فرح تركي
أديبة، قاصة، فري لانسر، ناقدة ادبية
(Farah Turki)
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 14:00
المحور:
مقابلات و حوارات
سيدة عراقية نبيلة، سارت مركبة الامومة والنهج التربوي بها إلى ضفة أدب الأطفال والصحافة، بدأت نشاطها الادبي بعد نجاحها في ترجمة قصص للاطفال باللغة الإنكليزية لتتسع دائرة قراءة تلك القصص وهي تمسك بيدها على دقة الاختيار التي تجذب الاطفال نحو عوالم القراءة، هي تساهم بنقائها وأنسجامهم معها في توظيف الادب والكتابة لخلق جيل متعلم شغوف، وترياقها هو الخيال فقد جعلت الاشجار تتكلم...
ضيفتي الاديبة والأستاذة رجاء فرج وهذا الحوار اللطيف الذي جرى بيننا:
# الأديبة والقاصة الأستاذة رجاء فرج، كل التقدير والاحترام، نحن والقراء نطالبكِ ببطاقة تعريفية لكِ غير نمطية؟
رجاء فرج، أم لثلاثة أطفال، عشت سنوات من حياتي بين التعليم والكتب والأطفال. تبدو هذه الكلمات بسيطة، لكنها تختصر الكثير مني؛ فالتعليم علّمني الصبر والإنصات، والأطفال فتحوا لي أبواباً واسعة إلى الخيال، والكتب كانت رفيقتي في مراحل كثيرة من حياتي. ومن بين هذه العوالم الثلاثة بدأت علاقتي بالكتابة، وما زلت أتعلم منها .
#في الحكايات يكون الخيال ذا أثر كبير، وخاصة مع الأطفال الذين يحبون الاستكشاف، هل من الممكن أن تتكلم الأشجار؟
_نعم، في الحكاية تستطيع الأشجار أن تتكلم، فالخيال يمنح الطفل فرصة ليرى الأشياء من زاوية مختلفة. كتبت قصة «هل الأشجار تتكلم؟» انطلاقاً من فكرة علمية عن التواصل بين الأشجار، وحوّلتها إلى حوار بين طفلة وشجرة، لأقرّب المعلومة إلى الطفل بطريقة بسيطة وممتعة. يرتبط الخيال في قصص الأطفال بالمعرفة، فيخرج الطفل من الحكاية وهو يحمل سؤالاً جديداً أو معلومة لم يكن يعرفها. وفي هذه القصة لم تكن الشجرة تتكلم لمجرد الخيال، بل كان حديثها مدخلاً للحديث عن التعاون والتواصل بين الأشجار، وعن أهمية المحافظة على الطبيعة.
# أنتِ تربوية ولك تجارب في الحياة، ما هي الأسباب التي تجعل الإنسان يلتزم الصمت حين يتم التعدي على حقه، وخاصة في مجال العمل؟ وهل هذا التصرف «السكوت عن الحق» صواب؟
_الخوف من خسارة العمل أو المكانة، والخوف من الدخول في مواجهة مع شخص يمتلك سلطة أو نفوذاً، من أكثر الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الصمت عن حقه. ومع تكرار الصمت، يتحول الأمر إلى عادة، فيتقبل الإنسان ما كان يرفضه في البداية، وربما يصبح الدفاع عن الواقع الخاطئ أسهل عليه من محاولة تغييره.
تطرقت إلى هذه الفكرة في مقالي «قيود السلوك والفكر النمطي»، لأن بعض القيود لا تكون سلاسل أو أبواباً مغلقة، بل تكون داخل العقل نفسه. والسكوت عن الخطأ لا يجعل الخطأ صواباً، كما أن مرور السنوات على ممارسة معينة لا يمنحها الشرعية. من حق الإنسان أن يحافظ على عمله، لكن من حقه أيضاً أن يحافظ على كرامته، ويعبّر عن رأيه بطريقة واعية ومحترمة. لذلك لا يكون السكوت عن الحق صواباً عندما يتحول إلى قبول بالظلم والتنازل عن الكرامة.
# ما الفرق بين الأمومة وأدب الطفل، وكيف يسهل كونكِ أماً أن تختاري موضوع القصة؟
_الأمومة وأدب الطفل يلتقيان في الاهتمام بالطفل، لكنهما ليسا شيئاً واحداً. الأم تعيش مع طفلها تفاصيل يومه، وتعرف أسئلته ومخاوفه وما يفرحه، أما الكاتب فيحتاج إلى تحويل هذه الملاحظات إلى حكاية تحمل فكرة وتناسب عالم الطفل ولغته وخياله.
كوني أماً لثلاثة أطفال منحني قرباً أكبر من عالم الطفل، وجعلني أكثر انتباهاً إلى التفاصيل التي تمر من أمامنا من دون أن نلتفت إليها. لكن اختيار موضوع القصة لا يأتي من الأمومة وحدها؛ فتجربتي في التعليم، وقراءاتي، وملاحظتي للأطفال، كلها مصادر أعود إليها عندما أبحث عن فكرة تصلح لأن تكون قصة. وأحياناً تبدأ الفكرة من موقف صغير أو سؤال يطرحه طفل.
# ما هي أكثر المحطات في حياتكِ التي تفتخرين بها؟
_أكثر ما أفتخر به في حياتي هو نجاح أولادي وتميزهم، فعندما أشاهدهم وهم يحققون خطوات جميلة في حياتهم أشعر أن كل ما بذلته من أجلهم لم يذهب سدى. الأم تفرح بنجاح أبنائها بطريقة يصعب وصفها، لأن جزءاً من فرحتها يكون في رؤيتهم يكبرون ويشقون طريقهم بأنفسهم.
أما الكتابة، فهي محطة أعتز بها لأنها منحتني فرصة للتعبير عن أفكاري ومشاركة ما أكتبه مع الآخرين. وأفرح بكل نص كتبته ووصل إلى قارئ، وبكل تجربة أضافت شيئاً إلى طريقي.
#لكِ تجربة مع الترجمة، حدثيني عنها؟
_تجربتي الأولى مع الترجمة مرتبطة بعملي في التعليم واهتمامي بعالم الأطفال. بحكم اختصاصي في اللغة الإنكليزية، وجدت في الترجمة وسيلة أستطيع من خلالها أن أقدّم للأطفال نصوصاً جديدة ومختلفة. لفت انتباهي نص مسرحي للأطفال بعنوان «القرد الذكي»، فترجمته وقدّمته لطلابي، واستخدمته في تدريبهم على المسرحية.
تفاعل الأطفال مع النص وأحبوه، وكانت فرحتي كبيرة عندما رأيت ما صنعته الكلمات المترجمة في نفوسهم. وبعد ذلك طُبع النص ووزعت نسخ منه على مكتبات المدارس في مديرية الرصافة الثانية، بمساعدة اتحاد أدباء ميسان. وكانت تلك التجربة من أولى خطواتي في الترجمة والكتابة للأطفال .
# الطفل في عام 2026، هل من الممكن أن يلتفت إلى شيء آخر غير التكنولوجيا والسرعة؟
_بالتأكيد، فالطفل لا يبحث عن التكنولوجيا وحدها، بل يبحث عن شيء يثير فضوله ويمنحه متعة الاكتشاف. التكنولوجيا أصبحت جزءاً من حياة أطفالنا، لكن الكتاب والحكاية واللعب والطبيعة والحوار مع الأسرة ما زالت قادرة على جذب الطفل عندما نقدّمها له بطريقة قريبة من عالمه.
الطفل الذي يجد من يحاوره ويقرأ له ويترك مساحة للسؤال والتخيل، لن تكون التكنولوجيا عالمه الوحيد. دورنا ليس أن نبعد الطفل عنها، وإنما أن نمنحه عوالم أخرى جميلة إلى جانبها.
# الست رجاء، كيف يمكننا أن نجعل الطفل يمحو من قلبه العداء نحو طفل آخر؟
_الطفل لا يولد حاملاً العداء، وإنما يتعلمه من محيطه، أو يتشكل لديه بسبب موقف لم يفهمه بطريقة صحيحة. لذلك تبدأ معالجة الأمر بالاستماع إليه ومعرفة السبب الذي جعله يشعر بالغضب أو الكراهية، بدلاً من الاكتفاء بمطالبته بأن ينسى ما يشعر به.
