فرح تركي
أديبة، قاصة، فري لانسر، ناقدة ادبية
(Farah Turki)
الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 19:13
المحور:
مقابلات و حوارات
هو يكتب الشجن بذاكرة ممزوجة بطين الفرات وبمعناه المؤجل، عرفته الهرقطات بأنة كاتب حذر مع اللغة ولكنه بارع في توظيف لغته الام مع العربية الفصحى، أخذ على عاتقه حفظ الترات بشجونه وذكرياته قبل أن تتداركها أفات النسيان، سريع في التقاط اللحظة الراهنة، مختبأ بحب الفرات الأوسط، في قضاء المهناوية في محافظة القادسية، في العراق، الذي يقدسه كانه أب له وحده دوننا..
الحاصل على عشرات الجوائز الادبية، وحاضرا في الكثير من لجان التحكيم بكل مهنية الاديب الدكتور نصير جابر الصامت الذي تنوب عنه كلماته في كل سطر يكتبه ، سواء كان رثاء او مجد او ذكرى،هو يفتح نافذة قلبه لنشاركه حفاوة اللحظة التي ولد فيها الحرف..
في هذا الحوار القليل عنه، والذي سمح لنا بمشاركته للقراء عن ارائه...
• كيف للشجن أن يمتلك ذاكرة، وهل هذا العنوان هو مدخل الى الكثير والكثير من الأحزان في حياة الأديب والكاتب والأكاديمي نصير جابر؟
- كانت حياتي شجنا خالصا ، كثيفا ، إذ عشت مصادفات قدريّة كثيرة جعلت من أيامي وكأنّها سلسلة من الأحزان الثقيلة التي لا تريد أن تنتهي ، فقد الأب المبكر ، ثم توالي الفقدان في وقت متسارع : العم ، الخال ، الجد ، زيارة المقبرة الشهرية التي صارت جزءا من ذاكرتي ، (أشرطة النعي) التي حفظتها وأنا طفل ، ثم ّالانتقال إلى منطقة أخرى ، لأفتقد الأصدقاء والمدرسة والبستان والحياة التي كنت أعيشها بمحبّة غامرة على الرغم ممّا بها من أحزان ، صدقيني كنت لسنوات طويلة أشتاق للنخلات في بستاننا ، وحينما أعود لخرائب دارنا القديمة أحتضن نخلة معينة كانت وسط الحوش تماما ،
وكأنها أحد أفراد عائلتي ، لأنّها شاهد عيان ،عاشت معهم طويلا ، وحفظت دقائق حيواتهم ، لذلك حاولت أن أوثق كلّ التفاصيل ، أن أنقل وأعلّب لحظات الزمن بكلّ أمانة ، لأعيش داخلها حتى الأبد .
• متميز أنت في تشكيل الأحداث بلون تراثي هو الأقرب إلى ذاكرتنا البعيدة حيث الطفولة والزمن البسيط، هل ما زلت هناك وتمسي علينا من هناك؟
_نعم ، مازلت وسأبقى هناك ، تركت الريف تماما منذ عام 1984ولكنني ماكث فيه ، لا أستطيع أن أتجاوزه لذلك حرصت على كتابة كلّ شيء يتعلق به ، من جزئيات وتفاصيل فضلا عن اللهجة والفلكلور الشعبي . مع لحاظ أن بيئتنا لم تظهر في الأدب سابقا لذلك حرصت على نشرها وبيان مواطن جمالها الأخاذ .
وهناك مشاريع كثيرة كلها تدور في هذه البيئة .
الكتابة مغامرة في المحبّة ، لابد أن ننجح بها أو نتركها.
