أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاتن نور - عندما يحارب الفاسدون الفساد














المزيد.....

عندما يحارب الفاسدون الفساد


فاتن نور

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 17:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن مكافحة الحرائق بالنار. وليس من مصلحة المستثمر في الطاعون فتح مستشفى لمحاربة الأمراض المعدية، ومن الصعب تصديقه مهما تحدث عن ذلك بإصرار.

عندما يُباع المنصب يفقد وظيفته الخدمية. وتتحول الدولة ببيع مناصبها القيادية من كيان مؤسساتي ينظم السوق ويخدم الصالح العام إلى سوق فاسدة بحد ذاتها، تتلاعب بالمال العام، وتعبث بالقوانين بإعادة تشكيلها أو الالتفاف عليها أو خرقها من أجل خدمة السوق، أو حتى تشريع قوانين جديدة تحقق مصالح المستثمرين فيه.

ومن الخطل الحديث عن الفساد كحالات فردية طارئة على نظام فوضوي كهذا أينما وجد، ففي مثل هذه الحالة المزرية يصبح الفساد هو النظام السياسي والاقتصادي المعمول به، والمحمي من قبل السلطات التشريعية والقضائية والدينية المستثمرة هي الأخرى في السوق. وتصبح الوزارات والمناصب والصفقات هي السلع المتنافس عليها كونها الأكثر ربحاً دون بذل أي جهد لتحقيق قيمة فعلية.

هكذا نقف أمام رأسمالية من طراز جديد تفوق الرأسمالية التقليدية ضراوة: رأسمالية الفساد، المنتجة بدورها لأوليغارشية جديدة من النخب الفاسدة تسعى لاحتكار الفساد بتصفية صغار المستثمرين فيه وإزاحتهم عن الطريق، وقد تأتي التصفية مموهة تحت شعار مكافحة الفساد أو غيره من الشعارات الوطنية الزائفة المختومة بالنفاق السياسي والديني.

وإذا كانت المنافسة في الرأسمالية التقليدية ترتكز على إنتاج السلع والخدمات حيث يخاطر المستثمرون بأموالهم الخاصة، فإن المنافسة في رأسمالية الفساد ترتكز على الاستحواذ والمخاطرة بالمال العام لإنتاج المزيد من الفساد، وذلك عبر إنتاج مناصب ووزارات ومؤسسات شتى كسلع جديدة منتجة للتنافس على شرائها.

مع هذا التفاقم الرأسمالي للفساد يصبح المواطن عبئاً ثقيلاً على "الدولة" بعد أن فقدت كينونتها وصارت سوقاً، ويصبح قمع المواطن أمراً مفروغاً منه عند مطالبته بتوفير الخدمات والوظائف، وذلك لتأمين حركة السوق والحفاظ على مستويات مستدامة من الاستحواذ والاستثمار. لذلك نرى أن تأمين رواتب الموظفين مع هذا النمط الرأسمالي يخرج عن كونه حقاً بديهياّ ليصبح منجزاً عظيماً، حيث يتم الإعلان عنه شهرياً لتذكير المواطن بفضل السوق عليه وبيان قدرة المستثمرين فيه على العمل والإنجاز.

ورغم سلبيات الرأسمالية التقليدية فإنها تخلق قيماً اقتصادية جديدة عبر الاستثمار مع تراكم الخبرات ومهارات الابتكار، ويتراكم فيها رأس المال بتراكم الإنتاج، أما رأسمالية الفساد فإنها تخلق قيماً جديدة في الاستحواذ ويتراكم فيها رأس المال بتراكم الاستثمار في المال العام المستحوذ عليه، ثم يعاد توزيعه على الحسابات الخاصة وربما بموجب فتاوى أو اجتهادات فقهية.
وليس كمثل الرأسمالية التقليدية التي تتنافس فيها الشركات الكبرى على جذب الزبائن والعمل على إرضائهم، لأن سوقها تكافئ الأكثر كفاءة؛ لا يكون التنافس في رأسمالية الفساد على جذب المواطنين ولا يهمها إرضاؤهم البتة، فالتنافس محصور في شبكات النفوذ على جذب العقود والصفقات والامتيازات لسوقها. وتكافئ منظوماتها الأكثر فساداً، والأقدر على الإفلات من العقاب الذي وإن نزل تمويهاً بصفة قضائية للقصاص، فإن هدفه تصفية الخصومات السياسية وتعبيد الطريق لأوليغارشية الفاسدين.

