أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - الشهبي أحمد - التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أحواض اللوكوس وسبو















المزيد.....

التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أحواض اللوكوس وسبو


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 04:49
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


تتجلّى الطبيعة في أقصى صورها جموحًا حين تقرّر استعادة مساراتها القديمة، وكأنها تمسح بيدٍ مائيةٍ عارمة كل الخطوط التي رسمها الإنسان على الأرض. وهذا بالضبط ما عاشه المغرب في مطلع عام 2026؛ إذ لم تكن الفيضانات التي اجتاحت الشمال والغرب مجرّد نوبة طقس عابرة، ولا حادثًا من حوادث الشتاء المتكررة، بل كانت إعلانًا صريحًا عن دخول البلاد مرحلة مناخية جديدة، أكثر قسوة، أقل قابلية للتوقّع، وأشدّ اختبارًا لقدرة الإنسان على التكيّف. ما جرى في القصر الكبير، والقنيطرة، وسيدي قاسم، تجاوز حدود الكارثة الطبيعية ليغدو درسًا مفتوحًا في الجغرافيا والهيدرولوجيا والمناخ، درسًا كُتب بالماء والطين والخوف.

في تلك الأيام، بدا المشهد وكأن الأنهار استعادت ذاكرتها القديمة. فـاللوكوس وسبو، اللذان طالما نظرت إليهما الساكنة كرمزين للخصب والحياة، تحوّلا في لحظة إلى قوى جارفة لا تعترف بالخرائط الحديثة ولا بالحدود العمرانية. المياه لم تكتفِ بالجريان داخل مجاريها، بل خرجت منها كما لو أنها تحتجّ على سنوات من التضييق، وردم السهول الفيضية، وتطويق الضفاف بالإسمنت. هكذا تحوّلت الشوارع إلى قنوات، والحقول إلى بحيرات مؤقتة، والقرى إلى جزر معزولة وسط فضاء مائي متحرّك.

لفهم ما حدث، لا بد من العودة إلى نقطة البداية: السماء. فالهطولات المطرية التي سبقت الفيضانات لم تكن غزيرة فحسب، بل كانت مكثّفة زمنياً بشكل غير معتاد. كميات كبيرة من المطر سقطت في فترات قصيرة، وهو ما يُعرف علميًا بـ”الأمطار الشديدة الكثافة”. هذا النمط من التساقطات يضع ضغطًا هائلًا على أي نظام طبيعي أو بشري، لأن الزمن المتاح لامتصاص المياه أو تصريفها يكون محدودًا للغاية. التربة، التي تحتاج إلى وقت لتتشرب الماء، لم تُمنح هذه الفرصة.

هنا يبرز عامل آخر لا يقل أهمية: إرث الجفاف. فالمغرب عاش سنوات متتالية من شحّ الأمطار، ما جعل التربة في مناطق واسعة تفقد جزءًا من بنيتها الإسفنجية الطبيعية. حين تجف التربة بشدة، تتصلّب طبقاتها السطحية، وتصبح أقل قدرة على امتصاص الماء بسرعة. وبدل أن تتسرّب الأمطار إلى الأعماق لتغذّي الفرشات المائية، تنزلق على السطح في شكل جريان سريع، يتجمّع في المنخفضات ويصبّ بقوة في الأودية والأنهار. هكذا تتحوّل النعمة المنتظرة – المطر – إلى طوفان مفاجئ.

ومع تسارع الجريان السطحي، بدأت الأنهار تستقبل كميات من المياه تفوق طاقتها الاستيعابية. في حوض اللوكوس كما في حوض سبو، ارتفعت المناسيب بسرعة، وبدأت الضفاف تفقد قدرتها على الاحتواء. هذه الأنهار ليست مجرد مجارٍ مائية ضيقة، بل هي أنظمة بيئية واسعة، لها سهول فيضية صُمّمت طبيعيًا لتُغمر بالمياه في فترات الذروة. غير أن جزءًا مهمًا من هذه السهول تحوّل عبر العقود إلى أحياء سكنية وأراضٍ زراعية وبنى تحتية. وعندما عادت المياه إلى فضائها الطبيعي، وجدت نفسها تصطدم بعمران بشري لم يُبنَ على ذاكرة النهر، بل على افتراض هدوئه الدائم.