• ما الذي تضيفه لك أو لأي أديب تجارب التحكيم في مسابقات القصة أو المسابقات الأدبية عموما؟
_ أصبحت حكما في مسابقات للقصة والشعر والخطابة ولاشك في أن التحكيم تجربة مثيرة ، تجعلك تقف في منطقة الحياد- أو هذا هو المفترض منك - وتنظر للنصّ من خلال ضوابط معينة محدّدة ، قد تكون بعيدة عن العاطفة ، ولكنها قريبة من ثوابت النصّ الناجح المؤثر ، وفي التجارب التي خضتها قرأت عشرات النصوص واطلعت على تجارب كثيرة ، لذا خرجت بحصيلة ورأي. ...الحصيلة معروفة وهي القراءة لتجارب متنوعة . أما الرأي ، فهو أن الفوز لايعني دائما أن النص متكامل ، وعدم الفوز لا يعني أن النص غير جيد ، لأقول لك شيئا قد يبدو غريبا ، هناك ضربة حظ في النصوص التي تفور ، الحظ هنا لا يعني مجمعة مصادفات بل هو أن تنطبق الضوابط التي يريدها الحكام من النص في اللحظة التي يظهر بها .
• كونك أديب وحاصل على مؤهل أكاديمي (دكتوراة ) ، ما هو سرّ نجاح بعض الروائيين في تحشيد القراء حول كتبهم؟
_ هناك روايات كثيرة ناجحة على المستوى الشعبي ، وتنتشر بسرعة البرق وتحقق مبيعات كبيرة ، وقد ساهمت وسائل التواصل في نشرها والحقيقة أن أغلب هذه الروايات لا تمتّ للرواية الحقيقية بصلة ، بل هي مجموعة (سوالف) سخيفة وتافهة ، وجدت مناخا مرضيا لتتشكّل وتنمو وكأنها مجرّد فطر طفيلي ، وإذا أردنا أن نعدّد الأسباب التي تقف خلف ذلك ، نحتاج إلى مقالة منفصلة ، لكن اختصارا أقول : الروايات التافهة موجودة في كلّ عصر وزمان ، ولكنها الآن أكثر انتشارا بسبب سهولة النشر وتفاعل كم كبير من القراء ، الذين اتحفظ على وصفهم بالسذاجة أحيانا ، ولكنهم سذّج فعلا. وهم السبب الأول والأخير في بقاء هذه الروايات . وصنع أسماء تافهة جدا .
• هل تبعثر الأخطاء اللغوية من قيمة النص الأدبي، على الرغم من امتلاك الأديب/ة امكانيات سردية صادقة وحيوية؟ ولماذا؟
_نعم اللغة هي الأداة ، وهي الأساس ، ولا يمكن أن نفرط فيها كشرط رئيس للإبداع ، ولكن لنعترف أن اللغة صعبة وليس من الهين امتلاك ناصيتها وهناك الكثير من الأدباء دراستهم لاتمتّ بصلة لعالم اللغة والأدب ، لذا عليهم –وهذا هو المنطق – أن يجتهدوا في تمحيص نصوصهم قبل نشرها.
نعم بعضهم يمتلك موهبة كبيرة ولكنه لا يمتلك زمام اللغة ، وهذا التناقض يجب أن يحلّ بمبادرة من الكاتب .
• القراءة الإلكترونية، هل ساعدت في عبور الأدب للمجتمعات وكسر كلفة النقل والبيع من خلال ناشري الكتاب الورقي، وهل هذا في خدمة الأدب أم ضده؟
_نعم الكتاب الإلكتروني غيّر طقوس القراءة إلى الأبد وقد ساهم في نشر المعرفة وتسهيل وصولها ، فضلا عن الجانب المادي ، ولكنه في الوقت نفسه جاء بمجوعة مشاكل بنيوية ، بعضها أخلاقي وبعضها موضوعي ، لأن التزييف صار أسهل . والتبجح بالمعرفة صار أسهل أيضا.
•الأديب نصير جابر، كيف تتعامل مع الشهرة، حتى لو لم تكن لك هدف؟
_لا أظن أن هناك شهرة في الأدب ، والمرات القليلة جدا التي تعرّف علي بعض من يقرأ لي ،كانت بسبب الفيسبوك .
في بداية دخولي معترك الكتابة وبخاصة في الصحافة كنت أظن أنني سأصبح مشهورا ، وكان ذلك من أحلامي الساذجة التي تركتها الآن .
لا شهرة في الأدب ، نحن الكتاب بالكاد نعرف بعضنا .
•لماذا قمر الناصرية العتيق، شاحب، مقطع من نصّ في مجموعتك (المعنى المؤجل 2012)؟
_هذه جملة شعرية وردت في نصّ عن الشاعر العراقي الكبير عقيل علي ، الذي أعتقد أنه أحد أهم الأصوات الشعرية العراقية الحداثية ، وفيها حاولت أن أقترب من نهايته الصادمة .لحظة الموت التي قرأتها في الصحف ، وتخيلت كيف يموت شاعر رقيق ومرهف مثله .
