أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - الخصوصية الدستورية والعالمية للمدن المقدسة في العراق، (عواصم الروح العابرة للحدود)















المزيد.....

الخصوصية الدستورية والعالمية للمدن المقدسة في العراق، (عواصم الروح العابرة للحدود)


سالم روضان الموسوي

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 20:50
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


الخصوصية الدستورية والعالمية للمدن المقدسة في العراق،
(عواصم الروح العابرة للحدود)
تنظر الأنظمة القانونية والدستورية الحديثة إلى المدن المقدسة على انها حالات استثنائية تتجاوز قيمتها النطاق المحلي، لتصبح مراكز استقطاب عالمية، حيث تستقبل ملايين الزوار سنوياً من مختلف الجنسيات والاعراق، ومن هذه المدن مكة المكرمة، الفاتيكان، النجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، وسامراء وبعض مناطق بغداد، التي فيها مرقد الامامين المعصومين والاعظمية وفيها مرقد الامام أبو حنيفة النعمام ومرقد الشيخ عبدالقادر الكيلاني، ومرقد سلمان المحمدي في المدائن، ومقامات ومراقد الأنبياء والاولياء والصالحين، حيث يرتادها الزوار من جميع البلدان ليس لأغراض السياحة وانما للارتباط الروحي والعقائدي، لذلك لم تعد هذه المدن مجرد نقاط جغرافية تابعة لبلدانها، بل تحولت إلى حواضر عالمية تمتلك (دبلوماسية روحية) وسيادة رمزية تجعلها خارجة عن القوالب التنظيمية والضوابط الاعتيادية التي تخضع لها سائر المدن،
وتكتسب هذه المدن عالميتها من طبيعة وظيفتها، فهي ليست مراكز اقتصادية أو سياسية بالدرجة الأولى، بل هي مراكز للقيم الروحية والتاريخية للإنسانية، وهذا البعد العالمي يفرض على الدول الحاضنة لها التزام تسهيل استقبال زائريه في جميع النواحي
والتفت المشرع العراقي لهذه الخصوصية الفريدة لمدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة (إلى جانب العتبات والمقامات الأخرى)، حيث أفرد الدستور العراقي لعام 2005 نصاً صريحاً يضمن حماية هذه المدن وتطويرها، وعلى وفق احكام المادة (10) من الدستور التي جاء فيها (العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها)،
وينطوي هذا النص الدستوري على أبعاد قانونية وإدارية هامة تربط عالمية هذه المدن بالتزام مؤسسات الدولة بالاعتراف بالهوية الرمزية، حيث ان الدستور لا يتعامل مع هذه المدن على انها وحدات إدارية صرفة، بل اضفى عليها طابع (الكيانات الحضارية والدينية)، وهذا يلزم الجهات التشريعية الى سن تشريعات خاصة تلائم وضعها العالمي، فضلا عن ضمان (حرية ممارسة الشعائر) وهذا مبدأ دستوري ورد في المادة (10) من الدستور، ويعد رسالة دستورية مفتوحة للعالم، بأن هذه المدن آمنة ومتاحة لكل قاصديها، مما يرفع عن كاهلها القيود السياسية التقليدية ويجعلها حواضر عابرة للحدود،
كما تعد المدن المقدسة في العراق نموذجاً فريداً لـلعولمة الإيجابية القائمة على السلام والتواصل الإنساني، والدستور العراقي رسخ هذه الحقيقة في صلبه بوضع نص المادة (10) من الدستور عندما الزم السلطات بتهيئة البيئة التشريعية والخدمية التي تليق بمكانة هذه المدن باعتبارها منارات عالمية يقصدها ملايين البشر ومن كل الاصقاع،
الا انه وعلى الرغم الوضوح الدستوري والمكانة الروحية العابرة للقارات لهذه الحواضر، تبرز بين الحين والآخر أصوات ونزعات ضيقة تنادي بتقييد دخول غير العراقيين إلى هذه المدن، أو منعهم من الإقامة فيها لطلب العلوم الدينية في حوزاتها العريقة، أو حتى حظر دفن موتاهم في ثراها (وادي السلام بالنجف الأشرف ومقابر كربلاء المقدسة) بناءً على وصايا المتوفين للتبرك بجوار هذه العتبات المقدسة،
ويلاحظ بان هذه الدعوات التي تستند غالباً إلى دوافع قومية، أو تصفية حسابات وخلافات عقائدية وسياسية ضيقة، تمثل اتجاهات فكرية تتناقض مع طبيعة هذه المدن لأسباب متعددة منها الاتي:
1. مخالفة المفهوم الإسلامي والإنساني للمقدسات، لان العتبات المقدسة ليست ملكاً جغرافياً أو قومياً حصرياً لسكان بقعة معينة، بل هي ملك للأمة الإسلامية والإنسانية، والتضييق على زوارها أو طلاب العلم فيها بدواعي الجنسية هو هدم لجوهر فكرة (المسجد) أو(العتبة) التي جعلها الله مثابة للناس وملاذاً للأمان
2. المخالفة الصريحة لنص المادة (10) من الدستور عندما جعلت (ضمان حرية ممارسة الشعائر فيها) واجباً على مؤسسات الدولة بجميع سلطاتها، وهذا النص لم يربط هذا الضمان بجنسية معينة، وانما جاء بشكل مطلق يتعلق بأداء الشعائر ومنها طلب العلم الديني، او الزيارة، وحتى دفن الموتى رغبةً في التبرك، وهذه كلها تدخل في صلب الممارسة الشعائرية والروحية التي كفلها الدستور للجميع بلا تمييز.
3. هذه الأصوات المحتجة والمعارضة ستؤدي الى إفقاد المدن ميزتها التنافسية العالمية، لان قوة مدن النجف وكربلاء التاريخية والكاظمية المقدسة والاعظمية والمدائن، تكمن في تعدديتها الجاذبة وعالميتها، حيث تلتقي فيها العقول والقلوب من الهند، وإيران، وباكستان، ولبنان، ودول الخليج، وأفريقيا، فاذا جعلناها مدن محلية مغلقة، فهذا إفقار واضعاف لمكانتها العلمية والحضارية، وإضعاف للدبلوماسية الروحية التي يتمتع بها العراق عالمياً،
وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة تصاعد هذه الأصوات بالاحتجاج على وجود بعض مراجع الدين وطلاب العلم من جنسيات متعددة في هذه المدن المقدسة، مثلما حصل عند التشييع العفوي والمهيب للمرجع الفياض طاب ثراه، وكذلك الأصوات تصاعدت هذه الأيام عندما سعت دولة ايران الإسلامية الى تنفيذ وصية الشهيد الخامنئي في تشييعه في المراقد المقدسة في العراق،
لذلك فان محاولة إقحام الخلافات السياسية أو النعرات القومية في إدارة شؤون المدن المقدسة يشكل خطراً على السلم المجتمعي والدولي، لان الأوطان تُبنى بالحدود، أما المقرات الروحية فحدودها القلوب،
ومنع إنسان من مجاورة إمامه أو دفن عزيز له في أرض يراها مقدسة بسبب هوية جواز سفره، هو ارتداد عن قيم الكرم العراقي الأصيل وقيم الدين الحنيف،
وفي الختام لابد من تذليل العقبات أمام ضيوف هذه المدن، سواء وفدوا زواراً، أو طلاباً يجثون في أروقة مدارسها الدينية، أو راحلين تحتضنهم أرضها، هو واجب وطني ودستوري، وعلى صناع القرار الحذر من هذه الأصوات الإقصائية، والعمل على ترسيخ مكانة العراق على انه القلب النابض للعالم الروحي، يفتح ذراعيه لكل قاصد دون النظر لعرق أو جنسية،
قاضٍ متقاعد