الحوار واللعب المشترك والحكاية من الوسائل التي تساعد الطفل على فهم الآخر والتقرب منه. وعندما نعلّم الطفل أن الاختلاف لا يعني العداء، والاعتذار والتسامح والتعاون قيم جميلة، نساعده على بناء علاقات أكثر سلاماً. وأدب الطفل يستطيع أن يؤدي دوراً مهماً في ذلك، لأن القصة تصل إلى الطفل من خلال شخصيات يحبها ومواقف يعيشها بخياله، فتجعله يفهم مشاعر الآخرين.
# في الأدب حالياً تقام دورات للكتابة، برأيك هل الأدب شيء يمكن تعليمه أو تقليده من إنسان إلى آخر، بعيداً عن تقنية الذكاء الاصطناعي؟
_الكتابة لها أدوات يمكن تعلمها، والدورات تساعد الكاتب على فهم البناء واللغة وتقنيات السرد، كما تفتح له المجال للتجربة والاستفادة من ملاحظات الآخرين. لكن الأدب لا يُنقل من شخص إلى آخر كما تُنقل مهارة جاهزة، لأن لكل كاتب تجربته وطريقته في الكتابة.
أما التقليد، فقد يكون مرحلة يتعلم فيها الكاتب من قراءاته وتأثره بمن يحب من الكتّاب، لكنه لا يستطيع أن يبني تجربته كاملة على تقليد غيره. الكاتب يحتاج في النهاية إلى أن يجد صوته الخاص وبصمته في الكتابة، وهذا يأتي من القراءة والتجربة والصدق مع النص. لذلك أرى أن الدورات تعلّمنا كيف نكتب، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا الأسلوب الخاص بنا.
#أين نحن تحديداً في العراق من القراءة وأثرها، هل نحن على الخارطة؟
_نحن على الخارطة، لكننا نحتاج إلى حضور أقوى للقراءة في حياتنا اليومية. العراق بلد له تاريخ طويل مع الكتاب والثقافة، وما زال فيه قراء وكتّاب ومكتبات وفعاليات ثقافية، وهناك شباب يتجهون إلى القراءة ويبحثون عن الكتب رغم كل ما يحيط بهم من وسائل جذب أخرى.
لكن القراءة تحتاج أن تصبح عادة تبدأ من البيت والمدرسة، لا نشاطاً موسمياً مرتبطاً بمناسبة أو فعالية. فالطفل الذي ينشأ وهو يرى الكتاب جزءاً من حياته، يكبر وهو أكثر ارتباطاً به. ودور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية مهم في جعل الكتاب قريباً من الطفل والشاب، لأن أثر القراءة لا يظهر في عدد الكتب التي نقرأها فقط، بل في طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الحياة وقدرتنا على الحوار والاختلاف.
# هل مررتِ بأزمة أياً كانت وكانت الكتابة هي الملجأ منها؟
_نعم، مررت بظرف صعب مع مرض والدتي، وكانت الكتابة في تلك الفترة مساحة أهرب إليها من ثقل القلق والحزن. لم تكن الكتابة تلغي ما أعيشه، لكنها كانت تمنحني لحظات أستعيد فيها هدوئي وأرتب أفكاري.
في أوقات الأزمات نكتشف أشياء كثيرة عن أنفسنا، وأنا اكتشفت أن الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد نص أكتبه، وإنما مساحة أستطيع من خلالها أن أعبّر عما لا أستطيع قوله أحياناً. لذلك بقيت قريبة مني حتى في أصعب الأوقات.
# في الختام، أقدم لكِ باقات ورد وأترك الكلمة لكِ، نصيحة أو رأي أو مشورة لكل الكتاب من جيلكِ.
_أقول لكل من يكتب وأنا معهم: الكتابة طريق يحتاج إلى وقت وتجربة وقراءة كثيرة. اكتبوا لأن لديكم ما تقولونه، لا لمجرد أن يكون لكم حضور في المشهد. اقرأوا كثيراً، وراقبوا الحياة من حولكم، فالكثير من الأفكار الجميلة تولد من تفاصيل صغيرة لا نلتفت إليها.
والأهم أن يبحث كل كاتب عن صوته الخاص، فلا يكرر تجربة غيره ولا يقيس نفسه بالآخرين. لكل إنسان حكايته ونظرته إلى الحياة، وحين يكتب بصدق يجد مكانه افضل . أن أجمل ما في الكتابة أنها رحلة لا تنتهي، وكل نص جديد يمنحنا فرصة لأن نتعلم ونكتشف شيئاً جديداً.
#فرح_تركي (هاشتاغ)
Farah_Turki#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