أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - الشهبي أحمد - صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة














المزيد.....

صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 04:50
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


حين نسمع عن مشجّع يُسخَر منه لأنه اختار أن يتقمّص دور باتريس لومومبا، فإن أول رد فعل قد يكون ضحكة عابرة أو استهجان سريع، لكن الحقيقة أعمق بكثير. ما حدث في أرض الملعب ليس مجرد مزحة، ولا لحظة طيش، بل لحظة اختبار للذاكرة، للوعي، وللاحترام الرمزي لتاريخ أعاد نفسه على جماهير القارة. إنها سخرية من الجرح، من رجل دفع حياته لأنه قال «لا» في زمن كانت فيه «نعم» هي الضريبة الوحيدة للبقاء.
ذلك المشجّع الذي ظلّ واقفًا طوال المباراة، بثباتٍ لافت وهدوءٍ جبّار، لم يكن يبحث عن استفزاز أو لقطة عابرة. كان جسدًا حياً لتاريخ ثقيل، صورة صامتة لصمود إنساني لا يُقارن بلحظة ملعبية عابرة. باتريس لومومبا لم يكن مجرد زعيم سياسي للكونغو بعد الاستقلال، بل كان رمزًا إفريقيًا يمتد حضوره عبر القارة، رجل واجه الاستعمار البلجيكي بشجاعة، ودفع حياته ثمنًا لجرأته على مواجهة القوى التي لم تعرف الرحمة.
المؤلم أن السخرية صدرت عن لاعب إفريقي، من نفس الفضاء الذي ما يزال يعيش آثار الاستعمار، وإن بأقنعة جديدة. هذا ليس مجرد تصرّف شخصي أو طيش لحظي، بل هو انعكاس لقصور معرفي وجهل عميق بتاريخ قادة المقاومة والتحرر. هؤلاء لم يكونوا شخصيات فولكلورية أو أقنعة للفرجة، بل رجال دفعوا حياتهم ثمن مواقفهم. لومومبا نفسه كان من أبرز الداعمين للثورة الجزائرية، وكان يرى في الجزائر نموذجًا للكفاح والصمود، حتى وإن كان الانتماء الجغرافي مختلفًا. هذا التاريخ لم يكن مجرد سردية، بل درس حيّ في التضحية والالتزام بالمبادئ، درس لم تُفهَم قيمته بعد.
لومومبا لم يكن مادة للتندر، ولا صورة للاستهزاء، ولا شخصية لتقليد مشوّه. كان صرخة مكلفة انتهت بجسد أُذيب عمدًا وذاكرة حاول البعض محوها. وعندما يُستخدم اسمه للضحك، فإن هذا لا يسيء إليه بقدر ما يفضح فراغًا ثقافيًا وانفصالًا عن التاريخ، عن وعيٍ كان من المفترض أن يكون راسخًا. المباراة انتهت، النتيجة نُسيت، لكن بقيت لقطة رجل واقف، صامت، يذكّرنا بما نحاول أحيانًا نسيانه، بما يجب أن نبقى واعين له.
الاستعمار لا يحتاج دائمًا إلى جيوش، أحيانًا يكفي أن يُنتج جهلًا ويترك أبناء القارة يسخرون من رموزها. وهذا الجهل ليس شرًا مطلقًا، بل فقدان للذاكرة، ضعف في التعلم، غياب للتثقيف التاريخي. ربما لهذا السبب احتفظت الجزائر باسم لومومبا في شوارعها وذاكرتها، وذهبت أبعد من ذلك حين اعتقلت مويس تشومبي، المسؤول عن اعتقاله وتصفيته، سنة 1967، ورفضت الخضوع للضغوط الخارجية لإطلاق سراحه. موقف يعكس معنى الوفاء للتاريخ، قيمة الاعتراف بالضحايا، واحترام رموز الكفاح.
أكثر ما كان سيؤلم لومومبا لو شاهد هذا المشهد ليس السخرية نفسها، بل أنها صدرت من شخص لم يدرك يومًا لماذا كان خطرًا، ولماذا يُقتل أمثاله دائمًا، ولماذا يُعاد اغتيالهم لاحقًا بالضحك بعد أن فشل الرصاص في إسكاتهم. السخرية هنا ليست ترفًا، بل استعادة لفشلنا الجماعي في احترام التاريخ وتعليم أجيالنا ما يجب أن تعرفه عن أولئك الذين ناضلوا من أجل الحرية.
ما قام به هذا اللاعب ليس مجرد مزحة، بل فعل يُسيء لتاريخ وذاكرة جماهيرية بأسرها، ويستدعي تدخل الجهات المسؤولة، بما في ذلك الكاف، لمعاقبته. مثل هذه الأفعال لا تؤذي فقط شخصًا أو رمزًا ميتًا، بل تضعف احترام الجماهير للرموز الكبرى، وتُظهر الحاجة الملحة لتثقيف أفضل حول تاريخ القارة واحترام من أعطوا حياتهم في سبيل مبادئ أكبر منا جميعًا. إن كرة القدم قد تنتهي، والمباريات تُنسى، لكن التاريخ، ورموزه، لا يجب أن يُهانوا في الملعب أو خارجه.



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث
- -بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-
- الصحافي الحرباء… حين يكتب اللون لا الحقيقة
- شدولارين: عندما يكتب القلب نفسه ويتطهر بالحبر والحنين
- شدولارين: قراءة نقدية وتحليلية في رواية د. فتحية الفرارجي – ...
- عن البغال التي اعتلت التلال
- ركلة حمار
- مثالب الولادة: صرخة سيوران في وجه العبث
- وصمةُ عارٍ لا تُمحى: فلسطين بين الجوع والخذلان
- حين رفعت المرأة سيفها على الرجل… فمزّقت قلبها
- اذا أردنا إصلاح المجتمع ...من أين سنبدأ؟
- محمد عبد السميع نوح في رواية حركة تنقلات: هجاء السلطة وفضح ا ...


المزيد.....




- ماذا نعرف عن صفقة قديمة لشراء غرينلاند فشلت أمريكا في إبرامه ...
- كيف يُمكن لترامب -الاستيلاء- على غرينلاند؟
- برشلونة يكتسح بلباو بخماسية في جدة ويبلغ نهائي كأس السوبر ال ...
- سيناتور: ترامب أعطى الضوء الأخضر لمشروع قانون عقوبات ضد روسي ...
- ترامب يدعو رئيس كولومبيا للبيت الأبيض بعد أيام من تهديده
- بعدما وصفه بـ-رجل يُحب صنع الكوكايين-.. ترامب يدعو رئيس كولو ...
- كأس أمم أفريقيا: لاعب جزائري يسرق الطعام؟
- اليمن: إقالة الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي وغموض يلف مكانه ...
- أفريقيا وسؤال الاستثمار: من يربح في زمن التنافس العالمي؟
- فرنسا وبريطانيا توقّعان إعلان نوايا لنشر قوات في أوكرانيا إذ ...


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - الشهبي أحمد - صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة