أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - الشهبي أحمد - مغرب تحت وطأة العواصف














المزيد.....

مغرب تحت وطأة العواصف


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 16:17
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


حينما تتواطأ الجغرافيا مع تحولات المناخ الكبرى، تتحول السماء من مصدر للحياة إلى عبء ثقيل يختبر صلابة الأمم، وهذا هو المشهد السريالي الذي عاشه المغرب في مطلع عام 2026. لم تكن هذه مجرد سحب عابرة أو زخات مطر موسمية، بل كنا أمام ملحمة جوية عنيفة اصطدمت فيها إرادة الطبيعة بالبنية التحتية للمملكة. المغرب، الذي ظل لسنوات يترقب الغيث لمواجهة شبح الجفاف، وجد نفسه فجأة في قلب "كماشة مناخية" فريدة من نوعها، حيث تلاحقت العواصف الأطلسية كأمواج بحر لا تهدأ، لتضع البلاد أمام تحدٍ وجودي لم يعد من الممكن التعامل معه بالأدوات التقليدية.

إن جوهر المأساة يكمن في ذلك التتابع القاتل بين عاصفتين؛ فما إن بدأت البلاد تلملم جراحها من آثار العاصفة "ليوناردو"، التي كانت بمثابة تمهيد ناري أغرق التربة وشحن الأودية بالطاقة الهيدرولوجية القصوى، حتى باغتتها العاصفة "مارتا" بزخم أشد ودمار أوسع. هذا التلاحم الزمني بين المنخفضات الجوية لم يترك للأرض "فترة نقاهة" لامتصاص المياه أو تصريف السيول؛ فدخلت التربة في حالة تشبع كلي، مما حول كل قطرة مطر إضافية إلى جريان سطحي فوري وجارف. لم تعد الأنهار مجرد قنوات مائية، بل تحولت إلى وحوش هيدروليكية كاسرة، اجتاحت مدن الشمال من طنجة إلى القصر الكبير، متجاوزة كل الحواجز والمنطق الهندسي الذي صُممت على أساسه المجاري المائية.

التحليل العلمي لهذه الظاهرة يبيّن أن العاصفة "مارتا" لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتاج انخفاض حاد ومفاجئ في الضغط الجوي فوق الأطلسي، دفع بكتل هوائية مشبعة بالرطوبة والبرودة نحو اليابسة المغربية. الاصطدام الحراري بين هذه الكتل الهوائية ودفء السهول أدى إلى تكوين سحب ركامية عالية الكثافة تحمل الأمطار الغزيرة بصيغة "هطولات مركزة"، مصحوبة برياح شديدة وصواعق رعدية، وحوّلت المرتفعات إلى حصون ثلجية بينما تحولت السهول إلى بحيرات مفتوحة مليئة بالطين والمياه. بلغت الهطولات في بعض النقاط أكثر من 90 ميليمتراً خلال ساعات قليلة، ما يعادل قوة تدميرية هائلة تكفي لإغراق مدن بأكملها لو لم تتدخل التدابير الوقائية جزئيًا.

القوة المائية الناتجة عن هذا التغير الجوي لم تكتفِ بتدمير الممتلكات، بل ضربت في العمق الإنساني والاقتصادي؛ فقد أرغمت 150 ألف شخص على الإجلاء الفوري، في واحدة من أكبر عمليات النزوح المرتبط بالمناخ في تاريخ المنطقة الحديث. هذا الرقم لا يختزل مجرد إحصائية، بل يعكس مرارة الفقد والخوف من مجهول يتدفق تحت الأبواب. ومع استمرار تسجيل المفقودين وتصاعد أعداد الضحايا، يتضح أن الأنظمة المناخية "المتطرفة" لم تعد استثناءً، بل أصبحت القاعدة الجديدة، حيث لم يعد الخطر محصورًا في غرق حي أو انقطاع طريق، بل امتد ليعطل الملاحة البحرية ويشل حركة الإمدادات الحيوية والوقود، مؤكدًا قدرة الكوارث المناخية على إحداث تأثير "دومينو" اقتصادي واجتماعي فوري.

من منظور علم المناخ، ما نشهده اليوم هو تجسيد حي لنظرية "الفوضى المناخية"؛ منظومات جوية بعيدة من القطب والشمال الأطلسي تتداخل لتلقي بثقلها على جغرافيا شمال إفريقيا. السجلات التاريخية لم تعد قادرة على التنبؤ بدقة، إذ أصبحنا أمام عصر "اللايقين الجوي"، حيث يتغير نمط الأمطار والرياح والضغط الجوي بطريقة لا يمكن التنبؤ بها إلا باستخدام نماذج حاسوبية معقدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات التاريخية والمتجددة.

