أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - الشهبي أحمد - ديداكتيك الجغرافيا: من نقل المعرفة إلى بناء التفكير في المكان















المزيد.....



ديداكتيك الجغرافيا: من نقل المعرفة إلى بناء التفكير في المكان


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 20:13
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تمهيد

لم تعد الجغرافيا، في صورتها العلمية المعاصرة، مجرد معرفة بأسماء الدول والعواصم والأنهار والجبال، ولا مجرد وصف للتوزيع المجالي للظواهر الطبيعية والبشرية. كما لم يعد تدريسها الناجح يقاس بقدرة المتعلم على استظهار خريطة أو تعريف مفهوم أو استرجاع مجموعة من الأرقام والمؤشرات. فالجغرافيا اليوم أصبحت، قبل كل شيء، طريقة في التفكير في المكان، وفي فهم العلاقات التي تربط الإنسان بالمجال، وفي تحليل توزيع الظواهر وتفسيره، وفي إدراك تعدد المقاييس التي تعمل من خلالها الأحداث والعمليات، وفي فهم أدوار الفاعلين ومصالحهم وتمثلاتهم.

ومن هنا تبرز أهمية ديداكتيك الجغرافيا بوصفها مجالاً علمياً يهتم بالسؤال المركزي الآتي: كيف تتحول المعرفة الجغرافية العالِمة إلى معرفة قابلة للتدريس والتعلم، وكيف يستطيع المتعلم أن ينتقل من معرفة المكان إلى القدرة على التفكير فيه؟

إن هذا السؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يخفي وراءه إشكالات معرفية وتربوية ومنهجية عميقة. فالمعلم لا يدخل إلى القسم حاملاً الجغرافيا كما ينتجها الباحث في الجامعة، ثم يضعها أمام المتعلمين في انتظار أن يستوعبوها. هناك عملية معقدة من الانتقاء والتنظيم والتبسيط وإعادة البناء والتمثيل والتقويم. وفي المقابل، لا يدخل المتعلم إلى درس الجغرافيا فارغاً من المعرفة؛ إنه يحمل معه تمثلاته السابقة، وصوراً ذهنية عن المدينة والقرية والريف والهجرة والفقر والتنمية والمناخ والدولة والحدود، ويأتي أيضاً بتجارب شخصية تشكل جزءاً من فهمه للمجال.

وهنا تحديداً تبدأ مهمة الديداكتيك.

فالدرس الجغرافي الناجح ليس هو الذي يقول فيه الأستاذ أكثر، وإنما الذي يجعل المتعلم يفكر أكثر. وليس الهدف أن يحفظ المتعلم أن سكان العالم يتركزون في مناطق معينة، بل أن يصبح قادراً على طرح السؤال: لماذا يتركزون هناك؟ وكيف؟ وما العوامل؟ ومن المستفيد؟ وما علاقة ذلك بالتاريخ والاقتصاد والمناخ والشبكات والسياسات؟ وليس المطلوب أن يعرف المتعلم معنى التنمية فقط، بل أن يستطيع مساءلة المؤشرات التي تستعمل لقياسها، وأن يدرك أن الواقع المجالي أكثر تعقيداً من رقم أو خريطة أو ترتيب دول.

إن الانتقال من جغرافيا الوصف إلى جغرافيا الفهم، ومن جغرافيا الحفظ إلى جغرافيا التفكير، يمثل أحد أهم التحولات التي ينبغي أن تؤسس عليها الممارسة الديداكتيكية المعاصرة.


---

أولاً: ما ديداكتيك الجغرافيا؟

يمكن النظر إلى ديداكتيك الجغرافيا باعتبارها مجالاً بحثياً يهتم بالعلاقات بين ثلاثة عناصر أساسية: المعرفة الجغرافية، والمدرس، والمتعلم، وما ينشأ بينها من عمليات تحويل وتفاعل وتفاوض وبناء للمعنى.

فالديداكتيك لا تسأل فقط: ماذا نُدرّس؟ وإنما تسأل أيضاً:

كيف نختار ما ينبغي تدريسه؟

لماذا نختار هذه المعرفة دون غيرها؟

كيف ننتقل من المعرفة العلمية إلى المعرفة المدرسية؟

كيف يفكر المتعلم في الظاهرة الجغرافية؟

ما الصعوبات التي تواجهه؟

كيف تتحول الخريطة إلى أداة للتفكير؟

كيف يصبح السؤال الجغرافي مدخلاً إلى بناء المعرفة؟

كيف نقيس قدرة المتعلم على التفكير الجغرافي؟

ومن هذه الزاوية، تختلف الديداكتيك عن مجرد "طرائق التدريس". فالطريقة قد تقدم وصفة إجرائية لإنجاز درس، بينما تهتم الديداكتيك بالبنية العميقة للمعرفة التي يجري تدريسها، وبطبيعة الصعوبات التي تعترض انتقالها من مجال الإنتاج العلمي إلى المجال المدرسي.

وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن الأستاذ يستطيع أن يستعمل وسائل تعليمية حديثة جداً، وأن يعرض فيديوهات وخرائط رقمية وصوراً جوية وأقماراً اصطناعية، لكنه قد يظل يمارس تعليماً تقليدياً إذا كانت هذه الأدوات لا تؤدي إلا وظيفة العرض والزينة.

فالمشكلة ليست في أن تكون لدينا تكنولوجيا أكثر، وإنما في أن يكون لدينا تفكير جغرافي أعمق.


---

ثانياً: من الجغرافيا المدرسية التقليدية إلى الجغرافيا التي تفكر

عانت الجغرافيا المدرسية، في مراحل مختلفة من تاريخها، من اختزالها في وظيفة وصفية. كان المطلوب من المتعلم أن يعرف أسماء الأنهار والجبال والمدن والدول، وأن يحدد مواقعها، وأن يحفظ بعض الأرقام المتعلقة بالسكان أو الإنتاج أو المساحة.

ولا ينبغي إنكار أهمية المعرفة الأساسية؛ فلا يمكن بناء تفكير جغرافي من دون امتلاك حد أدنى من المفاهيم والمعطيات والمرجعيات المكانية. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح المعلومة غاية في ذاتها بدلاً من أن تكون أداة لبناء الفهم.

إن معرفة أن المغرب يقع في شمال غرب إفريقيا لا تكفي وحدها. القيمة التعليمية تظهر عندما يبدأ المتعلم في التفكير في موقع المغرب داخل شبكة من العلاقات: موقعه بالنسبة لأوروبا، وإفريقيا، والمحيط الأطلسي، والبحر المتوسط، ومضيق جبل طارق، وعمقه الإفريقي، وشبكات التجارة والهجرة والطاقة، ثم ينتقل إلى السؤال عن أثر الموقع في العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية وفي تنظيم المجال.

هنا تتحول المعلومة من معرفة ساكنة إلى معرفة وظيفية.

والجغرافيا التي نريدها في المدرسة ليست جغرافيا تحفظ العالم فقط، بل جغرافيا تساعد المتعلم على قراءة العالم.

وهذا التحول يرتبط أيضاً بما طرحه إيف لاكوست في نقده للجغرافيا المدرسية التقليدية، عندما انتقد ما سماه "جغرافيا الأساتذة"، وأعاد التأكيد على أن المعرفة المتعلقة بالمكان يمكن أن تكون معرفة استراتيجية مرتبطة بالقوة والسياسة واتخاذ القرار. وقد أثار كتابه الجغرافيا، إنها تخدم أولاً في صناعة الحرب، الصادر سنة 1976، نقاشاً واسعاً حول وظيفة المعرفة الجغرافية وعلاقتها بالسلطة.

ولا يعني استحضار لاكوست أن وظيفة الجغرافيا المدرسية هي تعليم الحرب أو الجيوسياسة، وإنما يعني أن المتعلم ينبغي أن يدرك أن المكان ليس محايداً دائماً، وأن الخرائط والحدود والموارد والممرات والشبكات والموانئ والمجالات الحضرية كلها يمكن أن تكون موضوعاً للصراع والتفاوض والمنافسة.

وهنا تلتقي الديداكتيك مع التربية على المواطنة.


---

ثالثاً: الجغرافيا ليست حفظاً للأمكنة بل تعلماً للتفكير المكاني

من أهم التحولات في تعليم الجغرافيا المعاصر الانتقال نحو مفهوم التفكير المكاني Spatial Thinking.

فالتفكير المكاني يعني قدرة المتعلم على استخدام الموقع والمسافة والاتجاه والتوزيع والارتباط والحركة والمقياس والعلاقات المكانية لفهم الظواهر وحل المشكلات.

وقد أكد تقرير المجلس الوطني للبحوث في الولايات المتحدة Learning to Think Spatially أن التفكير المكاني ينبغي أن يحظى بمكانة أساسية داخل التعليم، وأنه يمكن أن يكون أداة للاندماج وحل المشكلات عبر مواد مختلفة، كما اعتبر نظم المعلومات الجغرافية GIS إحدى الوسائل التي يمكن أن تدعم هذا النوع من التفكير.

وهذا يجعل من الجغرافيا مجالاً متميزاً في المدرسة؛ لأنها تعلم المتعلم أن يسأل ليس فقط:

ماذا يحدث؟

بل أيضاً:

أين يحدث؟

ثم:

لماذا يحدث هنا؟

ثم:

لماذا لا يحدث بالطريقة نفسها في مكان آخر؟

ثم:

كيف يتغير الأمر إذا غيرنا المقياس؟

هذه الأسئلة الأربعة تكاد تختصر جوهر التفكير الجغرافي.

فعندما ندرس البطالة، مثلاً، فإن السؤال الجغرافي لا يقتصر على معرفة نسبة البطالة، وإنما ينتقل إلى توزيعها المجالي، والفوارق بين المدن والقرى، وبين الجهات، وبين الفئات، ثم إلى تفسير تلك الفوارق من خلال البنية الاقتصادية والتعليمية والديموغرافية والشبكات والبنيات التحتية.

وعندما ندرس الهجرة، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند أعداد المهاجرين، وإنما يتجه نحو خرائط التدفقات، ومناطق الانطلاق والاستقبال، والشبكات العائلية والاقتصادية، وعوامل الجذب والطرد، والسياسات الحدودية، والتحولات الديموغرافية.

بهذه الطريقة يصبح المكان جزءاً من السؤال وليس مجرد خلفية له.


