أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - السادة القضاة وإدارة عملية الانتخابات وإشكالية الفصل بين السلطات















المزيد.....

السادة القضاة وإدارة عملية الانتخابات وإشكالية الفصل بين السلطات


سالم روضان الموسوي

الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 15:37
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


في الأيام الأخيرة برزت خلف الكواليس حوارات سياسية تطالب بضرورة إبعاد القضاة عن إدارة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وقد خرج هذا النقاش إلى العلن بتصريح أدلى به السيد نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق قبل أيام، ليعيد إلى الواجهة جدلاً قديما حول حدود الدور القضائي في العملية الانتخابية،
وهذه المناسبة تفتح الباب لاستعراض الإطار الدستوري الذي رسمه نص المادة (88) من الدستور العراقي التي جاء فيها (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة)، وما تثيره من تساؤلات حول مدى انسجام إشراك القضاة العاملين في السلك القضائي (غير المتقاعدين) في إدارة الانتخابات مع مبدأ الفصل بين السلطات، خاصة إذا ما قورن بالتجارب الدولية التي حصرت الطعون الانتخابية في ولاية القضاء الدستوري دون أن تزج بالقضاة في الإدارة السياسية للعملية.
وحيث ان الدستور العراقي في المادة (88) أكد على استقلال القضاء، بإقراره مبدأ (أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون)، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة. هذا النص يُجسد مبدأ الفصل بين السلطات الذي رسخته النظرية الدستورية الكلاسيكية منذ مونتسكيو في روح القوانين، وتقوم فلسفتها على منع تداخل السلطات ضماناً للحرية ومنع الاستبداد، غير أن تطبيق هذا المبدأ يثير إشكالية عند النظر في دور القضاة في العملية الانتخابية، التي تكون بطبيعتها عملية سياسية وإدارية وليست قضائية بحتة،
وبما ان المادة (88) تحمي القضاء من تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتؤكد على أن القاضي لا يخضع إلا للقانون، لكن وفق نظرية توازي الأشكال يمكن القول إن النص لا يمنع السلطات الأخرى من التدخل في القضاء فحسب، بل يمنع القضاء أيضًا من التدخل في أعمال تلك السلطات حفاظًا على التوازن الدستوري، ويذكر ان احد الذين كانوا من الإباء المؤسسين للنظام الدستوري الأمريكي جورج هاملتون كان قد اعتبر أن استقلال القضاء وعدم تداخله مع السلطات الأخرى هو الضمانة الكبرى لحماية الدستور والحرية، ولا توجد سيادة لصالح القضاء على أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية وانما الجميع يخضع لسلطة الشعب باعتباره مصدر السلطات وعلى وفق ما ورد رسالته 78 بتاريخ 28/مايو، أيار/1788 (نقلا عن الأوراق الفدرالية – هاملتون، ماديسون، جاي – ترجمة عمران أبو حجيلة ـ منشورات دار الفارس للنشر والتوزيع في الأردن – الطبعة الأولى عام 1996-ص554)
وبما الانتخابات تُدار عبر المفوضية العليا المستقلة للانتخابات المشكلة استنادا لنص المادة (102) من الدستور، وهي هيئة مستقلة ذات شخصية معنوية، لذلك فان إشراك القضاة العاملين في إدارة المفوضية يزج بهم في عمل سياسي وإداري يتعارض مع طبيعة وظيفتهم القضائية،
لكن يمكن تبرير إشراف القضاة على مرحلة الاقتراع لضمان النزاهة باعتباره دوراً رقابياً محايداً من خلال الاشراف على صناديق الاقتراع فقط، أما إدارة العملية الانتخابية من الألف إلى الياء كتسجيل الناخبين وتنظيم الدوائر وإعلان النتائج وقبول المرشحين وابعادهم، فهذه الإجراءات تعد عملاً سياسياً لا يتناسب مع استقلال القضاء،
فضلا عن ذلك وجود قضاة عاملين في المفوضية وهم خاضعون لمجلس القضاء الأعلى يخل بمبدأ الاستقلال، لأنهم مرتبطون وظيفياً بسلطة أخرى، بينما القانون يجعلهم تحت رقابة مجلس النواب (السلطة التشريعية وعلى وفق احكام المادة (102) من الدستور التي جاء فيها (تعد المفوضية العليا لحقوق الانسان والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وهيئة النزاهة، هيئات مستقلة تخضع لرقابة مجلس النواب، وتنظم اعمالها بقانون) والمادة (1) من قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم 31 لسنة 2019، وهذا الوضع يفتح الباب أمام الطعن في حيادهم ويجعلهم عرضة لشبهات التسيس، وهو ما يتناقض مع فلسفة المادة (88) من الدستور،
وكذلك تضمن قانون المفوضية ممارسة صلاحية حصرية لمجلس النواب من مجلس القضاء الأعلى حينما منح السيد رئيس مجلس القضاء صلاحية ارسال أسماء المرشحين لمجلس المفوضين الى رئيس الجمهورية لاصدار مرسوم تعيينهم، بينما المفوضية بحكم الدستور لا ترتبط بمجلس القضاء الأعلى وانما تخضع لرقابة مجلس النوابـ واذا لم تحدد بشكل واضح جهة ارتباطها فان مهامها هي التي ترسم ملامحه الارتباط ويكون بمجلس الوزراء، ولم يرد فيه ان يكون الارتباط بمجلس القضاء الأعلى وعلى وفق ما ورد في قرار المحكمة الاتحادية العليا التفسيري رقم 88/اتحادية/2010 في 18/1/2011 والذي اكدته في قرارها العدد 43/اتحادية/2019 في 11/7/2021 وقد جاء فيه توصيف للمركز الدستوري احدى الهيئات المستقلة ، ومن التي وردت مع مفوضية الانتخابات في المادة (102) من الدستور وهي مفوضية حقوق الانسان والذي يعد مبدأ مهم دستورياً حيث جاء فيه (وازاء هذا الاستقلال الموصوف فيما تقدم فإن فكرة ربط هذه المفوضية بسلطة من السلطات فكرة تتجافى مع فكرة الاستقلال المؤكد دستورياً وبالتالي تخلص المحكمة الى ان النص التشريعي الذي يتبنى هذه الفكرة فيه خروج على نص دستوري حاكم ورد في المادة(102) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005)
كما تؤكد التجارب الدولية هذا الاتجاه بضرورة ابعاد العملية الانتخابية عن القضاء العادي قدر المستطاع وان وجدت ضرورة قصوى فانه مهامه تكون لصالح القضاء الدستوري وفي بعض البلدان العربية القضاء الإداري، لأنه شأن تنفيذي اداري وسياسي، ومن هذه التجارب ففي فرنسا تتولى وزارة الداخلية إدارة العملية الانتخابية، بينما يقتصر دور المجلس الدستوري على الرقابة وإعلان النتائج، وفي بريطانيا تدار الانتخابات عبر المفوضية الانتخابية المستقلة، ويقتصر دور القضاء على النظر في الطعون بعد إعلان النتائج، أما في الولايات المتحدة فتدار الانتخابات على مستوى الولايات، بينما يقتصر دور القضاء على البت في الطعون الكبرى كما في قضية جورج بوش الابن ضد المرشح الرئاسي في حينه آل غور عام 2000 في الولايات المتحدة والتي تعد مثالاً بارزاً على حصر دور القضاء في الطعون الدستورية، إذ أوقفت المحكمة العليا إعادة فرز الأصوات في فلوريدا بسبب غياب معايير موحدة، وهو ما حسم النتيجة لصالح جورج بوش الابن. وهذا التدخل أبرز أن القضاء لا يدير الانتخابات، بل يقتصر دوره على الرقابة الدستورية وضمان الشرعية.
وفي جميع هذه النماذج، فإن الجهة التي تنظر في الطعون الانتخابية تخضع لولاية القضاء الدستوري حصراً، أي أن القضاء لا يزج في الإدارة السياسية للعملية الانتخابية، وإنما يبقى دوره محصوراً في الرقابة الدستورية وضمان الشرعية فقط،
ومما تقدم فإن المادة (88) لا تقتصر على حماية القضاء من تدخل السلطات الأخرى، بل يمكن تفسيرها بأنها تمنع القضاء أيضاً من التدخل في أعمال تلك السلطات، وبذلك فإن إشراك القضاة العاملين في إدارة العملية الانتخابية يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات ويهدد استقلال القضاء ويفرغ النص الدستوري من مضمونه، وارى ان الحل الأمثل هو أن يقتصر دور القضاء على الرقابة والبت في الطعون الانتخابية ويكون الاختصاص للقضاء الدستوري باعتباره مسؤول عن المصادقة على النتائج الانتخابية وعلى وفق احكام المادة (93/سابعاً) من الدستور، ويجب ان تدار العملية الانتخابية من قبل هيئة مستقلة دستورياً لا ترتبط وظيفياً بأي سلطة أخرى، سواء ارتباط اداري او الرتباط من خلاله تخضع للتعيين والترشيح لاعضاء المفوضية مثلما عليه الحال في القانون النافذ رقم 31 لسنة 2019، وتحقيقاً لمبدأ الفصل بين السلطات وحماية الحياد القضائي، كما هو الحال في النظم الديمقراطية الحديثة.
قاضٍ متقاعد



