أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - الفساد والاستبداد وتقلب الطغاة بين الاضداد














المزيد.....

الفساد والاستبداد وتقلب الطغاة بين الاضداد


سالم روضان الموسوي

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 12:01
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


في احدى درر نهج البلاغة لأمير المؤمنين الامام علي (ع) كانت خطبة جاء فيها (اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأَمْرِهِمْ مِلاَكاً واتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِأَلسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَزَيَّنَ لَـهُمُ الخَطَلَ، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ في سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالبَاطِلِ عَلى لِسَانِهِ)
وتكشف هذه الخطبة عن صورة الإنسان حينما يتخذ من الشيطان ولياً له، فيتحول من كائن حر الإرادة إلى أداة مسيرة، ينطق بلسان غيره ويرى بعين غيره، ويقع في الزلل عندما يرتكب الحماقة وفي الخطل عندما يكون قوله وسلوكه فاسداً ومضطربا، وهذا الحال لا يقتصر على الأفراد الذين يقعون في المعاصي الشخصية كالسرقة والاختلاس، بل يمتد ليشمل الأنظمة والحكام الذين يستغلون سلطانهم لقهر الناس وإفساد المجتمع، فالشيطان حين (يبيض ويفرّخ في الصدور) مثلما ورد في الخطبة، فانه لا يكتفي بزرع وساوس عابرة، بل يرسخها حتى تصبح جزء من البنية النفسية والسلوكية لذلك الفاسد المضطرب، فيتحول الفساد إلى عادة، والاستبداد إلى منظومة،
ان ما ورد في الخطبة ينطبق على سلوك القائد أو الرئيس الفاسد والدكتاتور الذي يحتمي بالسلطة، لأن الإمام علي (ع) اعدهم ممن جعلوا الشيطان شريكاً لهم في سلطانهم، فصار ينطق بلسانهم ويعمل بجوارحهم، وهذا المعنى يتجسد في الحاكم المستبد الذي يتقلب بين المتناقضات زالاضداد، لا عن قناعة أو مبدأ، بل من أجل حماية نفسه وأمواله ومصالحه، ويبرر الظلم باسم القانون، ويظهر الفساد في صورة نظام، ويتقلب بين المواقف بحسب ما يخدم بقاءه في السلطة،
وهذا يفسّر قول الإمام علي (ع) في الخطبة (فركب بهم الزلل وزين لهم الخطل)، أي أن الشيطان جعلهم يقعون في الخطأ ويزين لهم الكلام الفاسد المضطرب، فضلاً عن ذلك فان هذا السلوك يعكس فقدان الاستقلال الداخلي، ومن الناحية السياسية والقانونية، ان هذا الاستبداد هو صورة من صور الفساد السلطوي الذي يدمر المجتمع، لأنه يحول السلطة من وسيلة لخدمة الناس إلى وسيلة لحماية مصالح فرد أو مجموعة صغيرة، واستغلال المنصب لقهر الناس، حيث يفرض رؤيته على المجتمع ويجبر الناس على ترديد ما ينطق به، فيتحول إلى أداة للباطل باسم السلطة، والرسول الاكرم (ص) حذر منه هذا الاستبداد وظلم الناس بقوله الشريف (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).
اما من يناصر أعداء شعبه ويحارب المقاومين المدافعين عن الأمة، فانه في صميم ما وصفه الإمام علي (ع) في تلك الخطبة، لأنه (ع) يتحدث عن الذين جعلوا الشيطان (مالكاً لأمرهم)، أي اتخذوه ولياً ومرشداً، فالحاكم أو القائد الذي يوجه قوته وسلطانه ضد أبناء شعبه، ويقف في صف أعدائهم، فأنه بذلك قد سلم زمام أمره للشيطان، فصار شريكاً له في سلطانه، ان لم يكن خانعاً له، ومن يحارب المقاومين يزين له الشيطان أن قمعهم حماية للنظام، وفي نصرة الأعداء مصلحة، بينما هو في الحقيقة انحراف عن الحق وخيانة للأمة، اما نصرة الأعداء ضد المدافعين عن الأمة ليست مجرد خطأ سياسي، بل هي صورة من صور الانقياد الروحي والفكري للشيطان، حيث يتحول المستبد الحاكم إلى أداة للباطل، يستخدم سلطته في خدمة أعداء الأمة بدلا من حماية شعبه،
والصورة الرمزية للشيطان قد رسمها الامام (ع) باعتبارها رمز الباطل والظلم والفساد، وعندما ننظر إلى الكيان الصهيوني وخلفه امريكان الشيطان الأكبر وقوى الاستكبار مثل إنكلترا وغيرها، الذين يمارسون القتل والتشريد بحق الملايين، وارتكاب الانتهاكات الجسيمة ضد حقوق الإنسان، نجد أن سلوكهم يدخل في هذا الإطار الرمزي الذي وصفه الإمام علي (ع) ويمثلون قوة باطلة، وهؤلاء لا يكتفون بممارسة الظلم المباشر، بل تسخير بعض الفاسدين والمتسلطين من أبناء الأمة ليكونوا شركاء له في سلطانه، فيحاربون المقاومين والمدافعين، وهو ما يجعل هذه القوى الغاشمة ولاستكباريه في نطاق الخطبة أيضاً، لأنهم صاروا أدوات للباطل، يبررون الظلم ويقمعون الحق، فترى سفراء الاستكبار يوجهون اذنابهم بمحاربة المقاوم الشريف والانصهار في مشروع الشرق الأوسط الجديد، ويحثونهم على التقارب مع من اسهم بل اوغل في دماء العراقيين،
وفي الختام فان العاقبة التي تنتظر المستبدين الذين وقعوا في فخ (الزلل والخطل) كما وصف الإمام علي (ع) في خطبته، هي عاقبة شديدة الوطأة، لأنها تجمع بين الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة،
فالخطبة تشير إلى أن من جعل الشيطان شريكاً له في سلطانه، وصار أداة للباطل، وينطق بلسان الشيطان، فان النتيجة الحتمية هي سقوطه في هاوية الهلاك، والمستبد يواجه سنة الله بان الظلم لن يدوم، والباطل مهما زين لا يثبت أمام الحق، والتاريخ فيه من الأمثلة الكثيرة عن الطغاة الذين تقلبوا بين المتناقضات لحماية أنفسهم وأموالهم، لكنهم انتهوا إلى السقوط، لأن سلطانهم كان مبنياً على الزلل والخطل، لا على الحق والعدل.
قاضٍ متقاعد