---

رابعاً: المعرفة الجغرافية والمعرفة المدرسية

تطرح الديداكتيك هنا سؤالاً مركزياً يتعلق بما يسمى أحياناً تحويل المعرفة.

فالمعرفة التي ينتجها الجغرافي في الجامعة لا يمكن نقلها إلى المتعلم بالطريقة نفسها.

الباحث قد يشتغل على نموذج رياضي أو بيانات إحصائية معقدة أو قاعدة بيانات ضخمة أو نظرية مجالية متقدمة. أما المدرسة فتحتاج إلى معرفة منتقاة ومنظمة ومناسبة للسن والقدرات والأهداف التعليمية.

لكن التبسيط لا يعني التشويه.

وهذه إحدى أصعب مهام المدرس.

فالمدرس مطالب بأن يبسط دون أن يسقط في التبسيط المخل، وأن يختار الأمثلة دون أن يحول المثال إلى حقيقة مطلقة، وأن يستخدم المفاهيم دون أن يجعلها مجرد تعريفات للحفظ.

لذلك ينبغي التمييز بين:

تبسيط المعرفة

و

اختزال المعرفة.

التبسيط يجعل المعرفة أكثر قابلية للفهم، أما الاختزال فيفقدها بنيتها ومعناها.

فمثلاً، عندما نقول للمتعلم إن "المناخ يؤثر في توزيع السكان"، فهذا تبسيط مقبول كبداية، لكنه يصبح مشكلة إذا تحول إلى قاعدة حتمية. فالتوزيع السكاني ينتج عن تفاعل معقد بين المناخ والتاريخ والاقتصاد والتكنولوجيا والسياسات والشبكات والموروثات الثقافية وغيرها.

الدرس الجغرافي الجيد لا يقدم للمتعلم أجوبة نهائية، بل يمنحه أدوات لفهم تعقيد الواقع.


---

خامساً: تمثلات المتعلم نقطة البداية

لا يبدأ المتعلم درس الجغرافيا من الصفر.

إنه يأتي إلى الفصل محملاً بتمثلات.

قد يعتقد أن المدينة هي مكان مزدحم فقط، وأن القرية تعني الفقر، وأن التنمية تعني ارتفاع الدخل، وأن الهجرة تعني السفر من بلد فقير إلى بلد غني، وأن الجفاف سببه فقط قلة الأمطار، وأن الخريطة صورة مطابقة للواقع.

هذه التمثلات ليست مجرد أخطاء ينبغي محوها؛ إنها نقطة انطلاق للتعلم.

فالديداكتيك الحديثة لا تنظر إلى الخطأ بوصفه فشلاً فقط، بل بوصفه مؤشراً على الطريقة التي يفكر بها المتعلم.

ولذلك يمكن للأستاذ، قبل تقديم درس حول التصحر مثلاً، أن يسأل:

هل كل منطقة قليلة الأمطار تعاني التصحر؟

هذا السؤال البسيط قد يكشف مجموعة كبيرة من التصورات.

ثم يقدم للمتعلمين خرائط للمناخ والغطاء النباتي واستعمالات الأرض، ويطلب منهم المقارنة، ثم تفسير التباينات.

هنا لا يبدأ التعلم من التعريف، بل من المشكلة.

وهذا فرق جوهري.


---

سادساً: السؤال الجغرافي قلب العملية التعليمية

لا توجد جغرافيا حقيقية دون سؤال.

والسؤال الجغرافي الجيد لا ينبغي أن يكون مجرد صيغة لغوية تسبق جواباً محفوظاً.

هناك فرق بين:

"عرّف الهجرة."

و

"لماذا تتركز بعض تدفقات الهجرة بين مجالات محددة رغم اختلاف المسافات والحدود؟"

السؤال الأول يقيس قدرة المتعلم على استرجاع تعريف.

أما الثاني فيفتح أمامه مجالاً للتحليل.

والسؤال الجغرافي يمكن أن يبنى حول:

الموقع،

التوزيع،

التفاوت،

التدفق،

الترابط،

التفسير،

التغير،

المقياس،

الفاعلين،

والآثار.

وهذا يعني أن الأستاذ ينبغي ألا يبدأ دائماً بتقديم المعرفة، بل يمكن أن يبدأ بـمفارقة أو وثيقة أو خريطة أو صورة أو خبر أو معطى إحصائي يثير سؤالاً.

فمثلاً، إذا أراد المدرس تدريس التمدين، يمكن أن يعرض صورتين لمدينة واحدة في فترتين زمنيتين، ثم يسأل:

ماذا تغير؟

ما الذي يمكن تفسيره من خلال الصورة؟

ما الذي لا يمكن للصورة أن تخبرنا به؟

ما المعطيات التي نحتاجها؟

بهذا الشكل يصبح المتعلم باحثاً صغيراً.


---

سابعاً: دراسة الحالة من التمثيل إلى التعميم

تحتل دراسة الحالة مكانة مهمة في ديداكتيك الجغرافيا.

لكن قيمتها لا تكمن في كونها مجرد مثال جذاب.

إذا درسنا مدينة معينة، ثم اكتفينا بوصفها، فإننا لم نحقق بالضرورة تعلماً جغرافياً عميقاً.

القيمة الحقيقية لدراسة الحالة تكمن في قدرتها على الانتقال من:

المحلي → إلى المفهومي → إلى العام.

