع المواعدة التي أصبحت من سمات العصر وضرورياته.
وفي زمن تحوّلت فيه العواطف إلى بيانات، والوعي إلى برمجيات، لم يعد الحب العذري، كما أرى، مجرّد حالة عابرة، بل تحوّل، إن وُجد في يومنا، إلى فعل مقاومة وجودي؛ حيث لا تُدار العاطفة عبر الإيقاع اللحظي، بل عبر زمن الترقّب، زمن الشوق لا زمن الإشعار والتحديث. وحيث لا يُختزل فيه الجسد إلى أداة إشباع، بل يظلّ أفقًا مشحونًا بالعاطفة وطيفاّ من المعاني البعيدة عن الاستهلاك أو الاستبدال.
الحب العذري بطبيعته يرفض الترجمة إلى لغة الخوارزم، فهو لا يخضع لمقاييس النجاح المادي، ولا يعرف التحديث الدائم. إنّه تمسّك فلسفي أخير بقدسية ما تبقّى من إنسانية الحب.
في زمن تتحكّم فيه الخوارزميات بالمشاعر والاختيارات وتعصف به المنصّات، هل يمكن للحب أن يظل تجربة إنسانية صادقة ونبيلة لا مجرّد وظيفة أو استجابة مبرمجة؟

December 09,2026



#فاتن_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المتحرشون ضحايا أيضاّ
- عصيّ الدولة الرخوة
- الطريق المختصرة
- التهافت ضد الموسيقى
- مستشفى أم ملهىً ليليّ؟
- هي ذاتك الجريحة
- اليسار وهشاشة التحالفات السياسية
- سيناريو الدوال
- الانتخابات والوهم الديمقراطي
- المحتوى الهابط بين الفرد والسلطة
- بين الكينونة والرغبة
- مساحات 5
- قصاصات الليلة الساخنة
- ثكلتكم أمهاتكم
- الخوار الوطني وركلات الجزاء
- دفاع شيطاني
- مساحات 4
- جهود
- المرجان الأزرق
- مساحات 3


المزيد.....




- سوريا.. انسحاب مسلحي -قسد- من حلب بعد معارك دامية مع الجيش
- أول تعليق علني للجيش الإسرائيلي على الاحتجاجات في إيران
- بذكرى توليه الحكم.. سلطان عُمان يصدر توجيهات لزيادة دعم الأق ...
- لماذا تسعى الولايات المتحدة للحصول على المزيد من النفط؟
- تحالف دفاعي جديد يلوح في الأفق: تركيا تسعى للانضمام إلى شراك ...
- -خيانة لقيم النادي-: جماهير سلتيك الاسكتلندي تطالب بإلغاء صف ...
- وزير الخارجية الألماني يذكر الأمريكيين بـ -المسؤولية المشترك ...
- السودان: الحكومة تعلن عودتها إلى الخرطوم بعد نحو ثلاث سنوات ...
- صحف عالمية: إسرائيل تخطط لعمليات بغزة وترامب تلقى إحاطات بشأ ...
- قراءة الحاضر من بوابة المستقبل.. أبرز مسلسلات الخيال العلمي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فاتن نور - العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية