|
|
ثالوث الإسلام السياسي
فاتن نور
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 00:17
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تنويه: التناول السيكولوجي هنا يستشرف علم النفس التحليلي.
يتجسد التأثير السيكوباثي للإسلام السياسي في التزام المنضوين تحت لوائه بالطاعة والانصياع والخضوع، وإلا واجهوا النبذ الذي قد يصل إلى حد التكفير. فلا يصبح السكوت خيارهم الأنجع وحسب، بل قد يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث يستبطنون القهر للدفاع عن مصدره، ويحاولون تبرير جرائم الحاكم وفشله، واقعين في خندق ساديته ومازوخيتهم، فيصبحون هم الضحية التي تعشق جلادها وتناصره حتى آخر سوط. فالإسلام السياسي يستمد قوته من الشرعية الدينية التي يكون ممثلًا عنها، أو مصدرًا لها، حتى في حال فشله في القيادة. فهو لا يُجهد نفسه لإخضاع الشعب لإرادته بالقوة، وإنما يجرّه بنعومة ليُخضع هو نفسه بنفسه، وذلك عبر منظومة متشابكة من المقدسات والرموز والطقوس والأدعية والتشبث بالقبور، وإغراق المسافة بين الحاكم والمحكوم بفعاليات ممنهجة لاستحضار التراث وأحداثه الماضوية، بآلامها وأحقادها وصراعاتها، للتعامل مع صغائر الأمور وكبائرها. فالتراث المؤدلج هو المصدر الأساس الذي يقتات عليه للهيمنة، وتكريس الخوف والرهبة والشعور بالذنب في حال الانزياح عنه. هكذا تصبح العلاقة بينهما، أي بين الحاكم والمحكوم، علاقة ترويض ممنهج وتلقين مستمر لتقبّل كل ما يقرّه الحاكم، مهما كان مجحفًا وخارج سياق الحاضر وتحولات الواقع، طالما أن العلاقة قائمة تحت سقف حاكمية السماء ومن يمثّلها على الأرض من منظوره، وتحت ذريعة حفظ الهوية. فكل سؤال أو طرح خارج أفق هذه العلاقة هو “غزو فكري أو “مؤامرة”، أما النقد البنّاء فمفهومه يتحول إلى تعرية هدّامة؛ إذ يصعب عليه فهمه كفعل وفاء للذاكرة الإنسانية، من أجل قراءة الماضي بحيادية وضمن سياقاته التاريخية وأدواته المعرفية، فلا يحيل العادي إلى خارق، ولا الإنسان إلى كيان مقدس، فالبشر خطّاؤون. ولكن سوق القداسة والخطوط الحمراء تصبح، تحت حكمه، أرخص من أسواق البالة. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾. وردت هذه الآية في سورة الكهف، الآية 110، وسورة فصلت، الآية 6، على التوالي. واليوم نرى أن من لا يُوحى إليهم يرون أنفسهم فوق البشر بمجرد إمساكهم بسلطة. وبينما تميل علاقة المواطن بنفسه في ظل الإسلام السياسي إلى أن تكون مازوخية الطابع في الغالب، وخصوصًا للسائرين في ركابه، حيث يُعاد تشكيل وعيهم، ولكن ليس بمعنى التلذذ بالظلم والقهر واستلاب الحقوق، بل عبر تقبّلهم لهذه الأمور. فمع أنها من صميم معاناتهم اليومية، تراهم ينأون بأنفسهم لاجترارها بالسكوت، متجنبين التمرد على الحاكم بإعادة تفسير كل شيء: فالطاعة تصبح عبادة، والفقر محض ابتلاء، والظلم يقدم بوصفه حماية؛ فقسوة الحاكم مثل قسوة الأب على أبنائه، أما الذنوب فتمحوها العبادات والمظاهر الدينية، حتى لو كانت زائفة. وهذا النمط من مازوخية الرضا الأعمى، المذلّ للكرامة الإنسانية، يقود إلى التكيّف مع المظالم كضرورة للبقاء على جادة الإيمان بالعقيدة في عين الحاكم ومظلته الدينية، ويحقق الاندماج المطلوب في المجتمع. ففي نظر الإسلام السياسي، الدولة إما أن تكون مؤمنة أو كافرة، وهذا التصنيف يشي بفقر معرفي كبير؛ فالدولة كيان مؤسساتي خدمي، إما أن تكون ناجحة في تأدية واجباتها أو فاشلة. وربما يجيب هذا ضمنًا عن سؤال مفصلي: لماذا يرضخ المؤمن المأخوذ بالدين السياسي، أو يميل إلى الرضوخ والتبرير، بينما يتمرد غيره، كما يتمرد اللاديني والكافر والعلماني؟ أو بصياغة أخرى: لماذا يميل المؤمن إلى القناعة والرضا بكل ما يقدم له، مهما كان مجحفًا وهاتكًا لإنسانيته، أكثر من غيره؟ لو عدنا القهقرى إلى الوراء، فإن "كفار" قريش لم يكونوا ملحدين إلا بالقدر الذي تشيعه السردية الدينية؛ فالقضية لم تكن إيمانية، فقد كانوا مؤمنين بالله قبل الدعوة، وبموجب النص القرآني نفسه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، الآية 25 من سورة لقمان: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. أما كونهم اتخذوا وسطاء بينهم وبين الله من الحجارة الصماء، فصاروا مشركين بفعلهم هذا، فنحن اليوم، في الحقيقة، أكثر شركًا منهم بأصنامنا الناطقة باسم الله. ما الفرق؟ سؤال يبقى قائمًا طالما اتخذنا أصنامًا بشرية لتقرّبنا إلى الله زلفى. وإذا كان هناك ثمة فرق، فلصالح من اتخذ أصنامًا لا تنبس ببنت شفة؛ فلا ضجيج يومي ولا تدخل سافر في كل شيء. القريشيون مؤمنون، وكانوا على معرفة بأمورهم الدنيوية ومقتضيات تجارتهم، وما يسد احتياجاتهم ومتطلبات عيشهم. فكانوا يعارضون ويتمردون عندما تتعرض مصالحهم للخطر أو التهديد من قبل أي جماعة تسعى إلى تغيير كل شيء لصالحها. وهذه حالة طبيعية وصحية لم يمنعهم إيمانهم بالله من ممارستها، ولم تمنعهم أصنامهم الصامتة من المحاججة والمجابهة والخروج على من بيده السلطة، كما تفعل أصنام اليوم الصائتة تحت ذرائع نفعية شتى. والسيكوباثية، لمن لا يعرفها، هي اعتلال في الشخصية، سواء كانت متمثلة في شخصية فرد أو جماعة أو كيان أو أيديولوجيا. ومن أبرز ظواهرها فقدان التعاطف، والقدرة العالية على التلاعب الإدراكي، والكذب المستمر، والخداع دون تأنيب للضمير أو شعور بالذنب، مع تضخم الأنا بشكل كبير، يقود إلى استصغار الآخرين والتعامل معهم باستعلاء مرضي. وكلها صفات موجودة في بنية الإسلام السياسي وبيئته. أما الذين لم يسقطوا في خندقه، فهم في مأمن عن هذا التأثير السيكوباثي وإسقاطاته المازوخية؛ فهم لا يرون في الحاكم أكثر من موظف مكلّف بتأدية واجباته والتزاماته بإتقان. فلا علاقة له البتة بالسماء ونظامها الآخروي من موقع تكليفه على أرض الواقع، وبقدر ما يقدم لشعبه ينال الرضا والاحترام. فالاحترام المتبادل بين الحاكم والمحكوم حق يُكتسب بتأدية كل طرف دوره بأمانة. وسيکوباثية الإسلام السياسي خطيرة للغاية، لأن وقودها أناس بسطاء آمنوا بالخلق والخليقة، فيتم استغلال إيمانهم بأبشع الطرق، وفي سياقات قد تصل إلى حد الجريمة المنظمة بحقهم، لسلب حقوقهم الطبيعية وتدمير حياتهم. إذ يحيل الإسلام السياسي المحكوم تحت مظلته من ذات إنسانية لها قيمة واحتياجات ينبغي تلبيتها، إلى موضوع مجرد للاستغلال والإيلام والإخضاع والتهميش. وتخرج السلطة القضائية تحت خيمة الإسلام السياسي عن مهنيتها وحياديتها، وتلجأ إلى تكسير عظام المفاهيم القضائية والقانونية، وفقء عين العدالة من أجل تبرئة الحاكم وحاشيته وأصحاب النفوذ من جرائم كبرى، إذا اقترفوها باستغلال مكانتهم ووظيفتهم. وتكفل لهم حق الاحتفاظ بما سرقوه، مع فرض مكانتهم الاجتماعية المتدنية بالرذائل على المجتمع. إضافة إلى هذه الثنائية (السيكوباثزوخية) ـ وهذا تركيب اصطلاحي باجتهاد شخصي استخدمه هنا للدلالة على الإسقاطات المازوخية للسيكوباثية ـ يتمتع الإسلام السياسي بصفات نرجسية أيضًا، والنرجسية هنا ليست كما يفهمها العامة. فهي مصنفة في علم النفس التحليلي كنوع من أنواع اضطراب الشخصية؛ فهي شخصية ضعيفة، سواء كانت متمثلة في فرد أو جماعة أو نظام أو تيار، تسعى دائمًا إلى ملء فراغها الداخلي، وإسقاط مخزونها اللاواعي من الصراعات والهشاشة، المستمد من لواعج مراحلها السابقة، على الضحية عبر إذلالها، كآلية دفاعية لإفراغ ذلك الشحن الداخلي المخبوء كالظل في أعماقها. فهي تقتات على ردود أفعالهم وانكساراتهم، وتستنزف طاقاتهم كوقود لتوهج غرورها. وهي تشترك مع الشخصية السيكوباثية في علامتها الفارقة: التلاعب الإداركي. فمحاولة إلغاء حواس الضحية، ودفعها إلى رؤية العالم من خلال حواسها هي، وفهم أحداثه كما تفهمها هي، تُعد من الممارسات الرئيسية للشخصية النرجسية. فهي، بتلاعبها هذا، تحاول فرض سيطرتها الكاملة على ضحيتها، سواء كانت فردًا أو جماعة أو مجتمعًا، وجعلها مطية لها كي تشعر بالعظمة والنفوذ وامتلاء الأنا. والحقيقة أن بين النرجسية والسيكوباثية خيطًا رفيعًا؛ فالقواسم المشتركة بينهما كثيرة، إنما المحرك والدافع مختلف. فبينما تتلاعب الشخصية النرجسية لترضي غرورها المجروح، تتلاعب الشخصية السيكوباثية لتحقيق مصلحة؛ فهي أكثر برودًا مع الآخرين، ولا تأبه بهم بقدر ما تأبه باستغلالهم، ولا تتفجر غضبًا بالنقد مثل الشخصية النرجسية، التي يعري النقد هشاشتها وفراغها الداخلي. والإسلام السياسي تجتمع فيه هذه الصفات والمتناقضات؛ فرغم الهشاشة المعرفية وضعف الخبرة القيادية، يتعامل بفوقانية وبرود مع غير المنتمين إلى أيديولوجيته، أو ممن تختلف طرائق تفكيرهم وفهمهم للعالم عن طرائقه وفهمه التي يعتبرها هي الأمثل بشكل مطلق. وفي العمق الداخلي يختبئ الشعور بالعجز عن إنتاج قيمة حضارية، كما تختبئ في ظلاله البنيوية الرغبات المكبوتة والأحلام المؤجلة، وهوس السيطرة على العالم المتجذر لاستعادة أمجاد الماضي، والشغف المستعر لهتك التنوع الثقافي والفكري بنرجسية الجمود المعرفي الذي يعدّه أصالة، وسيكوباثية الاستغلال والمصلحة التي يعتبرها حقًا إلهيًا مشروعًا، وسادية إذلال من يقع تحت سيطرته وتدجينه لإذلال نفسه بالرضا والسكوت، ويُعد هذا النمط المازوخي طاعةً لله وعبادة. إنه ثالوث الاعتلال النفسي للإسلام السياسي وأي دين سياسي. فمعادلة ((دين زائد سياسة)) ناتجها يكون هذا الثالوث المدمر للصحة النفسية والعقلية والحياة بشكل عام، والمفكك للدولة التي تقع تحت حكمه على صفيح ساخن من التلاعب بالدين وإخضاعه لمنطق الاستغلال والمنفعة والهيمنة، واستنزاف التقية والمداراتية المقننة لحماية الحاكم وحاشيته دون المحكوم.
August 26, 2026
#فاتن_نور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مناقل البلوط 2
-
وتصغر في عين الصغير العظائم
-
مساحات 9
-
عندما يحارب الفاسدون الفساد
-
حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور
-
مناقل البلوط
-
جهابذة السوس
-
مساحات 8
-
بلا جوهر
-
مساحات 7
-
وقفة مع مصنع السحاب
-
صنو الكريستال
-
مساحات 6
-
قبعات
-
القناع والظل
-
هستيريا جزيرة إبستين
-
أسوار مفتوحة
-
هجاء
-
التآكل بمياه النهر
-
العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية
المزيد.....
-
التوتر في إيران يضاعف محنة الأقليات وتيرة الانتهاكات بحق ال
...
-
115 مستوطنا يقتحمون باحات المسجد الأقصى
-
مقطع مصور لاحتجاجات في بريطانيا تطالب بتطبيق الشريعة الإسلام
...
-
المسيحية تتراجع والأصولية تتقدم.. أي مفارقة هذه يا أمريكا؟
-
الفاتيكان يدعو موسكو وكييف إلى استئناف المفاوضات وإنهاء الحر
...
-
منتدى دولي بطشقند يبحث دور الإعلام في التعريف بالحضارة الإسل
...
-
لافروف وغالاغر يؤكدان استمرار الحوار بين روسيا والفاتيكان وي
...
-
بدأت بمكبرات الأذان ووصلت إلى وقف نهائي.. ما قصة أزمة دينا ا
...
-
عبدول السيد ينأى بنفسه عن جدل حول تصريحات عن اليهود وإسرائيل
...
-
حين تهدم -جرافات العدالة- المساجد في الهند
المزيد.....
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
المزيد.....
|