الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 19:25
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ثمة مشهدٌ يتكرر كل عام مع بزوغ هلال رمضان: صفوفٌ تمتد خارج المساجد، وأكتافٌ تتلاصق، ووجوهٌ لم تعتَد العين رؤيتها بين الأعمدة والمحاريب. ومع هذا المشهد، يتكرر معه صوتٌ آخر—أقل إيمانًا وأكثر استعلاءً—يتساءل في ضيقٍ واضح: "أين كان هؤلاء طوال العام؟!" والغريب أن هذا السؤال يخرج في الغالب ممن يُفترض أنهم أكثر الناس دراية بأن الله يفرح بعودة العبد أكثر مما يفرح بديمومته.
نحن نُخطئ حين نُحوّل الدين إلى سجلٍّ للحضور والغياب، وكأن العلاقة بين الإنسان وربه موظفٌ يُراقبه مدير صارم. الإيمان في حقيقته أشبه بالتنفس—يتسارع حين يضيق الصدر، ويهدأ حين تستقر الأحوال، لكنه لا ينقطع. وما يُسمّيه بعضهم "انقطاعًا" قد لا يكون في الحقيقة سوى صمتٍ داخلي لم تلتقطه أعيُنهم. رمضان ليس شهرًا للعبادة فحسب؛ هو موسمٌ نفسيٌّ وروحيٌّ بامتياز، يأتيه الناس محمّلين بما يثقل كواهلهم على مدار اثني عشر شهرًا—ذنوبٌ يريدون محوها، وعلاقاتٌ يريدون إصلاحها، ونفوسٌ متعبة تبحث عن سقفٍ تستظل به. فمن أعطانا حق أن نُفتّش في نواياهم ونحكم على قلوبهم؟
ما يلفت النظر في هذا النقد أنه يصدر—بوعيٍ أو دون وعي—من موقع الفوقية الدينية. وهي فوقيةٌ تناقض في جوهرها الدين ذاته الذي يتشدّق بها أصحابها. فالدين الذي يدعو إلى فتح أبواب التوبة على مصراعيها لا يُمكن أن يُسوّغ في الوقت نفسه إغلاقها في وجه من جاء يطرقها—ولو جاء متأخرًا. بل أذهب أبعد من ذلك: أليس الحضور المؤقت في رمضان بذرةً يمكن أن تُثمر التزامًا دائمًا؟ أليس الأجدر بنا أن نُرحّب بهذه البذرة بدلًا من أن نسحقها بأقدام أحكامنا المتسرّعة؟
المسجد في جوهره ومعناه بيتٌ مفتوحٌ لكل من يأتيه. لم يُبنَ ليكون امتيازًا لأصحاب الصفوف الأمامية، ولم تُفتح أبوابه ليدخله فقط من استوفوا شروط الانتظام اليومي. من جاء إليه مرةً واحدة في حياته فهو ضيفٌ يستحق الترحيب، فكيف بمن يأتيه ثلاثين يومًا متواصلة؟ أن يكتظّ المسجد في رمضان ليس أزمة تستدعي الانتقاد، بل هو علامةٌ صحيةٌ تدل على أن الدين لا يزال حيًّا في الأرواح، وأن القلوب لم تُقفل أبوابها تمامًا أمام ما يناديها.
رمضان في نهاية المطاف فرصةٌ مزدوجة: فرصةٌ لمن يأتي إلى المسجد حاملًا تقصيره كي يضعه بين يدي من يعلم السرائر، وفرصةٌ لمن يراه أن يتعلم كيف يصمت ويبتسم بدلًا من أن يحكم ويُعلّق. فإن كان رمضان يُطهّر الأجساد بالصوم، فليُطهّر أيضًا ألسنتنا من نقد الآخرين، وقلوبنا من وهم أننا الميزان الذي يُوزن به إيمان الناس.
اتركوا الخلق للخالق، وقد أحسن من قالها.
#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)
Echahby_Ahmed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