#سالم_روضان_الموسوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفساد في العراق وفلسفة القانون
- النصر في القرآن الكريم، من واقعة الطف إلى حاضر الأمة
- حين يصبح الفساد حارساً للديكتاتورية
- النزاهة تصنع النصر .... والفساد يورث الهزيمة
- بَيْعَةُ الغَدِيرِ لَيْسَ وَاقِعَةً مَضَتْ… بَلْ مِيثَاقٌ دَ ...
- البعد الاجتماعي في التحقيق الجنائي، واضاءات اللواء المتقاعد ...
- هوس السلطة وخواء الرؤوس
- هل المكلف بتشكيل مجلس الوزراء جاء باختيار الشعب او ممثليه في ...
- اختصاص القضاء الإداري في نظر الطعن بقرارات مجالس المحافظات، ...
- ليس كل من تسمى -علياً- نال العُلا، بين بريق الاسم وجوهر المس ...
- طلب تفسير النص الدستوري ترف ام ضرورة؟
- حياد الحكام واستقلال القضاء
- التفكير القضائي
- هل الأسباب الموجبة جزء من القانون وهل تخضع لرقابة القضاء الد ...
- المشرع العراقي اقر وجود القضاء الإداري منذ عام 1969
- الفرق بين اعلان حالة الحرب وبين حق الدفاع عن البلاد والنفس
- الدور البريطاني في المشهد العراقي صدفة ام تخطيط؟
- هل يجوز للبعثات الدبلوماسية اقتناء واستخدام الأسلحة الثقيلة؟
- شهدائنا عنوان الشرف والنزاهة
- هل يجوز تحريك الشكوى الجزائية ضد القوات الأجنبية التي اعتدت ...


المزيد.....




- ستارمر: العنصرية والتعصب تفاقما في بريطانيا
- جيش الاحتلال يقرّ بتعذيب قواته أسيرا فلسطينيا في غزة
- جيش الاحتلال يقر بصحة توثيق لتعذيب أسير فلسطيني في غزة
- العراق بين اختبار مكافحة الفساد وشروط الشراكة مع أميركا
- واقعة -نادرة-.. تفاصيل اعتقال عسكري أمريكي في مبنى الكابيتول ...
- قيادي في أمن المقاومة بغزة: الأيام المقبلة ستشهد إعدام عملاء ...
- روسيا تحيل ملف -مأساة ستاروبيلسك- إلى الأمم المتحدة ومفوضة ح ...
- أكوام أموال وعشرات الاعتقالات... هل تطال يقظة مكافحة الفساد ...
- مذكرة تضامن مع حملة مكافحة الفساد من 37 حزبا ومنظمة مجتمع مد ...
- نادي الأسير: الاحتلال يحول تعذيب المعتقلين إلى أداة استعراضي ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - الخصوصية الدستورية والعالمية للمدن المقدسة في العراق، (عواصم الروح العابرة للحدود)