أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الحسين سلمان عاتي - الحروف العبرية 22-22















المزيد.....


الحروف العبرية 22-22


عبد الحسين سلمان عاتي
باحث

(Abdul Hussein Salman Ati)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 21:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حروف النور
الحرف الثاني والعشرون

معنى الأبجدية العبرية
الحاخام آرون ل. راسكين
Rabbi Aaron L. Raskin

"تاف" (ת) هو الحرف الثاني والعشرون والأخير في الأبجدية العبرية.
القيمة العددية: 400.
القيمة الاجمالية
ת (400) + י (10) + ו (6) وتساوي 416

النطق: يُنطق "ت" (T) عند وجود علامة "الداغيش" (النقطة)، ويُنطق "س" (S) عند غيابها (لدى اليهود الأشكناز).
المعنى: 1. الحقيقة 2. العلامة 3. الحياة أو الموت.

فهرس الحرف :
1. القصة
2. التصميم
3. الجماتريا (علم الاعداد)...Gematria
4. المعنى

تفاصيل الحرف
1. القصة
عندما كان "الرِبي راشاب" -الرِبي الخامس لحركة "حاباد"- في الرابعة أو الخامسة من عمره، ذهب باكياً إلى جده "تسيماخ تسيديك".
فسأله جده: "يا بني العزيز، لماذا تبكي؟"
فأوضح الصبي الصغير قائلاً: "لقد تعلمتُ للتو في المدرسة الدينية (الـ"خيدر") أن الله تجلى لإبراهيم".
فسأله: "إذن، لماذا تبكي؟"
فأجاب: "لقد تجلى الله لإبراهيم، فلماذا لا يتجلى لي أنا؟"
فأوضح له جده أن من يبلغ التاسعة والتسعين من عمره ويكون مستعداً لامتثال أمر الله بختان نفسه، يكون أهلاً لتجلي الله عليه؛ فحتى بعد أن يرتقي المرء بنفسه عبر تسع وتسعين درجة -وهي درجة تقارب الكمال-، يظل عليه أن يتحلى بالتواضع أمام الله.

2. التصميم
الحرف الثاني والعشرون والأخير في الأبجدية العبرية هو حرف "تاف" (Tav).

يتشكل حرف "تاف" من دمج حرفي "داليت" (Dalet) و"نون" (Nun)؛ وهذان الحرفان يشكلان معاً اسم "دان" (Dan)، وهو أحد أسباط بني إسرائيل. في رحلة التيه في الصحراء، قُسّمت أسباط بني إسرائيل الاثنا عشر إلى أربع محلات (مجموعات). وعندما كانت الأسباط تتهيأ للرحيل، كان سبط "دان" هو آخر من يتحرك؛ فإذا نسي أحد الأسباط الأخرى شيئاً وراءه، كان سبط "دان" يتولى جمعه وإعادته إليهم.

يقول التلمود: "من يُدعى أحمق؟ هو من يضيّع ما (كلمة ماه بالعبرية) أُعطي له". وعلى مستوى أعمق، فإن مفهوم "ما أُعطي له" — الذي تعبر عنه الكلمة العبرية "ماه" (Mah) — يشير إلى حالة التواضع؛ فالشخص المتواضع يقول: "ماه" (أي: ما أنا؟)؛ "أنا لا شيء أمام الله".

إن اليهودي، الذي تستمد روحه وجودها من الله ذاته، يتسم بطبيعته بالتواضع. وحين يفقد المرء هذا التواضع — أي ذلك الشيء الذي "أُعطي له" — فإنه يقطع صلته بروحه ويُعدّ أحمق. وهكذا، امتلك سبط "دان" القدرة على إعادة القداسة والتواضع (أي جوهر "الماه") إلى بقية أسباط بني إسرائيل.

يمكن فهم أهمية سبط "دان" من خلال تشبيهه بجسم الإنسان؛ فالجسم يتكون من رأس ويدين وقدمين. للوهلة الأولى، يبدو الرأس أعظم شأناً من القدمين نظراً لتفوقه العقلي، لكن الرأس لا يستطيع بلوغ وجهته ما لم تحمله القدمان إليها. ويمثل سبط "دان" أقدام الشعب اليهودي؛ فهو يجسد الدور الذي يوصل الرأس إلى وجهته. وكيف يتم ذلك؟ من خلال التواضع. فالرأس هو — حرفياً — مركز التفكير والقيادة، وهذا الأمر غالباً ما يورث الغطرسة والغرور (كما يقال: "صعد الأمر إلى الرأس"). أما القدمان، في المقابل، فلا تملكان عقلاً؛ إنهما تعملان طوال اليوم لنقلنا إلى وجهاتنا دون أن تنالا أي تقدير أو تكريم. وإن التأمل في الخدمة المتواضعة التي تؤديها القدمان يمكن أن يقودنا إلى التحلي بالتواضع.

لا يمتلك كعب القدم حساً أو إدراكاً واعياً؛ لذا فإن وضع كعب القدم داخل الحذاء -حيث يسود الظلام- يرمز إلى مفهوم قبول "نير السماء" في عالم يتسم بالبرودة والظلمة. وكما أن القدمين تشكلان أساس ودعامة الجسد البشري، فإن قبول "نير الله" يمثل أساس الديانة اليهودية. إذ يتوجب على المرء التحلي بالتواضع لتقبل مشيئة الله دون تساؤل أو محاولة لإخضاعها للفهم العقلي المحدود. وهنا يأتي دور الحرف العبري "تاف" (Tav) -الذي يرمز إلى التواضع- ليتيح للفرد تبني محبة الله والتوراة باستمرار، وهي أمور قد يسهل جداً التخلي عنها أو إغفالها بسبب الأنا البشرية والغطرسة.

وعلى الصعيد العملي، تحمل كلمة "دان" (Dan) معنى "الحكم" أو "التقييم". يدرك اليهودي ضرورة تقييم كل فعل قبل الإقدام عليه؛ فمن خلال الرجوع إلى "شولحان عاروخ" (Shulchan Aruch) -أي مدونة الشريعة اليهودية- يتعلم المرء أن لكل فعل -سواء كان واجباً شرعياً صريحاً أو أمراً يتجاوز ظاهر النص- نطاقاً محدداً ومسؤوليات وتفاصيل خاصة به. ومن خلال الإقرار بسلطة هذه المدونة الشرعية، يصبح بوسع المرء الامتثال لجميع أحكام الله على أكمل وجه. ومرة ​​أخرى، لا يتحقق ذلك إلا بالتواضع؛ فلو اعتمد المرء على عقله وفكره الشخصي فقط، فقد يستسلم للغطرسة ويقنع نفسه بأن وصية ما ليست بتلك الأهمية. فقد يلتزم حرفياً بالوصايا التي يراها "مهمة" -مثل حفظ السبت أو تجنب عبادة الأصنام- بينما يتساهل في الوصايا التي يعتبرها "صغيرة" أو ثانوية -مثل مكان وضع "المزوزة" (التميمة اليهودية على عتبة الباب)، أو ارتداء "التيفيلين" (تمائم الصلاة) يومياً، أو تفاصيل الالتزام بقوانين الطعام "الكوشر" (الحلال شرعاً)- إذ لا يرى ضرورة للتدقيق فيها، ولا يكترث لما تنص عليه مدونة "شولحان عاروخ" بشأنها. غير أن سبط "دان" يعلمنا أن الخضوع الحقيقي لشريعة الله -بكل جوانبها وتشعباتها- يتطلب محاسبة النفس والتحلي بالتواضع.

ثمة جانب آخر يتعلق بحرفي "الدال" (Dalet) و"النون" (Nun) المكونين لحرف "التاف" (Tav)، ويرتبط بالخصائص المميزة لكل حرف منهما. وكما أُوضِح سابقاً في الفصل المخصص لحرف "الدال"، فإن هذا الحرف قد يحمل دلالة الفقر (كلمة "دال" - Dal) أو دلالة الرفعة والسمو (كلمة "ديليتاني" - Dilitani، أي "رفعتني"). ويعتمد المعنى الذي يتخذه حرف "الدال" على الجانب المحدد الذي يمثله رفيقه، حرف "النون".

وكما ذُكر آنفاً، يرمز حرف "النون" إلى "أوناه" (Ona’ah)، أي الخداع أو الغش. وهناك نوعان من هذا الخداع: النوع الأول هو "أوناه" التي تفضي في النهاية إلى الألم والدمار، وذلك مصداقاً للقول: "يُجازي أعداءه [في حياتهم] ليُهلكهم". ففي هذه الحالة، ورغم انغماس المرء كلياً في السعي وراء ملذات النفس، فإنه في الواقع يتعرض للخداع؛ لأنه سيعاني من العواقب على المدى الطويل.

