|
|
هستيريا جزيرة إبستين
فاتن نور
الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 14:00
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(الإنكار آلية دفاع بدائية، تلجأ إليها الجماعات كما الأفراد حين تعجز عن تحمّل الحقيقة؛ فالذاكرة الجمعية لا تُبنى مما حدث، بل مما سُمح له أن يُقال) ..عن سيغموند فرويد وإدوارد سعيد، بتصرّف. وبعد؛ لتحالف (السلطة والمال والجنس) باعٌ طويل في التاريخ الإنساني؛ فهو ليس نوعًا من الانحراف الطارئ، ولا استثناءً لا يُقاس عليه. فعندما تجتمع سلطة بلا مساءلة، ومال بلا شفافية، مع جنس بلا قوانين صارمة تحمي الجسد وتحترم كرامة الإنسان، ينشأ هذا التحالف ويفرض نفسه. وكما يبدو من قراءة التاريخ، فإن هذا التحالف يُعدّ أحد قوانين العمل في التاريخ السياسي، بوصفه أداة للهيمنة والابتزاز والإذلال، وهو لا يقف عند تخوم جزيرة بعينها أو رقعة جغرافية محددة، ولا يخص زمنًا أو مرحلة تاريخية بعينها. أباطرة روما القديمة لم يجعلوا الجنس مسرحًا للمتعة فحسب، بل استخدموه كأداة من أدوات الحكم وإعادة ترتيب للولاءات داخل البلاط. نيرون وكاليغولا مثالان صارخان على ما تفعله الحصانة التي تمنحها السلطة، وما يفعله المال المموِّل للبذخ والفساد، حين يتحول الجنس من مجرد وسيلة ضغط وابتزاز إلى أحد طقوس الولاء السياسي الأساسية. العشيقات الرسميات في أوروبا في القرون الوسطى والحديثة لم يكنّ عشيقات أسرّة عابرات، بل كنّ متنفذات في السلطة وفاعلات سياسيًا. وخلاصة المعادلة، تاريخيًا ولا تزال، هي الآتي: الجنس يفتح باب القرب من السلطة، وباب القرب من السلطة يفتح بدوره باب المال والمناصب، وباب المال والمناصب يعيد إنتاج النفوذ السياسي. ورغم الخطاب الأخلاقي الصارم للكنيسة منذ عصورها الوسطى، ظلّت هذه المعادلة نافذة؛ إذ إن السلطة الروحية، مقترنة بالثروات الهائلة، أنتجت انتهاكات جنسية وابتزازات لا حصر لها، وكرّست الجنس كوسيلة لضبط إيقاع العمل الكنسي والاجتماعي. ماذا عن الخلافة الإسلامية وإمبراطورياتها المترامية؟ هل كانت استثناءً تاريخيًا لانتمائها إلى ثقافة دينية تحظر المساس بالجسد؟ قطعًا لا. فالجواري، والحريم، والغلمان، والسبي، والعبودية الجنسية في سياقات ما يُسمّى بالفتوحات الإسلامية، إلى جانب الوعود الجنسية الدنيوية زمن الحروب، والأخروية بعد البعث، كانت جزءًا بنيويًا من الحكم والثقافة الدينية، وترتكز على النص المقدّس. وقد حمت الخلافة نظامها الأخلاقي أيًّا كان شكله، فيما جرى تفصيل الفقه على المقاس الذي يُغذّي تعاضد السلطتين السياسية والدينية. وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن رجمها بحجر الإنكار، لأنها من الوقائع الساطعة في مدوّنات التاريخ وأصوله الموثّقة. في الإسلام، عملت المنظومة الفقهية على فصل الجسد عن الكرامة الإنسانية؛ إذ اعتُبر عقد الزواج وثيقةً كافية لنقل الجسد من كونه محظورًا إلى «مباحًا للتصرّف الجنسي»، حتى لو كان جسد طفل أو رضيعة. فالجسد هنا يظهر أداةً للاستمتاع، لا ذاتًا مستقلة لها كرامة. البلوغ، والوعي، والرضا، والصحة النفسية، أمور أُهملت تمامًا أمام آلية التحريم والإباحة؛ إذ لا مكان لها في هذه المنظومة التي تحرّك ضمن سياقاتها علماء وفقهاء كُثر لهم وزنهم في العالم الإسلامي، وقد أباحوا التمتّع بالرضيعة عبر المفاخذة، والإيلاج الجنسي في سن التاسعة، مثل الخميني في (تحرير الوسيلة – كتاب النكاح) والسيستاني في (منهاج الصالحين – كتاب النكاح). كما توافق الفقه السني (العسقلاني، النووي، الرملي، الكاساني وغيرهم) مع الفقه الإمامي في تحديد عمر الإيلاج بتسع سنوات، على افتراض أنه العمر المناسب للقدرة الجسدية، دون أسس علمية. لكن من المنظور الأخلاقي الحديث، العقد لا يخلق رضا، وعدم الإيلاج قبل التاسعة لا يلغي العنف، كما أن الإيلاج في سن التاسعة لا يجعله فعلًا أخلاقيًا. فالقوانين المدنية الحديثة تعتبر الرضا الواعي شرطًا تأسيسيًا لأي علاقة جسدية، في حين يتجاوز الفقه التراثي هذا الشرط كليًا، لأن الرضيعة أو الصغيرة مُهمشة أصلًا، ولا تُعد طرفًا أخلاقيًا. الأذى في النصوص الفقهية يُقاس ماديًا وشكليًا؛ فأسئلة من قبيل: ماذا يحدث نفسيًا؟ وما نوع الصدمة؟ غائبة عن التفكير كليًا. وهذا فشل أخلاقي، لكنه – للأسف – يُقدَّم للمجتمع بوصفة "تنظيم". والخطورة هنا لا تكمن في النص وحده، بل في اعتياد العقل على هذا النمط من التفكير، وهذا النوع من التنظيم غير الأخلاقي الذي يمتهن الجسد ويسحق براءة الأطفال بفظاظة جنسية، من دون شعور بالذنب. المجتمع الأخلاقي ليس ذلك الذي يخلو من الرذائل، فهذه حالة تكاد تكون مستحيلة، بل هو المجتمع الذي يفضح الرذائل، ويُجرّمها، ويُحاسب الجناة. ومع الهياج الأخلاقي حول جزيرة إبستين، تبقى الحقيقة دامغة: فضائحها ليست انحرافًا حضاريًا غربيًا، بل نمطًا بشريًا من أنماط تحالف السلطة والمال والجنس، يتكرر بتكرار البؤس السياسي والإنساني، وله شواهد في كل الحضارات، قديمها وحديثها. السؤال الملحّ هو: لماذا يُجرِّم الغرب إبستين؟ هل لأن الغرب أخلاقي بطبيعته، أم لأنه مرّ تاريخيًا بمسارات اعترافية شجاعة، اعترف فيها بجرائم الكنيسة الجنسية والعبودية وغيرها من انتهاكات إنسانية، وتبنّى ثقافة نقد الذات واصبحت جزءاّ بنيويا من حضارته؛ تلك الثقافة التي فشل غيره في تبنّيها، حيث يُعدّ النقد إهانة أو شبهة، ويُعدّ الاختلاف خيانة في بعض الثقافات؛ ومنها الثقافة الإسلامية.
#فاتن_نور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أسوار مفتوحة
-
هجاء
-
التآكل بمياه النهر
-
العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية
-
المتحرشون ضحايا أيضاّ
-
عصيّ الدولة الرخوة
-
الطريق المختصرة
-
التهافت ضد الموسيقى
-
مستشفى أم ملهىً ليليّ؟
-
هي ذاتك الجريحة
-
اليسار وهشاشة التحالفات السياسية
-
سيناريو الدوال
-
الانتخابات والوهم الديمقراطي
-
المحتوى الهابط بين الفرد والسلطة
-
بين الكينونة والرغبة
-
مساحات 5
-
قصاصات الليلة الساخنة
-
ثكلتكم أمهاتكم
-
الخوار الوطني وركلات الجزاء
-
دفاع شيطاني
المزيد.....
-
حرس الثورة الإسلامية يحتجز سفينتين محملتين بوقود مهرب في ميا
...
-
الضفة الغربية: مناشدات الكنائس لحماية المسيحيين من اعتداءات
...
-
بعد حكم انتهك حرية المعتقد والحق في المحاكمة العادلة.. تأجيل
...
-
مقتل سيف الإسلام القذافي يعيد خلط الأوراق في ليبيا
-
غدا.. دفن سيف الإسلام القذافي بجوار أخيه خميس في بني وليد
-
مقتل سيف الإسلام القذافي.. هل اغتال الملثمون فرصة سلام في لي
...
-
اغتيال سيف الإسلام القذافي في منزله بمدينة الزنتان.. إليكم م
...
-
مقتل سيف الإسلام القذافي.. هل اغتال الملثمون فرصة السلام في
...
-
مقتل سيف الإسلام القذافي في الزنتان: مصير أبناء الزعيم الليب
...
-
محمد المنفي: اغتيال سيف الإسلام يهدد المصالحة في ليبيا
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|