وسط هذا المشهد، برز دور السدود كعنصر معقّد ومفارق في آن واحد. فالسدود شُيّدت أصلًا لضبط تدفّق المياه، وتخزينها لمواجهة فترات الجفاف، وحماية المناطق السفلى من الفيضانات المتوسطة. لكنها ليست قادرة على إلغاء منطق الطبيعة بالكامل. حين تمتلئ السدود إلى أقصى طاقتها، يتحوّل الهدف من التخزين إلى الحماية الهيكلية: أي حماية جسم السد نفسه من ضغط قد يهدد سلامته. وهنا يصبح تصريف المياه إجراءً تقنيًا لا مفر منه.

غير أن هذا التصريف، وإن كان ضرورة هندسية، يضاعف منسوب المياه في الأنهار أسفل السدود. وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة مؤلمة: حماية بنية تحتية استراتيجية قد تعني زيادة المخاطر على مناطق مأهولة. هذه المفارقة لا تعني فشل السدود بقدر ما تكشف حدود أي حل هندسي حين يواجه ظواهر مناخية تتجاوز الفرضيات التي بُني عليها. فمعايير التصميم القديمة لم تكن تتوقع هذا النوع من “الأمطار القنبلة” التي تفرغ حمولتها في زمن قياسي.

على مستوى أعمق، ما حدث هو تجلٍّ واضح لما يسميه العلماء “التطرف المناخي”. لم يعد التغير المناخي يعني فقط ارتفاعًا بطيئًا في درجات الحرارة، بل أصبح يعني أيضًا اضطرابًا في إيقاع الفصول، وتزايدًا في شدة الظواهر القصوى. سنوات جفاف طويلة تُتبع بأمطار عنيفة، وفترات برد معتدلة تُقطع بموجات حر غير مسبوقة. هذا التأرجح الحاد بين النقيضين يربك الأنظمة الطبيعية والبشرية على حد سواء، لأنه لا يترك وقتًا كافيًا للتكيّف التدريجي.

في سيدي قاسم ومنطقة الغرب، تجلّى هذا الاضطراب في حصار “الدواوير” وقطع المسالك الطرقية. قرى بأكملها وجدت نفسها فجأة محاطة بالمياه، لا لخطأ محلي فحسب، بل نتيجة تفاعل واسع بين مناخ عالمي متحوّل، وجغرافيا محلية هشّة، وتخطيط عمراني لم يضع دائمًا أسوأ السيناريوهات في الحسبان. الخسائر لم تكن آنية فقط، بل امتدت إلى الحقول، حيث غمرت المياه محاصيل موسمية، وجرفت التربة السطحية الخصبة، وخلّفت آثارًا اقتصادية ستظل محسوسة لسنوات.

هذه الفيضانات لم تكشف هشاشة البنية المادية وحدها، بل عرّت أيضًا محدودية النماذج التقليدية في إدارة المخاطر. الاعتماد شبه الكلي على السدود، مع إهمال حلول مكمّلة مثل حماية السهول الفيضية، وإعادة تأهيل المجاري الطبيعية، وتوسيع المساحات الخضراء القادرة على امتصاص المياه، لم يعد كافيًا. المدن الحديثة، بطبقاتها الإسفلتية والإسمنتية، تعمل أحيانًا كمسطحات طاردة للماء، تدفعه بسرعة نحو النقاط المنخفضة بدل أن تمنحه فرصة للتسرّب والتهدئة.