#سالم_روضان_الموسوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاغفال التشريعي والسكوت التشريعي، قراءة في قرار المحكمة الا ...
- أثر صدور قانون العفو العام على شرط حسن السلوك والأخلاق في شغ ...
- الذكاء الصناعي وصناعة الأجيال الغبية
- جريمة العدوان واستهداف الحشد الشعبي، في ضوء مسؤولية المعتدي ...
- دماء شهداء الطف والمقاومة والحشد الشعبي، وثيقة الاستفتاء على ...
- اصدار الأنظمة والتعليمات، من يملك الصلاحية، مجلس الوزراء ام ...
- الأجور المفروضة على الخدمات، هدر للمال العام ومنفذ للفساد
- مأساة المؤلف العراقي في حماية حقوقه الفكرية
- الشهادة ليست ماضياً بل عهداً متجدداً ومسؤولية دولة
- ترجيح الاحكام في دعاوى الحلالِ والحرام، قراءة في قرار محكمة ...
- هيبة الشهداء تكشف زيف الطغاة والفاسدين
- هل يجوز تشييع غير العراقيين في الأماكن المقدسة في العراق او ...
- الخصوصية الدستورية والعالمية للمدن المقدسة في العراق، (عواصم ...
- الفساد في العراق وفلسفة القانون
- النصر في القرآن الكريم، من واقعة الطف إلى حاضر الأمة
- حين يصبح الفساد حارساً للديكتاتورية
- النزاهة تصنع النصر .... والفساد يورث الهزيمة
- بَيْعَةُ الغَدِيرِ لَيْسَ وَاقِعَةً مَضَتْ… بَلْ مِيثَاقٌ دَ ...
- البعد الاجتماعي في التحقيق الجنائي، واضاءات اللواء المتقاعد ...
- هوس السلطة وخواء الرؤوس


المزيد.....




- انتشال 11 جثة لمهاجرين غرق زورقهم قبالة تونس
- تونس: انتشال 11 جثة لمهاجرين غرق زورقهم قبالة السواحل الجنوب ...
- تايم: من ينقذ الأمم المتحدة؟
- ألمانيا وإيطاليا.. خلاف متصاعد بشأن استقبال المهاجرين
- استشهاد طفل في نابلس وتصاعد حملات الاعتقال والاستيطان بالضفة ...
- ليبيا.. تنفيذ أحكام بالإعدام بحق 10 مدانين في قضايا إرهاب وا ...
- ليبيا: إعدام 10 مدانين بقضايا إرهاب واغتيالات
- مقارنه حول مفهوم اليوم الاخر من منظور العقيده الاسلاميه والع ...
- الاحتلال يمدد اعتقال طبيبة فلسطينية رغم إصابتها بأزمة قلبية ...
- منع اللاجئين من توكيل المحامين يحرمهم من الحماية والخدمات ال ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - الفساد والاستبداد وتقلب الطغاة بين الاضداد