أما النوع الثاني فهو "أوناه" التي تؤدي إلى نيل المرء للمكافأة والارتقاء. فعندما خلق الله العالم، حجب ذاته داخل قوانين الطبيعة، وهو ما يُعد "الخداع الأسمى". وحين يجتهد المرء للعثور على الحقيقة الكامنة وراء هذا الخداع، ويلتزم بقوانين التوراة في مسعاه هذا، فإنه -رغم ما قد يواجهه من صعوبات مؤقتة- سيجد الله في النهاية وينعم بملذات الجنة إلى الأبد.

عندما يمثل حرف "النون" النوع الأول (الخداع المدمر)، فإن حرف "الدال" يكتسب دلالة الفقر؛ إذ أن الانغماس المفرط في الملذات أو الشهوات يقود المرء حتماً إلى الخطيئة. ولن يجد هذا الشخص وقتاً للتواصل مع الله أو تقدير النعم الروحية في حياته، لانشغاله الدائم بالتوق إلى المزيد من الملذات والسعي خلفها. وهكذا، ورغم أن هذه الملذات قد تبدو مغرية ومبهرة في البداية، إلا أنها تؤدي في النهاية إلى الفقر.

أما عندما يمثل حرف "النون" النوع الثاني (الذي يقود إلى تجلّيات متدرجة للألوهية وتهذيب النفس)، فإن حرف "الدال" يكتسب دلالة السمو والرفعة، ويرتقي الفرد بفضل ذلك.

وفيما يتعلق بجيل الطوفان، تخبرنا التوراة أن نوحاً كان "صديقاً" (Tzaddik) -أي رجلاً باراً- "في جيله" (b’dorotav). ويمكن تقسيم كلمة "بيدورتاف" (b’dorotav) إلى كلمتين: "بيدورو" (b’doro) و"تاف" (tav). وبذلك، تكون خطيئة جيل نوح متمثلة في حرف "التاف"، أي الإفراط في الملذات، وهو ما ينعكس في حرف "النون" الذي يحمل دلالة "الإفراط" في هذا السياق. سمح الله لأهل ذلك الزمان بأن يفعلوا ما يشاؤون؛ فلم يقيّدهم أو يعاقبهم على أفعالهم الخاطئة، بل تركهم يواصلون غيّهم حتى ضلّوا لدرجة استحال معها عودتهم إليه. وكانت الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام الله لإصلاح العالم آنذاك هي تدميره بواسطة الطوفان.

يوضح "الرِبّي" (الزعيم الروحي) جانباً آخر من تصميم حرف "التاف" (Tav) العبري؛ إذ يتألف هذا الحرف من ثلاثة خطوط، مما يجعله شبيهاً بحرف "الهاء" (Hei) الذي يتكون أيضاً من ثلاثة خطوط: خطان عموديان وخط أفقي. وترمز هذه الخطوط إلى دراسة التوراة (الفكر)، والصلاة (القول)، وأداء الأعمال الصالحة (الفعل). وبما أن "التاف" هو الحرف الأخير -وبالتالي يمثل ذروة الأبجدية العبرية- فهو يرمز إلى الشخص الكامل على كل هذه الأصعدة. غير أن حالة "الكمال" هذه قد تؤدي أحياناً إلى الغرور؛ ولذا، فإن حرف "اليود" (Yud) الموجود في الزاوية اليسرى السفلية يكمل حرف "التاف" ليضفي عليه سمة التواضع. فعندما يدرك المرء أنه بلغ مرحلة الكمال وأنه أتمّ رسالته بتحقيق قدره، يتحتم عليه أن يصل إلى "يود" التواضع؛ وهذا ما نلحظه في تصميم حرف "التاف".

عندما بلغ إبراهيم التاسعة والتسعين من عمره، وكان قد وصل فعلياً إلى مرتبة الكمال، أمره الله بأن يختتن. لقد قال له الله: "إذا اختتنتَ" (وهو فعل يرمز أيضاً إلى التخلص من "الأنا" أو الكبرياء)، "فستكون كاملاً". ولماذا ذلك؟ لأن المرء إذا رأى نفسه كاملاً دون أن يتحلى بالتواضع، فلا وجود لكمال حقيقي؛ إذ لا يتحقق الكمال إلا عندما يختتن الإنسان "أناه" ويتخلص من كبريائه.

