أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاتن نور - وقفة مع مصنع السحاب














المزيد.....

وقفة مع مصنع السحاب


فاتن نور

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 02:58
المحور: الادب والفن
    


هل يعتبر الموت الرحيم خلاصًا حقيقيًا أم مأزقاً وجودياً وأخلاقياً؟
هل تنظيمه إدارياً يجعله فعلًا بريئاً؟
في الفلسفة الرواقية، شبه إبكتيتوس الحياة بغرفة دخان، وطرح الصبر كخيار عقلاني إذا كان الدخان خفيفاً، وإذا اشتدّ بما لا يطاق فالباب مفتوح لمن يريد المغادرة.
بينما اعتبر سينيكا الموت بإرادة حرة، مظهراً من مظاهر السيادة على الذات، فقد يكون صوتاً للكرامة حين تصبح الحياة عبئاً ثقيلًا أو تسقط بيد الطغاة والمستبدين. ومثل هذا التناول الرواقي جاء في مضمار القرار الفردي الصرف، ويصعب مقارنته بالحرية البيروقراطية ضمن نظام محدد في سياق رواية مصنع السحاب.
السؤال الجدلي المهم هنا: هل الموت هو فعل سيادة مطلقة على الذات فعلاً؟
لو اقتربنا من إرنست همنغواي، فإن انتحاره لم يكشف عن إرادة خالصة بقدر ما كشف عن هشاشة الإنسان أمام أوجاع لا يمكن احتمالها أو ترويضها، قد تقوده مجرورًا للحكم على نفسه بالموت.
وقد اقترب حامد عبد الصمد مؤلف الرواية، من الموت بجرأة محطماً غموضه الوجودي، متجاوزاً بذكاء ملفت الارتطام بالمسلمات. فقد تناوله كإدارة حداثية ذات وظيفة إنقاذية، وسلطة تدقق في أهلية المتقدمين، تصغي لما يقدمونه من شهادات وحجج تؤهلهم لعقد صفقة الموت. وبهذا خرج الموت في روايته عن حقله الوجودي إلى الحقل الإجرائي الرتيب، وانتقل من الفضاء الفلسفي إلى الفضاء التقني الذي يوفر إكسير نجاة باهظ الثمن.
جغرافيا الرواية لم تكن خياراً بريئاً بتصوري، فاليابان التي بلغت ذروة الحداثة في كل مناحي الحياة، لم ينج أناسها من اليأس والإحباط رغم توفر بيئة نظيفة ومزدهرة بكل أنساقها الحياتية ونظمها الخدمية، وفي هذا أجد تأكيداً ضمنياً على فكرة أن السعادة تنبع من داخل الإنسان ولا تأتي من الخارج أيّاً كانت بيئته، حضارية أو بدائية، وأيّاً كانت المعتقدات السائدة والأعراف المتداولة فيها.
الرواية بارعة في الفضح، حاذقة في التشخيص، ولكن مع غياب البديل في ظل إشكاليات العلاقات الإنسانية المعاصرة وفوضى الارتباطات العاطفية والحواس، مع تكالب السلطات ومجريات الحداثة وإرباكات كل منهما، التي تساهم في ردم الهوة بين الرغبة في الحياة والرغبة في الموت.
وقد خلت من مقاومة جدلية لسلطة الموت، أو صوت داخلي يعارض نظامها أو يشكك في مشروعيته، فقد بدت في السياق سلطة مكتفية بذاتها، مقتنعة بنظامها وحقها في احتكار قرار “الإنقاذ المعكوس” بالنيابة عن المستسلمين لإنقاذهم من قبضة الحياة نحو ضفة الموت.
في الرواية ثمة تكريس واضح لتعرية الحياة بأصابع الموت الناعم، ومع أنها اقتربت بشجاعة من تفكيك وهم السيطرة عليه في النهاية، لكنها غفلت عن تفجيره أو فضحه بشكل مقنع، مع تردد في الدفاع عن الحياة التي بدت محاصرة بعتمة مفرطة.
فيما صُوِّر الإنسان كجسد أعزل يتورم بالمعاناة والمكابدة وله الحق في استئصال نفسه؛ هذا في حد ذاته يبدو هزيمة للعقل البشري المتكفل بإنقاذ نفسه وإنتاج معنىً لوجوده، ولغة بديلة تتفوق على عبثية الحياة وتداخلاتها المريرة. مع إن “المعنى” المنتج قد يكون عبثيًا بدوره إذا سقط في حمية الغيبيات والمطلق، ولكنه يبقى خياراً لمن لا يقوى على صناعة معنى لوجوده دون الاتكاء على قيومية الأبوة المطلقة.
وبعيدًا عن القوالب التقليدية تطرح الرواية أسئلة جدلية-وجودية تفتتح آفاقاً فلسفية عن أنماط الحياة المعاصرة وتداعياتها. الحبكة السردية تعج بصور المعاناة في خضم واقع مرير تتسيده الآلة وتضبط إيقاعاته مهارات الذكاء الاصطناعي والرغبات المتصارعة، بجانب الأعباء التقليدية التي لطالما عانى منها الإنسان منذ ظهوره على الأرض واجتياحها بالحروب المدمرة.
ثمة انقلاب خفي على ثيمة الخوف من الموت والنزوع إلى الخلود التي سيطرت على الإنسان، ذلك الخوف الفطري الحميد الذي ولد روائع الأدب الأسطوري، فقد تناولت الرواية بالمقابل الخوف من الحياة والرهبة منها بجرأة نقدية.
والسؤال: هل الموت فناء حقيقي أم خلود؟ هل هو سر الخلود الذي بحث عنه جلجامش بعد فقده أنكيدو فوجده لاحقاً في خلود الأثر؟