يمكن مثلاً دراسة مدينة فاس لفهم التحولات الحضرية، أو طنجة لفهم الموانئ والاندماج في الشبكات العالمية، أو تازة لفهم موقع مدينة متوسطة داخل شبكة حضرية وإقليمية، أو منطقة ريفية لفهم التحولات الديموغرافية والاقتصادية.

لكن ينبغي أن يسأل المدرس:

ما المفهوم الذي نريد بناءه؟

ما الظاهرة التي نريد تفسيرها؟

ما الذي يمكن تعميمه؟

وما الذي يبقى خاصاً بهذه الحالة؟

وهذا الأخير بالغ الأهمية؛ لأن أحد أخطر الأخطاء الديداكتيكية هو تحويل المثال إلى قاعدة.

فطنجة ليست "نموذج المغرب"، كما أن مدينة صغيرة ليست نموذجاً لكل المدن.

دراسة الحالة ينبغي أن تكون نافذة على المفهوم، لا بديلاً عنه.


---

ثامناً: الخريطة ليست رسماً بل لغة

إذا كانت هناك أداة ترتبط بالجغرافيا في الوعي المدرسي فهي الخريطة.

لكن المفارقة أن كثيراً من المتعلمين يتعاملون معها بوصفها صورة ينبغي حفظها، لا باعتبارها نظاماً للترميز والتواصل والتحليل.

الخريطة انتقاء.

فالخريطة لا تمثل كل شيء.

وهي اختيار لمقياس معين، وإسقاط معين، ورموز معينة، وألوان معينة، وحدود معينة.

ولهذا فإن تعليم الخريطة ينبغي أن يتجاوز:

"حدد الموقع."

إلى:

"ماذا اختارت الخريطة أن تظهر؟ وما الذي أخفته؟ ولماذا؟ وما نوع المعلومات التي تستطيع الخريطة تقديمها؟ وما المعلومات التي لا تستطيع تقديمها؟"

وهنا يمكن الانتقال إلى التربية النقدية على الخرائط.

فالخريطة ليست الحقيقة نفسها؛ إنها تمثيل للحقيقة.

ومن هنا تصبح قراءة الخريطة عملية مركبة تشمل:

قراءة العنوان،

المصدر،

التاريخ،

المقياس،

الأسطورة،

التوزيع،

التدرج،

الرموز،

العلاقات،

ثم بناء الاستنتاج.

كما يمكن أن يتعلم المتعلم إنتاج خريطة خاصة به.

وهنا يتحول من قارئ للخريطة إلى منتج لتمثيل مجالي.


---

تاسعاً: المقياس الجغرافي وأهمية تغيير زاوية النظر

من المفاهيم الأساسية في التفكير الجغرافي مفهوم المقياس.

فالظاهرة الواحدة قد تبدو مختلفة حسب المقياس الذي ندرسها من خلاله.

الهجرة مثلاً يمكن دراستها على مستوى الأسرة، ثم المدينة، ثم الجهة، ثم الدولة، ثم المجال العالمي.

والتحضر يمكن فهمه من خلال حي، أو مدينة، أو شبكة مدن، أو نظام حضري وطني، أو شبكة حضرية عالمية.

لذلك ينبغي أن يتعلم المتعلم أن تغيير المقياس ليس مجرد تكبير وتصغير للخريطة، بل يمكن أن يؤدي إلى تغيير في تفسير الظاهرة نفسها.

وهذا من أكثر الجوانب التي تجعل الجغرافيا علماً متميزاً.

فما يبدو صحيحاً على مستوى محلي قد لا يكون صحيحاً على المستوى الوطني.

وهذا يفتح الباب أمام تعليم أكثر تعقيداً للواقع.


---

عاشراً: الزمن ليس غائباً عن الجغرافيا

قد يعتقد البعض أن الجغرافيا تهتم بالمكان بينما تهتم التاريخ بالزمن.

وهذا الفصل الحاد بين الزمن والمكان غير صالح لفهم الكثير من الظواهر الجغرافية.

فالمجالات تتغير.

والمدينة التي نراها اليوم ليست المدينة التي كانت موجودة قبل خمسين سنة.

والقرية ليست ثابتة.

والشبكات الاقتصادية تتغير.

والحدود يمكن أن تتغير.

والسواحل تتغير.

والأنهار قد تغير مجاريها.

والمجالات الزراعية تتحول.

لذلك ينبغي أن يتعلم المتعلم قراءة التحول المجالي.

يمكن مثلاً تقديم ثلاث خرائط لمدينة في فترات مختلفة، وطلب تحديد مناطق التوسع، ثم تفسير أسباب التوسع، ثم ربطه بالسكان والاقتصاد والبنية التحتية والسياسات الحضرية.

هنا تتقاطع الجغرافيا مع الزمن دون أن تفقد خصوصيتها.


---

الحادي عشر: الوثيقة الجغرافية ليست حشواً في الدرس

من أكثر الممارسات شيوعاً تقديم مجموعة من الوثائق في الدرس دون أن تكون هناك حاجة حقيقية إليها.

لكن كثرة الوثائق لا تعني بالضرورة جودة التعلم.

قد يكون لدينا عشر خرائط وعشر جداول وعشر صور، لكن المتعلم لا يعرف ماذا يفعل بها.