3. الجماتريا (علم الاعداد)...Gematria
تبلغ القيمة العددية لحرف "تاف" (Tav) 400. ونجد الرقم 400 مذكوراً مراراً وتكراراً في التوراة؛ ومن الأمثلة على ذلك حين احتاج إبراهيم لشراء مكان لدفن زوجته سارة. تخبرنا التوراة أنه ذهب إلى عفرون، زعيم الحثيين، في مدينة حبرون وطلب منه قطعة أرض، فردّ عفرون بأنه سيبيعها مقابل 400 شيكل. والجدير بالذكر أن القيمة العددية (الجيماتريا) لاسم "عفرون" (עפרן) تساوي 400: حيث أن حرف "عين" (Ayin) يساوي 70، و"بي" (Pei) يساوي 80، و"ريش" (Reish) يساوي 200، و"نون" (Nun) يساوي 50. ومما له دلالة هامة أن حبرون كانت أول مدينة في أرض إسرائيل يشتريها الشعب اليهودي رسمياً.

علاوة على ذلك، فإن قيمة حرف "تاف" في نظام "الجيماتريا الصغيرة" هي أربعة. وتُعرف المغارة التي دُفنت فيها سارة باسم "مغارة الأزواج الأربعة"؛ إذ دُفن فيها كل من آدم وحواء، وإبراهيم وسارة، وإسحاق ورفقة، ويعقوب وليئة.

كما يمثل الرقم 400 عوالم النعيم الأربعمائة التي سينالها الصالحون في "العالم الآتي". وتبلغ أبعاد أرض إسرائيل، وفقاً لما ورد في التوراة، 400 في 400 "ميل" (والميل يعادل كيلومتراً واحداً تقريباً).

ويرتبط الرقم 400 أيضاً بـ "العهد بين الأجزاء" (Covenant between the Parts)، حين ألقى الله سبحانه وتعالى سباتاً عميقاً على إبراهيم وأخبره بأن نسله سيقيمون في أرض غريبة (أرض مصر) لمدة 400 عام، ثم يخرجون منها بثروة عظيمة وبيدٍ قوية (ذراع ممدودة).

وهناك مثال آخر للرقم 400 يظهر في قصة لقاء يعقوب بأخيه عيسو بعد إقامة دامت 20 عاماً في بيت لابان؛ فعندما اقترب يعقوب من عيسو، عَلِم أن عيسو رجل ذو قوة وبأس، إذ كان يرافقه 400 رجل. ونتيجة لذلك، أرسل يعقوب رسولاً ليقول لعيسو: "لقد أقمتُ (غارتي - garti) في بيت لابان لمدة 20 عاماً". تحمل كلمة "غارتي" (גרתי) - التي تعني "أقمتُ كغريب" - قيمة عددية (جماتريا) تبلغ 613، وهي بذلك ترمز إلى الوصايا الـ 613. وما أراد يعقوب إيصاله لأخيه هو: "على الرغم من أنني عشتُ في بيت لابان الشرير، إلا أنني لم أخالف أياً من الوصايا الـ 613". ويمكن أن تشير كلمة "غارتي" أيضاً إلى العيش بصفة غريب؛ ففيما يتعلق بوجود يعقوب المادي وجوانب الحياة المادية، كان يعقوب يعيش كغريب، بمعنى أنه كان يدرك أن الماديات والجسديات ليست سوى وسيلة لخدمة الله، وليست غاية في حد ذاتها. وقد منحه هذا الإدراك القوة للالتزام بالتوراة بأكملها. وبما أن حاصل ضرب عشرين في عشرين يساوي أربعمائة، فقد أصبح يعقوب - بعد عشرين عاماً من الصقل الروحي - قادراً على التغلب على رجال عيسو الأربعمائة.

وأخيراً، يمكن للقيمة العددية لحرف "تاف" (tav) أن ترمز إلى كل من مستويات الشر الأربعمائة وشرارات الألوهية الأربعمائة الموجودة في العالم؛ وبذلك يجسد حرف "تاف" القدرة على تحويل هذه الطاقات السلبية إلى شرارات إيجابية.

4. المعنى
يُعلِّمنا التلمود أن الحرف العبري "تاف" (Tav) يرمز إلى كلمة "إيميت" (Emet)، أي "الحقيقة". والسبب في تمثيل كلمة "إيميت" بحرفها الأخير (تاف) وليس بحرفها الأول (ألف) هو أن جوهر الحقيقة يتحدد في نهاية الرحلة أو المسار، وليس في بدايته؛ فغالباً ما تبدو حقيقة الأمر غير جذابة عند البدء فيه، ولا ندرك أن طريق "إيميت" كان المسار الوحيد الصحيح إلا بعد رؤية النتيجة.