للموت حضور واسع ومتنوع في الأدب الروائي، فهو المطرقة التوأم لمطرقة الحياة، ويكاد لا يخلو عمل روائي من وقائع وفنتازيا المطرقتين.
ففي بواكير عمله الروائي تناول ألبير كامو الموت في روايته (الموت السعيد) ولكن ليس بصفته حلًا أو مشروعاً عقلانياً،وفي (الغريب) لم يتناول كامو الموت كمأساة وجودية بل كحقيقة بيولوجية تفضح المجتمع وتفرض مواجهة عقلانية لتقاليده الزائفة.
فيما يمثل الموت قمة العبثية والظلم في بعض الأعمال، نراه يمثل بالمقابل قوة القدرة على رفض عالم محكوم بعدميته في غيرها.
فقد صوّر كافكا الموت كفعل يفتقر إلى الكرامة عندما يُستنزف الإنسان تحت أقدام البطش البيروقراطي، فيما ظهر الموت كراحة للآخرين في روايته (المسخ) التي ربطت بين القيمة والمنفعة ربطاّ واقعياً فاضحاً، فالبطل لم يمت لحظة توقف قلبه بل عندما توقفت منفعته التي يضخها لغيره بتحوله إلى حشرة عملاقة، الموت في الرواية برز كنوع من سخاء البذل والتضحية من أجل ازدهار آخرين.
وثمة أسئلة تنبري شائكة:
هل الموت الرحيم حرية وجودية أم حرية بيروقراطية؟
هل على المجتمع معالجة الحياة عندما تصبح غير محتملة أم عليه تعبيد الطريق لمغادرتها؟
هل يعد وجود سلطة للموت مقابل سلطة للحياة انتصاراً للحياة؟
هل نملك فعلًا قرار موتنا إذا كانت حياتنا محاصرة بقرارات آخرين؟
هل نحن سجناء لسلطة الحياة؟
من يملك مفاتيح السجون لإطلاق سراحنا؟

April 10, 2026



#فاتن_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صنو الكريستال
- مساحات 6
- قبعات
- القناع والظل
- هستيريا جزيرة إبستين
- أسوار مفتوحة
- هجاء
- التآكل بمياه النهر
- العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية
- المتحرشون ضحايا أيضاّ
- عصيّ الدولة الرخوة
- الطريق المختصرة
- التهافت ضد الموسيقى
- مستشفى أم ملهىً ليليّ؟
- هي ذاتك الجريحة
- اليسار وهشاشة التحالفات السياسية
- سيناريو الدوال
- الانتخابات والوهم الديمقراطي
- المحتوى الهابط بين الفرد والسلطة
- بين الكينونة والرغبة


المزيد.....




- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاتن نور - وقفة مع مصنع السحاب