الوثيقة الجغرافية ينبغي أن تؤدي وظيفة معرفية.

قد تكون وظيفتها:

تقديم معلومة،

إثارة سؤال،

اختبار فرضية،

مقارنة ظواهر،

كشف تناقض،

تفسير توزيع،

أو بناء استنتاج.

لذلك ينبغي أن يسبق اختيار الوثيقة سؤال:

ماذا ستضيف هذه الوثيقة إلى عملية التفكير؟

إذا لم يكن هناك جواب واضح، فربما لا نحتاج إليها.


---

الثاني عشر: الصورة في الجغرافيا بين الوصف والتفسير

أصبحت الصورة من أكثر الوسائل حضوراً في التعليم الجغرافي.

لكن هناك خطر في استعمالها، وهو أن تتحول إلى مجرد مادة للفرجة.

ينبغي أن يتعلم المتعلم الانتقال من:

أرى

إلى

ألاحظ

ثم

أفسر

ثم

أستنتج.

فالصورة الجوية لمدينة، مثلاً، يمكن أن تكشف شبكة الطرق، وأنماط البناء، والمساحات الخضراء، والامتداد العمراني، لكنها لا تفسر وحدها أسباب هذه التنظيمات.

ولهذا يجب أن ترتبط الصورة بوثائق أخرى.


---

الثالث عشر: الإحصاء في درس الجغرافيا

الأرقام ضرورية في الجغرافيا، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا استعملت بلا معنى.

ليس المطلوب أن يحفظ المتعلم عشرات الأرقام، وإنما أن يعرف كيف يقرأ البيانات.

يمكن أن يتعلم:

النسبة المئوية،

معدل النمو،

الكثافة،

المؤشرات،

الجداول،

الرسوم البيانية،

المقارنة،

والاتجاهات الزمنية.

لكن الأهم هو أن يسأل:

ماذا يقول الرقم؟

ماذا لا يقول؟

كيف جرى إنتاجه؟

ما مصدره؟

ما تاريخ البيانات؟

هل المقارنة ممكنة؟

وهل المؤشر يعكس الواقع كله؟

وهنا تصبح التربية الإحصائية جزءاً من التربية الجغرافية.


---

الرابع عشر: نظم المعلومات الجغرافية وثورة جديدة في تعليم الجغرافيا

لا يمكن الحديث عن ديداكتيك الجغرافيا المعاصرة دون الحديث عن نظم المعلومات الجغرافية GIS.

لقد أصبحت التكنولوجيا الجغرافية جزءاً متزايد الأهمية من البحث والتعليم.

وتشير مراجعة منهجية حديثة شملت 257 دراسة منشورة بين 2010 و2024 إلى أن توظيف GIS في تعليم الجغرافيا ارتبط بمجالات مثل المعرفة الجغرافية، والتفكير المكاني، والاستقصاء، وحل المشكلات، مع بروز تحديات تتعلق بالمناهج وتكوين المدرسين والموارد والتنفيذ البيداغوجي.

لكن ينبغي الانتباه إلى مسألة أساسية:

GIS ليس هو الديداكتيك.

امتلاك الحاسوب لا يعني امتلاك التفكير الجغرافي.

يمكن للأستاذ أن يستعمل خريطة رقمية بطريقة تقليدية تماماً، فيطلب من المتعلم تحديد المدن فقط.

لكن يمكنه أيضاً أن يطرح مشكلة:

أين ينبغي بناء مدرسة جديدة؟

ثم يقدم للمتعلمين طبقات تتعلق بالسكان، والطرق، والمرافق، والكثافة، والمسافة، والمخاطر، ويطلب منهم اقتراح موقع وتبرير الاختيار.

هنا تتحول GIS من أداة عرض إلى مختبر للتفكير الجغرافي.

وهذا هو الاستخدام الذي يمنح التكنولوجيا قيمتها التعليمية.


---

الخامس عشر: الذكاء الاصطناعي والجغرافيا المدرسية

تفتح الأدوات الرقمية الحديثة، ومن بينها الذكاء الاصطناعي، أسئلة جديدة أمام ديداكتيك الجغرافيا.

فالمتعلم يستطيع اليوم الحصول على معلومات حول أي مدينة أو دولة في ثوانٍ.

وهذا يعني أن المدرسة لم تعد تستطيع أن تبني وظيفة تعليم الجغرافيا على ندرة المعلومة.

إذا كان الهاتف يستطيع أن يخبر المتعلم بموقع دولة ما، فما الذي يجب أن يتعلمه؟

الجواب هو:

أن يتعلم كيف يسأل.

وكيف يتحقق.

وكيف يقارن.

وكيف يفسر.

وكيف يميز بين المصدر الموثوق والمضلل.

وكيف يقرأ الخريطة.

وكيف يكتشف التحيز.

وكيف يحول البيانات إلى معرفة.

لقد أصبحت قيمة التعليم أقل ارتباطاً بامتلاك المعلومة وأكثر ارتباطاً بامتلاك أدوات التعامل معها.


---

السادس عشر: الجغرافيا الميدانية وإعادة اكتشاف المكان القريب

لا يمكن أن تظل الجغرافيا حبيسة القسم.

فالمجال الحقيقي هو مختبرها الأول.

يمكن للمدرس تنظيم خرجة جغرافية قصيرة داخل المدينة أو القرية أو المجال المحيط بالمؤسسة.

لكن الخرجة ليست نزهة.

إنها عملية بحث.

يمكن للمتعلمين مثلاً دراسة:

استعمالات الأرض،

أنماط السكن،

حركة المرور،

المرافق،

الأنشطة الاقتصادية،

الغطاء النباتي،

النفايات،

المجال العمومي،

توزيع الخدمات،

أو التحولات العمرانية.

ثم يجمعون المعطيات، ويصورون، ويرسمون، ويقيسون، ويقابلون، ويحللون، ويقدمون النتائج.

هنا تتحول الجغرافيا من معرفة عن المكان إلى بحث في المكان.


---

السابع عشر: المجال المحلي بوابة إلى العالمي

من الأخطاء الاعتقاد أن تدريس الجغرافيا العالمية يتطلب دائماً الانطلاق من أماكن بعيدة.

أحياناً يكون العكس أكثر فاعلية.

يمكن أن نبدأ من الحي.

ثم المدينة.

ثم الجهة.

ثم الوطن.

ثم العالم.

فمثلاً، دراسة سوق محلي يمكن أن تقود إلى سؤال حول مصدر السلع، ومن أين تأتي، وكيف تصل، وما الشبكات التي تربط السوق المحلي بالأسواق الوطنية والدولية.

وهكذا يصبح الحي جزءاً من شبكة عالمية.

ويمكن للمتعلم أن يكتشف أن العولمة ليست مفهوماً بعيداً يوجد في الكتب، وإنما ظاهرة حاضرة في هاتفه وملابسه وغذائه وأسفاره واستهلاكه.


---

الثامن عشر: تدريس الجغرافيا بوصفه تربية على المواطنة

الجغرافيا ليست محايدة اجتماعياً.

فهي تتعامل مع قضايا مثل:

الماء،

السكن،

النقل،

الفوارق المجالية،

الهجرة،

التنمية،

البيئة،

الطاقات،

الموارد،

الحدود،

المخاطر،

والعدالة المجالية.

وهذه كلها قضايا تمس المواطن مباشرة.

لذلك ينبغي أن تساعد الجغرافيا المتعلم على فهم المجال الذي يعيش فيه وعلى المشاركة الواعية في النقاشات المتعلقة به.

فعندما يناقش المتعلم مثلاً توزيع المدارس أو المستشفيات، فإنه لا يتعلم فقط الجغرافيا، بل يتعلم أيضاً معنى العدالة المجالية.

وعندما يناقش الماء، فإنه يفهم أن المورد الطبيعي يرتبط بالاقتصاد والسياسة والمجتمع.

وعندما يدرس المدينة، فإنه يكتشف أن تنظيم المجال نتيجة قرارات وفاعلين ومصالح.

وهنا يصبح تعليم الجغرافيا جزءاً من بناء المواطن القادر على فهم المجال والمشاركة في اختياراته.


---

التاسع عشر: الفاعلون في المجال

من التحولات المهمة في الجغرافيا المعاصرة الاهتمام بالفاعلين.

فالمجال لا يتشكل تلقائياً.

هناك الدولة.

والجماعات الترابية.

والمؤسسات.

والشركات.

والسكان.

والمجتمع المدني.

والمستثمرون.

والجمعيات.

والأفراد.

وكل واحد منهم يمتلك موارد ومصالح وتمثلات وقدرات مختلفة.

ولهذا فإن دراسة مشروع عمراني مثلاً ينبغي ألا تكتفي بوصف المشروع، بل يمكن أن تسأل:

من قرر؟

من يمول؟

من يستفيد؟

من يتضرر؟

من يعارض؟

ما البدائل؟

هذه الأسئلة تجعل الجغرافيا أكثر نقدية، وتدرب المتعلم على تحليل المجال باعتباره نتيجة لتفاعل القوى والاختيارات.


---

العشرون: مفهوم التنمية ومشكلة الأرقام

يُعد مفهوم التنمية من أكثر المفاهيم التي تكشف أهمية الديداكتيك.

فإذا قدمنا للمتعلم التنمية باعتبارها مجرد ارتفاع للناتج الداخلي أو الدخل، فإننا نقدم له رؤية ناقصة.

أما إذا طرحنا مؤشرات متعددة، وربطناها بالتعليم والصحة والفقر والبنية التحتية والتفاوتات والبيئة، فإننا نعلمه أن الظاهرة متعددة الأبعاد.

والأهم أن نعلمه أن المؤشر ليس الواقع.

إنه تمثيل للواقع.

وهذه الفكرة، وإن بدت بسيطة، تعد من أهم المهارات العلمية التي ينبغي أن يكتسبها المتعلم.


---

الحادي والعشرون: من الدرس إلى الوضعية المشكلة

يمكن بناء درس جغرافي فعال حول وضعية مشكلة.

لنأخذ مثالاً افتراضياً:

مدينة تعرف توسعاً سريعاً، لكنها تعاني ازدحاماً ونقصاً في بعض الخدمات.

يعطى المتعلمون:

خريطة المدينة،

خريطة السكان،

شبكة الطرق،

مواقع المدارس،

مواقع المستشفيات،

مناطق التوسع،

وصوراً جوية.