هذا هو سبب استخدام حرف "تاف" للدلالة على كلمة "إيميت". فلو أراد حكماء التلمود اختيار حرف يرمز للحقيقة، لكان بإمكانهم اختيار حرف "ألف" (Aleph)، وهو الحرف الأول في الكلمة؛ لكنهم اختاروا "تاف" لأن هذا الحرف يمثل الغاية النهائية للبشرية، وذروة خدمتنا الإلهية الرامية إلى إصلاح العالم. وهذه الحقيقة ستتجلى بوضوح في المراحل النهائية لمجيء "المشيح" (المسيح المنتظر).

بالإضافة إلى ذلك، يشير التلمود إلى أن كلمة "شيكر" (Sheker) - أي الزيف أو الكذب، وهي نقيض "إيميت" - تُكتب بأحرف "شين" (Shin) و"كوف" (Kuf) و"ريش" (Reish)، وهي الأحرف الثلاثة الأخيرة في الأبجدية العبرية التي تسبق حرف "تاف". في المقابل، تتكون كلمة "إيميت" من الأحرف "ألف" و"ميم" (Mem) و"تاف"، وهي الحرف الأول والأوسط والأخير في الأبجدية. والسؤال هنا: لماذا تتباعد أحرف كلمة "إيميت" بهذا الشكل مقارنة بأحرف كلمة "شيكر"؟ يستنتج التلمود أن أحرف "شيكر" متقاربة لأن الزيف شائع ومنتشر، بينما يصعب العثور على الحقيقة؛ وتُعبِّر المسافة الكبيرة بين أحرف كلمة "إيميت" عن هذه الندرة والصعوبة.

يقول المزمور 119: "رأسُ كلامِكَ حَقٌّ" (أي أن أول ما نطقْتَ به هو الحقيقة). وقد ناقشت عدة تفاسير هذه العبارة؛ إذ يشير أحدها إلى أن الحرف الأول في الوصايا العشر هو "ألف" (في كلمة "أنوخي" - Anochi). والحرف الأول في "المشناة" (Mishnah) هو "ميم" (في كلمة "مئيماتاي" - M’eimatai). والحرف الأول في "الجمارا" (Gemara) هو "تاف" (في كلمة "تانا" - Tanna). وبذلك، تُشكِّل أحرف "ألف" و"ميم" و"تاف" كلمة "إيميت".

علاوة على ذلك، يُعلِّمنا التلمود أن "ختم الله هو كلمة إيميت ". وكما يضع كل فنان توقيعه على لوحته، يضع الله توقيعه في مخلوقاته، أي في هذا الكون. يرد هذا المفهوم في تفسير كتاب "الزوهار" للكلمات الثلاث الأخيرة في قصة الخلق: "... bara Elokim laasot" — أي "[استراح من كل عمله] الذي خلقه الله وصنعه". وتُشكّل الأحرف الأخيرة من هذه الكلمات الثلاث (ברא אלקים לעשות) كلمة "إيمت" (emet)، أي "الحق". ولماذا؟ لأن صنيع الله مشبع ببصمته التي هي الحق.

في يوم السبت (الشبّات)، تتضح الغاية من خلق الله للعالم؛ فقد خلق الله العالم ليقوم البشر بإصلاحه وإتمامه — أي "laasot" (العمل/الصنع). ومن خلال الالتزام بالتوراة والوصايا (الميتزفوت) وزيادة أعمال الخير واللطف، نجعل العالم مكاناً أفضل للعيش. وبهذه الطريقة، نجلب الله —الذي هو الحق— إلى العالم.

وأخيراً، يخبرنا كتاب "التانيا" أن الله يُدعى "إيمت" (الحق) لأن الحقيقة الوحيدة المطلقة هي الله.

يوضح "الرِبّي" أن كلمة "إيمت" تتكون من حرف "ألف" (Aleph) وكلمة "ميت" (met). يرمز حرف "ألف" إلى الله، خالق الكون؛ فإذا أزيل حرف "ألف" من كلمة "إيمت"، تتبقى كلمة "ميت"، التي تعني "الموت".

المعنى الفعلي لحرف "تاف" (tav) هو "علامة". ففي سفر حزقيال، يُذكر أنه عندما كان الله على وشك تدمير الهيكل المقدس، أمر ملاكه بوضع علامة على جباه الناس؛ وكانت تلك العلامة هي حرف "تاف". وقد وُضعت العلامة للأبرار بالحبر، بينما وُضعت للأشرار بالدم.