#سالم_روضان_الموسوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تقلب الولاءات والمنافع الشخصية
- المبدأ: تعتبر جامعة المستنصرية مؤسسة عامة تنطبق عليها المادة ...
- المحاكمة غير العادلة والدور السلبي للمحامين في المحاكمة العس ...
- الأحكام القضائية في ميزان الفقه والقانون، تعليق على قرارات م ...
- هل جريمة الخطف من الجرائم المستمرة؟ قراءة في ضوء فقه القانون ...
- تأكيد الامام الحسن العسكري (ع) على هلاك الظالم
- الفساد والاستبداد وتقلب الطغاة بين الاضداد
- الاغفال التشريعي والسكوت التشريعي، قراءة في قرار المحكمة الا ...
- أثر صدور قانون العفو العام على شرط حسن السلوك والأخلاق في شغ ...
- الذكاء الصناعي وصناعة الأجيال الغبية
- جريمة العدوان واستهداف الحشد الشعبي، في ضوء مسؤولية المعتدي ...
- دماء شهداء الطف والمقاومة والحشد الشعبي، وثيقة الاستفتاء على ...
- اصدار الأنظمة والتعليمات، من يملك الصلاحية، مجلس الوزراء ام ...
- الأجور المفروضة على الخدمات، هدر للمال العام ومنفذ للفساد
- مأساة المؤلف العراقي في حماية حقوقه الفكرية
- الشهادة ليست ماضياً بل عهداً متجدداً ومسؤولية دولة
- ترجيح الاحكام في دعاوى الحلالِ والحرام، قراءة في قرار محكمة ...
- هيبة الشهداء تكشف زيف الطغاة والفاسدين
- هل يجوز تشييع غير العراقيين في الأماكن المقدسة في العراق او ...
- الخصوصية الدستورية والعالمية للمدن المقدسة في العراق، (عواصم ...


المزيد.....




- سوريا.. توقيف 9 طيارين سابقين في اللاذقية بتهم ارتكاب -جرائم ...
- حزب البديل يقاضي ميرتس بسبب اتهامات بـ-التطهير العرقي-
- اليابان تصوت لصالح خريطة للأمم المتحدة وتعارضها فيما بعد بسب ...
- تعداد ترمب السكاني يمحو المهاجرين ويعيد رسم أمريكا
- سوريا.. القبض على 9 طيارين بتهم جرائم حرب خلال عهد الأسد ونش ...
- العقيد موريس يحدثكم عن غوانتانامو.. العناية بضيوف بوش والأدل ...
- اعتقال 9 طيارين باللاذقية بتهم ارتكاب جرائم في عهد النظام ال ...
- سوريا: توقيف 9 طيارين سابقين بتهمة ارتكاب جرائم حرب وقصف مدن ...
- فلوريدا تنفذ حكم الإعدام الـ15 هذا العام بحق رجل أدين بالقتل ...
- -لن نكون كبش فداء-.. المغرب يرفض اتهامات التورط في أزمة المه ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - السادة القضاة وإدارة عملية الانتخابات وإشكالية الفصل بين السلطات