ثم يطرح عليهم السؤال:

إذا كُلفتم باقتراح موقع لمرفق عمومي جديد، فأين ستضعونه؟ ولماذا؟

هنا يحتاج المتعلم إلى:

قراءة الخريطة،

تحليل البيانات،

المقارنة،

تحديد الأولويات،

اختيار الموقع،

تقديم الحجة.

هذه ليست مجرد حصة جغرافيا؛ إنها تدريب مصغر على اتخاذ القرار المجالي.


---

الثاني والعشرون: الخطأ الجغرافي بوصفه مدخلاً للتعلم

يمكن للمدرس أن يقدم خريطة تحتوي على خطأ مقصود.

أو تفسيراً غير صحيح.

أو مقارنة غير دقيقة.

ثم يطلب من المتعلمين اكتشاف الخطأ.

هذه الطريقة تدفعهم إلى استخدام معارفهم بدل استرجاعها فقط.

فمثلاً يمكن تقديم العبارة:

"كل المناطق الصحراوية خالية من السكان."

ثم الطلب من المتعلمين مناقشتها.

سيجدون أمثلة مضادة.

ومن خلال ذلك يمكن بناء مفهوم أكثر دقة عن العلاقة بين البيئة والاستقرار البشري.

إن الخطأ هنا يتحول من شيء ينبغي تجنبه إلى أداة للتفكير.


---

الثالث والعشرون: التقويم في ديداكتيك الجغرافيا

إذا كان هدفنا بناء التفكير الجغرافي، فلا يمكن أن يكون التقويم قائماً فقط على أسئلة من نوع:

عرّف.

اذكر.

سمِّ.

حدد.

عدد.

فهذه الأسئلة قد تكون ضرورية في بعض الحالات، لكنها لا تكفي.

ينبغي أن يتضمن التقويم مهاماً مثل:

فسر.

قارن.

حلل.

استنتج.

اقترح.

برر.

ناقش.

أنجز خريطة.

اقرأ جدولاً.

حلل وثيقة.

اختبر فرضية.

ويمكن مثلاً إعطاء المتعلم خريطة لمجال مجهول، وطلب تفسير توزيع ظاهرة معينة.

هنا نقيس القدرة على استعمال المعرفة لا مجرد امتلاكها.


---

الرابع والعشرون: التقويم التكويني

لا ينبغي أن ينتظر الأستاذ نهاية الوحدة الدراسية لاكتشاف أن المتعلمين لم يفهموا المفهوم.

التقويم التكويني يسمح له بتتبع التعلم أثناء حدوثه.

يمكن أن يكون بسيطاً جداً:

سؤال سريع،

خريطة صامتة،

تعليق قصير،

تفسير صورة،

اختيار فرضية،

رسم تخطيطي،

أو بطاقة خروج في نهاية الحصة.

السؤال المهم ليس:

هل حفظ المتعلم؟

فقط.

بل:

كيف يفكر؟

أين تعثر؟

ما المفهوم الذي لم يبنه بعد؟


---

الخامس والعشرون: المدرس الجغرافي ليس ناقلاً للمعلومات

تتغير وظيفة المدرس كلما تغيرت طبيعة المعرفة.

في النموذج التقليدي، كان الأستاذ يمثل المصدر الأساسي للمعلومة.

أما اليوم، فقد أصبحت المعلومات متاحة بكثافة.

وهذا لا يعني أن دور المدرس أصبح أقل أهمية، بل ربما أصبح أكثر تعقيداً.

فالمدرس أصبح:

مصمماً للوضعيات التعليمية،

ومنتقياً للوثائق،

وموجهاً للبحث،

ومحللاً لأخطاء المتعلمين،

ومقوماً،

وميسراً للنقاش،

وضامناً للصرامة العلمية.

إنه لا يتخلى عن دوره، بل ينتقل من مركز المعرفة إلى مركز تنظيم التعلم.


---

السادس والعشرون: التكوين الديداكتيكي للأستاذ

لا يمكن تطوير تدريس الجغرافيا من خلال تغيير الكتب والمناهج فقط.

المعلم نفسه يحتاج إلى تكوين مستمر.

ويشمل ذلك:

التكوين في الجغرافيا العلمية،

والديداكتيك،

والخرائط،

والإحصاء،

والتحليل المكاني،

والتكنولوجيا الجغرافية،

وتصميم الأنشطة،

والتقويم.

وتشير الأدبيات الحديثة حول GIS إلى أن تكوين المدرسين يمثل أحد المحاور الأساسية في نجاح دمج التكنولوجيا الجغرافية في التعليم، إلى جانب المناهج والموارد والدعم المؤسساتي.

وهذا يذكرنا بحقيقة بسيطة:

لا يمكن أن نطلب من المدرس أن يدرس التفكير المكاني إذا لم يحصل هو نفسه على تكوين كاف في التفكير المكاني.


---

السابع والعشرون: نحو ديداكتيك جغرافية مغربية

يحتاج تدريس الجغرافيا في المغرب إلى استثمار أكبر للمجال المحلي.

فالمغرب يقدم مختبراً جغرافياً غنياً للغاية:

الساحل،

الجبال،

الواحات،

المدن الكبرى،

المدن المتوسطة،

القرى،

المجالات الفلاحية،

المجالات السياحية،

المناطق الصناعية،

الموانئ،

المجالات الحدودية،

الهجرة،

التفاوتات المجالية،

الإجهاد المائي،

التحولات الحضرية،

والتغيرات الديموغرافية.