يمكن لحرف "تاف" أن يرمز إلى كلمة "تيخيه" (ticheyeh) التي تعني "الحياة"، ولكنه قد يرمز أيضاً إلى كلمة "تاموت" (tamut) التي تعني "الموت". وهكذا، يظل معنى "تاف" كـ "علامة" متسقاً مع الطبيعة المزدوجة لقيمته العددية (الجماتريا) البالغة 400، إذ تحمل هذه القيمة جانباً إيجابياً وآخر سلبياً (أي العوالم الروحية الأربعمائة المليئة بالبهجة مقابل رجال عيسو الأربعمائة). ونظراً لأن "تاف" هو الحرف الأخير في الأبجدية العبرية، فإن هذه الازدواجية تكتسب أهمية خاصة. قد يقع حرف "التاف" (Tav) -الذي يأتي في ختام الحروف الأبجدية الاثني عشر وما تحمله من دلالات ومعانٍ على المستويين الظاهر والباطن- بسهولة في فخ الثقة المفرطة بالنفس، فيقول: "لقد أتممتُ السلسلة الكاملة للحروف، وحققتُ ما يرمز إليه كل حرف منها؛ فانظروا إلى كمالي".

غير أن رسالة حرف "التاف" تحمل لنا درساً أبدياً؛ فهي تخبرنا بأننا إذا واصلنا السعي وراء تعاليم التوراة بتواضع، فإن ذلك يعني "تِخْييه" (Ticheyeh)، أي الحياة الحقيقية. أما إذا سعينا وراء هذه الحقيقة بدافع الغطرسة، فإن النتيجة تكون "تاموت" (Tamut)، أي الموت؛ وهو النقيض التام للحياة الحقة.

وكما ذُكر آنفاً، فإن الساق اليسرى لحرف "التاف" تتضمن في ثناياها حرف "اليود" (Yud). فبعد أن نستوعب حروف الأبجدية التي تمثل التوراة بأسرها، يجب ألا ننسى أن المستوى الأسمى -والأساس الذي تقوم عليه الأبجدية بأكملها- هو حرف "اليود" الذي يرمز إلى التواضع.

ومن خلال تبني هذا التواضع، يكتسب المرء القدرة على تطبيق وصايا التوراة بروح نقية وقلب مفعم بالبهجة؛ إذ إن أداء هذه الوصايا سيُظهر الجوهر الحقيقي لحروف النور الاثني عشر، وهي الحالة المثلى التي ستواكب الأيام الوشيكة لمجيء "المشيح" (المسيح المنتظر).


https://www.chabad.org/library/article_cdo/aid/137287/jewish/Tav.htm



#عبد_الحسين_سلمان (هاشتاغ)       Abdul_Hussein_Salman_Ati#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحروف العبرية...21-22
- الحروف العبرية...20-22
- الحروف العبرية...19-22
- الحروف العبرية...18-22
- الحروف العبرية...17-22
- الحروف العبرية...16-22
- الحروف العبرية...15-22
- الحروف العبرية...14-22
- الحروف العبرية...13-22
- الحروف العبرية...12-22
- لحروف العبرية...11-22
- لحروف العبرية...10-22
- لحروف العبرية...9-22
- لحروف العبرية...8-22
- لحروف العبرية...7-22
- الحروف العبرية...6-22
- الحروف العبرية...5-22
- الحروف العبرية...4-22
- الحروف العبرية...3-22
- الرطان في فهم القران.....9


المزيد.....




- -نحمي اليهود فقط-.. ناشط أجنبي يوثق انتهاكات جيش الاحتلال في ...
- الحردلية.. من المدرسة الدينية إلى ساحات الحرب
- تصعيد في الأقصى: 40 ألف مستوطن اقتحموا المسجد منذ مطلع العام ...
- 300 مستوطن يقتحمون الأقصى تزامنا مع بدء موسم الأعياد اليهودي ...
- ألمانيا.. استقالة مفاجئة لنائبة الأمين العام للحزب الديمقراط ...
- كتلة صويانا ترفض تدخل القوى السياسية في الشأن الداخلي للمكوّ ...
- الفاتيكان: تعيين رئيس أساقفة معاون لأبرشية الرباط خلفا للكار ...
- ترمب واليهود المناهضون للصهيونية: هل بدأ يتصدع احتكار إسرائي ...
- المشكلة اليهودية ومشروعات الاستيطان بين إسرائيل -العبرية- وب ...
- تاريخ موجز لإنحسار الوجود المسيحي المعاصر في العراق


المزيد.....

- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الحسين سلمان عاتي - الحروف العبرية 22-22