|
|
وتصغر في عين الصغير العظائم
فاتن نور
الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 09:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أعتذر للمتنبي، فعظائم الأمور قد تصغر في عين الصغير أيضًا، ذلك الذي يقرأ الواقع بسطحية فلا يرى إلا رغوته الطافية، أو يحاول التقليل من حجم أزمة تسبب بها، وغض النظر عن عمقها الزمني وجذور نشأتها. هل هي أزمة مالية فعلًا تلك التي يشهدها العراق، أم فشل نظام؟ من المخيب الحديث عن أزمة مالية، ففي هذا تضليل للرأي العام، ومحاولة يائسة لإنكار الحقيقة الصارخة، وهي فشل النظام السياسي في إدارته لشؤون الدولة ومواطنيها منذ تسلمه السلطة، وتداولها بطريقة ذبحت الديمقراطية على قبلة الأهواء. وهو فشل بنيوي متأصل اعتمد المحاصصة وشرّعها دستوريًا، وفشل فكري كسر العقد بين الوطن والمواطن، فانكسر بذلك مفهوم الدولة بعقود مذهبية وولائية. فالتيارات السياسية والأحزاب المتسيّدة في هذه المرحلة تتبنى رؤى عابرة للحدود، أو تتبع مرجعيات دينية تؤثر في أولوياتها السياسية والوطنية. وقد ساهمت السلطة الدينية في هذا الزخم الخارج عن أي سياق حضاري لإدارة الدولة، كما ساهمت السلطة القضائية التي غدت أحد أقطاب العملية السياسية الفاعلة، فاقدةً بذلك وظيفتها القضائية بفقد استقلالها وحيادها. وقد فشل النظام منذ بدايته في الأخذ بمبدأ الشفافية والمساءلة لكشف حجم الإيرادات المستحصلة، التي لا يمكن الاستهانة بما تدرّه سنويًا، والقائمة أطول مما قد يتصورها البعض، هذا إضافةً إلى الريع النفطي. وفشل أيضًا في كشف أوجه الإنفاق الحكومي وجدوى كل وجه على المديين القصير والبعيد. وقد أثقلت العملية السياسية نفسها، وأجهدتها بالأفكار الرجعية، ومضت بعشوائية مفرطة وبقرارات ارتجالية لا تخضع للدراسة والتمحيص من قبل أهل العلم والكفاءة والمعرفة، الذين جرى تهميشهم أو تصفيتهم جسديًا، أو زجهم، في أحسن الأحوال، في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، وفي ذلك هدر لقيمتهم أو تجميد لها. وقد نجح النظام في مضمار التصفيات نجاحًا لافتًا ففاقم من أزمته، ولكنه مع ذلك مضى قدمًا، بنفس خيلاء أهل الذكر الذين صنعوا تابوهات اللاهوت لدينٍ لا لاهوت فيه، في إدارة شؤون الدولة بمفهوم العشيرة والقبيلة، والطائفية والمناطقية، ومبدأ “انصر أخاك ظالمًا كان أو مظلومًا” والرفاهية للسلطة والفتات للشعب لأن "القناعة كنز لا يفنى" وغيرها من مقولات يروّج لها سدنة المعابد ووعاظ سلاطين المرحلة للتملص من المسؤولية، وتبرير الإخفاقات المتراكمة، أو شرعنتها عقائديًا. وقد عمل النظام جاهدًا للحفاظ على بقائه قبل أي اعتبار آخر، مستثمرًا الولاءات والانقسامات المجتمعية، أو مؤججًا لها، معتمدًا على الشرعية الإعلامية والخطابية لتعزيز نفوذه، ومتبعًا البراغماتية في عقد التحالفات وتغييرها حسب موازين القوة وما تفرضه المصالح الشخصية والحزبية الضيقة. ولو تأملنا كل هذا، لوجدنا أن ممارسات النظام ترتبط بمبادئ الفكر الميكافيلي، سواء أكان ذلك عن وعي بالفلسفة الميكافيلية أم من دونه. ويبدو أن احتدام الصراع على السلطة والثروة من قبل تيارات عقائدية لا تأبه للمفاهيم الوطنية وسياقاتها على أرض الواقع، وتفتقر إلى الكفاءة والخبرة، يقود عفويًا إلى ممارسات ميكافيلية الطابع أينما وجد مثل هذا الصراع المدمر. ماذا يبقى من مفهوم الدولة عندما يُشرعن الفساد تحت راية رموزها الدينية؟ وماذا يبقى من المذهب حين يُدفع لحماية هذا الاتجاه؟ ماذا يبقى من قيمة الإنسان ومسيرته النضالية لخلق واقع أفضل، إذا ظل متكئًا على أرائك الفساد، منتظرًا أن يأتيه الخلاص من جهة ضيقة لا وجود لها خارج الدائرة الإمامية؟ ماذا يبقى من وعي المجتمع وهو يتآكل بهذه المعارف المبثوثة حتى في بعض حقوله الأكاديمية ومحافله العلمية؟ وماذا يبقى من المال العام في ظل هكذا فوضى، وبوجود كيانات اقتصادية عملاقة تقتات على المال العام وتستنزفه لتغطية نفقاتها والتزاماتها العسكرية والولائية وغيرها؟ من الطبيعي أن ينهار هكذا نظام، أو يقف على شفا انهياره، فقد أبلى بلاءً حسنًا في ربط كل شيء بناقة الدين والمذهب في الألفية الثالثة. وعلى ذكر إيرادات الدولة، نقف مع إيرادات العتبات المقدسة الثلاث: الحسينية، والعباسية، والعلوية، التي لا تنحصر في الاستثمارات التجارية والصناعية والزراعية، وإيرادات الأوقاف والمشاريع التابعة لها، والشركات، والمؤسسات التعليمية الأهلية، والنذور، والتبرعات، فالقائمة طويلة. إنها إيرادات ضخمة تُقدَّر بمليارات الدولارات تحققها العتبات سنويًا، وتتمتع بميزانية مستقلة عن وزارة المالية، وإدارة معفاة من الضرائب، وغير مطالبة بكشف البيانات المالية وأوجه الإنفاق، فهذه أمور بعهدة منظومات إدارتها الداخلية المستقلة عن المؤسسات الحكومية. ومع ميزانيتها الضخمة، يبدو أنها بحاجة ماسة دائمًا إلى الدعم من المال العام لتغطية نفقات مواكبها المليونية، على الرغم من كثرة المتطوعين للخدمة المجانية، والمتبرعين لتغطية النفقات، والمساهمين بمواكبهم الخاصة بكامل نفقاتها. والسؤال المهم هنا: إذا كانت العتبات تعاني من عجز مالي في تغطية نفقاتها، وهي تمتلك كيانات اقتصادية ضخمة اجتاحت السوق بتنوع استثماراتها في مختلف الحقول المتاحة أمامها، وبأقصى التسهيلات، فمن حق المواطن الاطلاع على بياناتها المالية الموثقة، وأوجه إنفاقها، مع بيان حجم العجز السنوي بشفافية مدعومة بالأرقام، فحجم الإنفاق الحقيقي لا يقاس بالشعارات والتلخيصات الشفاهية. وهذا حق طبيعي للمواطن على العتبات، كون الدعم سيخرج من المال العام، أي من جيب المواطن نفسه، فهو من يصرف على نفسه في المواكب ضمنًا، ودون إرادته أو درايته. ولكن من يأبه بحقوق المواطنين في مرحلة سياسية انسلخت عن المعنى، وصار فشل النظام فيها يوصف، أو يُختصر، بـ”أزمة مالية”، والفساد سبيلًا يُشاد به للخلاص، فيما يُساوم الموظف على الراتب مقابل كرامته ويطالب بالاكتفاء بالخبز والماء.
#فاتن_نور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مساحات 9
-
عندما يحارب الفاسدون الفساد
-
حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور
-
مناقل البلوط
-
جهابذة السوس
-
مساحات 8
-
بلا جوهر
-
مساحات 7
-
وقفة مع مصنع السحاب
-
صنو الكريستال
-
مساحات 6
-
قبعات
-
القناع والظل
-
هستيريا جزيرة إبستين
-
أسوار مفتوحة
-
هجاء
-
التآكل بمياه النهر
-
العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية
-
المتحرشون ضحايا أيضاّ
-
عصيّ الدولة الرخوة
المزيد.....
-
مدى نفوذ الحوثي وإلى متى -يبقى محور المقاومة- لإيران؟.. نظرة
...
-
أمريكا تلغي هجمات مقررة ضد إيران وترامب يوضح السبب
-
ترامب يعلن تعليق الهجوم على إيران وقبول اتفاق مبدئي لفتح مضي
...
-
مخاطر ارتداء الحذاء غير المناسب
-
الكبد عضو صامت.. 8 إشارات تكشف تدهور وظائفه
-
طبيب يحذر من تناول البذور بقشورها.. ويكشف حقيقة علاقتها بالت
...
-
لماذا نصاب بنزلات البرد في الصيف؟
-
طبيب يحذّر من تأثيرات خطيرة لاعتلال الأعصاب الكحولي
-
أزمة جديدة قرب قناة السويس قد تدفع الناتو للتدخل
-
روسيا تقصف المحمية البولندية-لفوف
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|