هذه العواصف تكشف هشاشة البنى التحتية التقليدية؛ السدود، رغم ضخامتها، وجدت نفسها في مواجهة اختبارات ضغط قصوى، بينما شبكات تصريف المياه الحضرية، المصممة على أساس هطولات تاريخية متوسطة، فشلت في احتواء الأمطار المركزة. المدن، بطبقاتها الإسفلتية والإسمنتية، تصرفت أحيانًا كمسطحات طاردة للماء، مما زاد من سرعة الجريان السطحي وزاد من حجم السيول العنيفة التي اجتاحت الأحياء المنخفضة. إن هذا المشهد يقدم درسًا واضحًا بأن الاعتماد على البنية التقليدية وحدها لم يعد كافيًا لمواجهة التطرف المناخي.

أما على المستوى البيئي، فالعواصف كشفت عن تأثيرات تراكمية على النظام الإيكولوجي؛ فقد جرفت السيول التربة الخصبة من الحقول الزراعية، وغمرت المياه الأراضي الرطبة، ما أدى إلى اختلال مؤقت في سلاسل الغذاء المحلية وفقدان التنوع البيولوجي. هذه التداعيات البيئية تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، وهو ما يضيف بعدًا استراتيجيًا للكارثة لا يمكن تجاهله.

في المحصلة، ما يجري في المغرب اليوم ليس مجرد حدث طقس عابر، بل تحول نوعي في مناخ شمال إفريقيا، يفرض مراجعة شاملة لكيفية التعايش مع هذه الظواهر. مواجهة العواصف القادمة تتطلب إعادة هندسة المجال العمراني بالكامل، وتطوير أنظمة إنذار مبكر ذكية، وإنشاء بنية تحتية مرنة قادرة على امتصاص الصدمات الجوية، إضافة إلى دمج التعليم المناخي في السياسات الوطنية لتعزيز وعي السكان بخطر هذه الظواهر. فيضانات 2026 هي نداء استيقاظ صارخ: المناخ لم يعد شريكًا صامتًا في التنمية، بل أصبح لاعبًا محوريًا يمكنه إعادة ضبط الساعة الحضارية للبلاد، وهو ما يستوجب بناء مغرب "مرن مناخيًا"، قادر على النهوض من ركام العواصف وتحويل الكارثة إلى فرصة للتطور المستدام.

#المغرب #فيضانات #سدالوحدة #اللوكوس #القصرالكبير #سبو #القنيطرة



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أ ...
- صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث
- -بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-
- الصحافي الحرباء… حين يكتب اللون لا الحقيقة
- شدولارين: عندما يكتب القلب نفسه ويتطهر بالحبر والحنين
- شدولارين: قراءة نقدية وتحليلية في رواية د. فتحية الفرارجي – ...
- عن البغال التي اعتلت التلال
- ركلة حمار
- مثالب الولادة: صرخة سيوران في وجه العبث
- وصمةُ عارٍ لا تُمحى: فلسطين بين الجوع والخذلان
- حين رفعت المرأة سيفها على الرجل… فمزّقت قلبها


المزيد.....




- دماء بلا ضحية ومقتحم مجهول.. حادثة تحيّر الشرطة بأمريكا وكام ...
- وزير الخارجية المصري: حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المُش ...
- قلق وترقب في أوساط الجالية العربية في مينيابوليس
- -خطأ جسيم في التقدير-: قضية إبستين تطيح بالسفيرة النرويجية ف ...
- غواصون كوريون جنوبيون يحتفلون برأس السنة القمرية بعرض تحت ال ...
- عقيد يوناني متهم بالتجسس لصالح الصين.. رحلة التجنيد من -لينك ...
- أفول حلف الناتو يُشعل نقاشا مصيريا حول جيش أوروبي مستقل
- كل التضامن مع عاملات وعمال سيكوم سيكوميك بمكناس، لنشارك في ا ...
- أسوأ أزمة طاقة في تاريخ كوبا... كيف تواجه هافانا -الاختناق- ...
- جدل في السنغال بعد توقيف 24 شخصا في قضايا أخلاقية


المزيد.....

- ‫-;-وقود الهيدروجين: لا تساعدك مجموعة تعزيز وقود الهيدر ... / هيثم الفقى
- la cigogne blanche de la ville des marguerites / جدو جبريل
- قبل فوات الأوان - النداء الأخير قبل دخول الكارثة البيئية الك ... / مصعب قاسم عزاوي
- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - الشهبي أحمد - مغرب تحت وطأة العواصف