وإذا كان الإفلاس ببساطة يعني الخروج من السوق في الرأسمالية التقليدية، فإن الإفلاس في رأسمالية الفساد يكمن في خسارة المنصب، فخسارته تعني إفلاساً مالياً وسياسياً على حد سواء. لذلك فإن التشبث بالسلطة والنفوذ والسلاح يصبح ضرورة اقتصادية وسياسية ومعركة مصيرية.

وإذا كانت الثروة وسيلة لوصول الآثرياء إلى السلطة في الأنظمة الرأسمالية فإن السلطة هي الوسيلة لوصول الفاسدين والعاطلين عن الجدوى إلى الثروة في رأسمالية الفساد، أو أن السلطة تصبح هي رأس المال المنتج للثروة عبر آليات الاستحواذ على الخيرات والمقدرات ومساحات من جغرافيا البلد الذي يقع فريسة لمثل هذا النمط من الحكم.
كما أن قيمة الإنسان تحددها غالباً قدرته المادية على الاستهلاك في الرأسمالية، بينما قدرته على الاستحواذ هي التي تحدد قيمته في رأسمالية الفساد لذلك يصبح الفساد ثقافة عامة مجزية، وغالباً يكون البقاء للأفسد والأمهر في تجريف المال العام، والأسرع في غسيله أو ترحيله أو تخزينه، والأكثر تساهلاّ في التعامل مع الرغبات الأجنبية والرضوخ لإراداتها.

"الرأسمالية تدمر كل شيء، فهي تمنح الثروة لمن لا يعملون، والفقر لمن يعملون بكد"
وربما ما قاله برناردشو يمثل رأسمالية الفساد أكثر من تمثيله للرأسمالية العادية؛ فالهوة كبيرة بين أولئك الذين لا يعملون كونهم أثرياء أصلاّ، وأولئك الذين يكدحون ليل نهار لسرقة المال العام وطمس البلد في قيعان التردي والضياع.

ومع بزوغ الأوليغارشية الجديدة الساعية لاحتكار الفساد واستثماراته، وخصخصة "السلع" من وزارات ومناصب ومؤسسات وخلافه لصالحها، تكون السوق قد بلغت أوج فسادها، وودعت آخر ما تبقى من مفهوم الدولة والوطن والمواطن، وتحت ظلال وعي مجتمعي يرى العبودية ديناً، والتكيّف مع الأسوأ مذهباً، فيصبح السيئ امتيازاً يستدعي النضال من أجله.



#فاتن_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور
- مناقل البلوط
- جهابذة السوس
- مساحات 8
- بلا جوهر
- مساحات 7
- وقفة مع مصنع السحاب
- صنو الكريستال
- مساحات 6
- قبعات
- القناع والظل
- هستيريا جزيرة إبستين
- أسوار مفتوحة
- هجاء
- التآكل بمياه النهر
- العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية
- المتحرشون ضحايا أيضاّ
- عصيّ الدولة الرخوة
- الطريق المختصرة
- التهافت ضد الموسيقى


المزيد.....




- أمريكا تواصل ضرباتها على إيران.. وتصعيد جديد بين الحوثيين وا ...
- -كيف جنّدت إسرائيل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد؟- - نيو ...
- لفوفا بيلوفا: استمرار طلبات إعادة أطفال روس يعتقد وجودهم في ...
- الدفاع الروسية: نواصل استهداف الموانئ والسفن المرتبطة بالجيش ...
- مسؤول إيراني: رد -مدمر- ينتظر ترامب إذا نفذ تهديداته بقصف -ج ...
- السيسي يوجه رسائل هامة من البحرين عن دول الخليج
- صبري نخنوخ يدلي باعترافات مثيرة أمام القضاء المصري
- لافروف: الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران تنتهك مذكرة التف ...
- تركيا.. العدالة والتنمية ينفي أنباء نقل -إس-400- للإمارات مق ...
- العراق يفتح تحقيقا في شبهات اختفاء 140 مليار دولار من الإيرا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاتن نور - عندما يحارب الفاسدون الفساد