أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الشهبي أحمد - هل نحن نربي أبناءنا أم نعيد إنتاج أنفسنا فيهم؟














المزيد.....

هل نحن نربي أبناءنا أم نعيد إنتاج أنفسنا فيهم؟


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 02:54
المحور: قضايا ثقافية
    


في إحدى المناسبات العائلية، كان طفل صغير يجلس بين مجموعة من الكبار. كان يحاول أن يحكي شيئًا حدث له في المدرسة، لكن أحدهم قاطعه قائلًا:

— اسكت، الكبار يتكلمون.

سكت الطفل فعلًا.

بعد دقائق، أخطأ في نطق كلمة، فضحك بعض الحاضرين، فقال له والده:

— كم مرة قلت لك لا تتكلم بهذه الطريقة أمام الناس؟

ظل الطفل صامتًا بقية الجلسة.

عدت إلى البيت وأنا أفكر في ذلك المشهد. لم يكن الأمر يتعلق بطفل أخطأ في الكلام، ولا بأب أراد أن يعلمه الأدب. كان هناك شيء أكبر يحدث أمامنا، شيء نفعله كل يوم دون أن ننتبه إليه: نحن لا نربي أبناءنا فقط، بل نعيد تشكيلهم وفق الصورة التي نحملها نحن عن الإنسان الذي ينبغي أن يكونوا عليه.

نريد الطفل هادئًا لأننا لا نحب الضجيج.

نريده متفوقًا لأننا نعتقد أن التفوق هو الطريق إلى النجاح.

نريده مطيعًا لأن طاعته تمنحنا شعورًا بأننا آباء ناجحون.

نريده مؤدبًا، لكننا أحيانًا نقصد بكلمة «مؤدب» طفلًا لا يعترض، ولا يسأل، ولا يناقش، ولا يقول «لا».

ثم نكبره قليلًا ونطالبه بأن يكون صاحب شخصية.

وهنا تبدأ المفارقة.

كيف نريد منه شخصية مستقلة ونحن قضينا طفولته كلها نعاقبه كلما أظهر استقلاله؟

نقول له: «فكر بنفسك»، ثم نغضب عندما يفكر بطريقة مختلفة عنا.

نقول له: «اختر مستقبلك»، ثم نختار له التخصص الذي نريده.

نقول له: «كن صادقًا»، ثم نطلب منه أحيانًا أن يكذب على شخص جاء يبحث عنا.

نقول له: «احترم الآخرين»، ثم يسمعنا نسخر من شخص مختلف عنا.

نقول له: «لا تحكم على الناس من مظهرهم»، ثم نعلّق أمامه على ملابس الناس وأشكالهم ومستوياتهم الاجتماعية.

الطفل لا يتعلم من خطبنا الطويلة بقدر ما يتعلم من تناقضاتنا الصغيرة.

وهذا ما يجعل التربية أكثر صعوبة مما نظن.

فنحن لا نضع أبناءنا أمام كتاب أبيض ونكتب فيه ما نشاء. نحن نربيهم ونحن نحمل في داخلنا خوفنا وتجاربنا وعقدنا وأحلامنا المؤجلة.

الأب الذي عاش الفقر قد يربي ابنه على الخوف من الفقر حتى بعد أن يتغير وضعه.

والأم التي عانت من الفشل قد تجعل النجاح بالنسبة إلى ابنها شرطًا للحب والرضا.

والشخص الذي حُرم من الحرية في طفولته قد يتحول، من حيث لا يشعر، إلى شخص يخاف من حرية أبنائه.

وفي النهاية، قد يجد الأب نفسه غاضبًا من ابنه لأنه يشبهه في أشياء لم يكن الأب نفسه يحبها في شخصيته.

لكن هل المطلوب إذن أن نترك أبناءنا بلا توجيه؟

طبعًا لا.

الطفل يحتاج إلى من يقول له: هذا خطأ وهذا صواب، هذا خطر وهذا آمن، هذه مسؤولية وهذه حرية. يحتاج إلى حدود، وإلى قيم، وإلى أب وأم يستطيعان أن يقولا «لا» عندما تكون كلمة «لا» ضرورية.

لكن التربية ليست أن نمنع أبناءنا من أن يكونوا أنفسهم.

ربما التربية الحقيقية هي أن نعطيهم الجذور دون أن نحدد لهم اتجاه الفروع.

أن نمنحهم القيم دون أن نفرض عليهم نسخة واحدة من الحياة.

أن نعلمهم التفكير بدل أن نلقنهم الإجابات.

أن نسمح لهم بالسؤال حتى عندما تكون أسئلتهم مزعجة.

وأن نفهم أن اختلاف الابن عن أبيه ليس بالضرورة فشلًا في التربية.

ربما يكون نجاحًا.

لأن الأب الذي يربي ابنًا يشبهه في كل شيء قد يكون نجح في صناعة نسخة منه، لكنه لم ينجح بالضرورة في صناعة إنسان مستقل.

والأجمل في الأبوة، في رأيي، أن يأتي يوم يقف فيه ابنك أمامك، فيختلف معك في فكرة، ويختار طريقًا مختلفًا، ويملك شجاعة أن يقول لك: «أنا أرى الأمر بطريقة أخرى».

حينها لا ينبغي أن تسأل نفسك: لماذا لم يصبح مثلي؟

بل ربما تقول:

لقد نجحت في تربيته حين أصبح قادرًا على أن يكون هو، لا حين أصبح نسخة مني.

فالأبناء ليسوا فرصة ثانية لنا لنعيش الحياة التي أردناها.

إنهم حياة أخرى تمامًا.

وربما أكبر خطأ نرتكبه في تربيتهم هو أن نطلب منهم أن يحققوا أحلامنا، ثم نسمي ذلك حبًا.



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا نخاف من الموت رغم أننا نعرف أنه حتمي؟
- ديداكتيك الجغرافيا: من نقل المعرفة إلى بناء التفكير في المكا ...
- طاحت الصَّمْعة علّْقوا المغرب
- حين تدافع الضحية عن جلادها: المازوخية النفسية في البيوت المغ ...
- المكان والهوية والذاكرة: قراءة نقدية في «رحلتي بين النيل وال ...
- حُرّاس بوابات الإيمان
- الشرق الأوسط على شفير الهاوية
- زمن خارج القانون
- مغرب تحت وطأة العواصف
- التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أ ...
- صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث


المزيد.....




- صاعقة تضرب رجلًا لكنه يتمكن من السير مباشرة للاحتماء في منزل ...
- مع تعثر الدبلوماسية.. ترامب يعيد طرح فكرة تغيير النظام في إي ...
- العيش البطيء، حياة أبسط أم ترند جديد؟
- لا يمكن لبريطانيا أن تشيح بنظرها عن المستوطنات الإسرائيلية - ...
- جسر أوروبا… من رمز بلا حدود إلى معبر تحت المراقبة
- إسبانيا: لا دليل قطعي على تدبير المغرب عبور مهاجرين إلى سبتة ...
- بعثة أممية تتهم كيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال بإذ ...
- محمد رمضان يعلن مشاركته في أحد أعرق المهرجانات على مستوى أم ...
- إسرائيل تسلم الجيش اللبناني أسيرا عبر الصليب الأحمر (صورة)
- 4 بلدات أخرى في خاركوف ودونيتسك تحت سيطرة الجيش الروسي (فيدي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الشهبي أحمد - هل نحن نربي أبناءنا أم نعيد إنتاج أنفسنا فيهم؟