• ما هي القصة الناجحة في نظرك ؟
_القصة الناجحة ، والرواية الناجحة ، وبعيدا عن الاشتراطات التي يحدّدها النقد – مع لحاظ إنها مهمة وحقيقية - لابدّ أن تكون بكلّ بساطة تجايل وتحاور عصرها ، ، يجب أن نعي عصرنا وماذا يدور فيه لنعرف كيف يكون السرد الناجح ، مرّة قلت أن الإبداع مرتبط باللحظة التاريخية فلو ظهرت (المسخ ) الآن لكانت رواية من الدرجة الرابعة . التقنيات السردية مهمة ، واللغة مهمة ، لكن كيف نصل إلى ما نريده من القصة أو الرواية هو الأهم .
•لك صورة، في وسط الريف الهادئ في المهناوية تنم عن بساطة وتواضع وأنت تختار لك عرشا من النبات في سكينة واطمئنان، ما هي مكانة المهناوية في قلبك؟
_كنت ناقما على ولادتي في الريف....لكن الأن ..أنا ممتن للصدف التي جعلتني أولد تحت نخلة زهدي وأول شيء أحبه رائحة الطرفاء اليابسة والحلفاء ...سمعت هديل الفواخت حدّ التخمة وركضت خلف الأرانب والزرازير
والأبقار والجراء ...عرفت الفرق بين ...الدكل والخستاوي ...عرفت الفرق بين الدنان والشلب ...أحب التنور ...والكرب والليف والمشاويف ...أحب الدهلة بحمرتها الغرينية ...أحب السيسبان والغرب والخروع والصفصاف واليوكالبتوز
أحب أهلي بشايهم وقهوتهم ووشومهم وطلاسمهم .....وأتمنى أن أكون قد جعلت من اسم هذه المدينة معروفا.
• لماذا أنت كسول ، هل هذه خطة للكتابة تنتهجها بأن تكون كتابات مهمة ودقيقة أم أنك قليل الإنتاج ؟
_ لست مقلا أبدا ،أكتب كثيرا ، كتابي (أمانات باب الوجع) يتكون الآن من أكثر من 600صفحة وربما أكثر ، لكنه مشروع مؤجل ، لأسباب كثيرة ...ولكن لأقول لك سرا ، طوال 10 سنوات كتبت خمس روايات وقد أحرقتها تباعا على الرغم من الجهد الكبير الذي أبذله ، أترك الرواية ، ثم أعود لها ، فأجدها ليست كما أريد ، لذلك أحرقها. واحدة منهن ، أخذت مني سنوات ، ثم في لحظة قررت أن أحرقها ، جلست أتأمل تعب وجهد وسهر ضاع في لحظات...لكن ...كنت سعيدا لأنني أريد أن أترك أثرا حقيقيا لا مجرد سرد لا معنى له.
روايتي السادسة بدأتها عام 2022...أتمنى أن أنشرها ، على الرغم من رغبتي بحرقها أيضا ، لكن هذه المرة ، ستكون أن شاء الله جاهزة قريبا وسأقاوم الرغبة ..وأطبعها !
12- هناك امرأة تظهر في كتاباتك بأسماء مختلفة .هل هي واقعية ؟
-يافعة هي الأكثر ظهورا ، نحن من نكتب بصدق - وهذا ربما ادعاء مني - نكذب الكذبة ونصدّقها ، أحيانا كثيرة أبحث عن يافعة بطلة أغلب قصصي في الواقع لكنها تسبقني إلى مقهى آخر أو شارع آخر .. ثقي أحيانا أظنها حقيقة ، وأصدّق أنها موجودة ، الكتابة هي يافعة أو ربما يافعة هي الكتابة.
• الاديب العراقي الدكتور نصير جابر، شكرا لسعة صدرك ولأجوبتك الجميلة ولهذه الفرصة للحوار، نتمنى لك التوفيق والعلا.
#فرح_تركي (هاشتاغ)
Farah_Turki#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