المشهد الإنساني كان الوجه الأكثر إيلامًا لهذه الصورة المعقّدة. أسر أُجليت على عجل، مدارس أُغلقت، فلاحون راقبوا مياهًا عكرة تغمر تعب مواسم كاملة. في تلك اللحظات، لم يكن الحديث عن “مناخ” و”هيدرولوجيا” مجرد مفاهيم علمية، بل واقعًا يوميًا يلامس الخوف والقلق وفقدان الأمان. وهنا يتضح أن التغير المناخي ليس قضية بيئية معزولة، بل مسألة اجتماعية واقتصادية وإنسانية بامتياز.

إن فيضانات مغرب 2026 ستبقى علامة فارقة في الذاكرة الجماعية، لأنها كشفت بوضوح أن قواعد اللعبة تغيّرت. لم يعد ممكنًا التعامل مع الفيضانات كحوادث استثنائية نادرة، بل كجزء من واقع مناخي جديد يتطلب استعدادًا دائمًا. المواجهة لا يمكن أن تقتصر على إصلاح ما تهدّم بعد كل كارثة، بل يجب أن تبدأ قبل ذلك بكثير: في التخطيط، في القوانين، في طريقة بناء المدن، وفي إعادة الاعتبار للمجاري المائية ومساحاتها الطبيعية.

المستقبل يفرض رؤية شاملة تعترف بأن الإنسان ليس خصمًا للطبيعة ولا سيدًا مطلقًا عليها، بل جزء من نظام أعقد منه. حماية الإنسان تبدأ من فهم هذا النظام واحترام حدوده. فحين نمنح الأنهار فضاءها، ونبني مدنًا أكثر مرونة، ونُدخل البعد المناخي في صلب السياسات لا في هوامشها، نكون قد بدأنا فعلًا في التكيّف مع زمن جديد. زمنٍ لم تعد فيه الطبيعة تتسامح مع النسيان، ولا مع الاستهانة بذاكرتها الطويلة.



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث
- -بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-
- الصحافي الحرباء… حين يكتب اللون لا الحقيقة
- شدولارين: عندما يكتب القلب نفسه ويتطهر بالحبر والحنين
- شدولارين: قراءة نقدية وتحليلية في رواية د. فتحية الفرارجي – ...
- عن البغال التي اعتلت التلال
- ركلة حمار
- مثالب الولادة: صرخة سيوران في وجه العبث
- وصمةُ عارٍ لا تُمحى: فلسطين بين الجوع والخذلان
- حين رفعت المرأة سيفها على الرجل… فمزّقت قلبها
- اذا أردنا إصلاح المجتمع ...من أين سنبدأ؟


المزيد.....




- تسريبات إبستين تطيح بسفيرة النرويج بالأردن والعراق
- الأخطر منذ النكسة.. إدانات فلسطينية واسعة لقرارات الكابينت ب ...
- 9 قتلى بانهيار مبنى سكني في طرابلس بلبنان
- أديس أبابا تطالب إريتريا بانسحاب فوري ووقف دعم الجماعات المس ...
- مصرع 9 أشخاص في انهيار مبنى بشمال لبنان.. والبحث مستمر عن مف ...
- لماذا نقل عرب إسرائيل حراكهم إلى القدس ضد انتشار الجريمة في ...
- فرنسا تطلق تدريبا عسكريا يوصف بالأكبر منذ الحرب الباردة
- كيف يُمكن تفريغ سدود المغرب مع امتلاء الأنهار وتشبع التربة
- نبض فرنسا: تزاحم المرشحين على أبواب الإليزي
- نثر الحديد المنصهر من أشهر تقاليد الاحتفال بالسنة القمرية في ...


المزيد.....

- ‫-;-وقود الهيدروجين: لا تساعدك مجموعة تعزيز وقود الهيدر ... / هيثم الفقى
- la cigogne blanche de la ville des marguerites / جدو جبريل
- قبل فوات الأوان - النداء الأخير قبل دخول الكارثة البيئية الك ... / مصعب قاسم عزاوي
- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - الشهبي أحمد - التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أحواض اللوكوس وسبو