ويمكن أن تصبح هذه القضايا موضوعاً لتعلم قائم على البحث.

فبدلاً من أن يدرس المتعلم "الماء في المغرب" باعتباره فقرة في الكتاب، يمكن أن يشتغل على سؤال حقيقي:

لماذا أصبح تدبير الماء قضية استراتيجية؟

وبدل أن يدرس "التمدين"، يمكن أن يسأل:

كيف تغيرت مدينتنا خلال العقود الأخيرة؟

وبدل حفظ مفهوم التفاوت المجالي:

هل تتوزع الخدمات العمومية بالتساوي داخل المجال الذي نعيش فيه؟

هذه الأسئلة تجعل المنهج أقرب إلى الحياة.


---

الثامن والعشرون: الجغرافيا بين المحلي والوطني والعالمي

من أقوى مبادئ الديداكتيك الجغرافي الربط بين المقاييس.

فالمتعلم ينبغي أن يفهم أن الظاهرة المحلية قد تكون مرتبطة بعمليات وطنية أو عالمية.

فمثلاً، ارتفاع أسعار بعض المواد في سوق محلي قد يرتبط بسلاسل إنتاج عالمية.

وتغير نمط الزراعة في منطقة ما قد يكون مرتبطاً بالسوق الدولية.

وهجرة فرد من قرية صغيرة قد تكون جزءاً من شبكة هجرة عالمية.

وبهذا يتعلم المتعلم أن العالم ليس مجموعة أماكن منفصلة، بل شبكة من العلاقات والتدفقات.


---

التاسع والعشرون: الديداكتيك النقدية للجغرافيا

إذا أردنا جغرافيا حديثة، فلا ينبغي أن نخاف من السؤال النقدي.

يمكن أن نسأل:

من أنتج هذه الخريطة؟

لماذا اختار هذا التصنيف؟

ما الذي يظهر في الصورة؟

ما الذي يغيب؟

من يملك الأرض؟

من يقرر استعمال المجال؟

من يستفيد من المشروع؟

هل المؤشر يكشف الحقيقة كاملة؟

هل التنمية متساوية للجميع؟

هل كل السكان يعيشون المدينة بالطريقة نفسها؟

هذه الأسئلة لا تعني تحويل درس الجغرافيا إلى خطاب سياسي، بل تعني تدريب المتعلم على الصرامة النقدية.

والجغرافيا النقدية هنا لا تقدم للمتعلم أجوبة جاهزة، بل تعلمه أن يسأل عن مصادر المعرفة وعن علاقاتها بالمصالح والسلطة.


---

الثلاثون: أخطر ما يمكن أن يحدث للجغرافيا هو أن تصبح سهلة أكثر من اللازم

قد يبدو هذا الكلام غريباً.

لكن بعض أنواع التبسيط تجعل الجغرافيا سهلة لدرجة تفقد معها طبيعتها العلمية.

عندما نقول:

الفقر سببه التخلف.

الهجرة سببها الفقر.

الجفاف سببه قلة الأمطار.

المدينة مكان الصناعة.

الريف مكان الزراعة.

الشمال غني والجنوب فقير.

فإننا نقدم عبارات سهلة، لكنها غير كافية علمياً.

الجغرافيا الحقيقية أكثر تعقيداً.

والتعليم الجيد لا يخاف من التعقيد، بل يديره.

المطلوب ليس أن نقدم التعقيد الأكاديمي كله للمتعلم، وإنما أن نحميه من التفسيرات السطحية.


---

الحادي والثلاثون: نحو نموذج متكامل لبناء درس جغرافي

يمكن اقتراح نموذج عام يمكن للباحثين والمدرسين الاستفادة منه في تصميم درس أو وحدة جغرافية:

1. الانطلاق من سؤال واقعي

ما المشكلة التي نريد فهمها؟

2. الكشف عن التمثلات

ماذا يعتقد المتعلم مسبقاً؟

3. بناء الفرضيات

ما التفسيرات الممكنة؟

4. تقديم الوثائق

ما الأدلة التي يمكن استخدامها؟

5. معالجة المعلومات

ماذا تقول الخرائط والجداول والصور؟

6. المقارنة

ما أوجه التشابه والاختلاف؟

7. تغيير المقياس

هل تتغير النتيجة عندما ننتقل من المحلي إلى الوطني أو العالمي؟

8. إدخال الفاعلين

من يؤثر في المجال؟

9. بناء المفهوم

ما المعرفة الجغرافية التي يمكن استخلاصها؟

10. إعادة الاستثمار

هل يستطيع المتعلم استخدام المفهوم في حالة جديدة؟

11. التقويم

هل أصبح قادراً على التفسير لا على الاستظهار فقط؟

هذا النموذج لا ينبغي أن يتحول إلى وصفة جامدة، بل إلى إطار مرن يساعد الأستاذ على التفكير في هندسة التعلم.


---

الثاني والثلاثون: نحو "المتعلم الجغرافي"

الهدف النهائي من ديداكتيك الجغرافيا ليس أن يصبح المتعلم جغرافياً محترفاً، وإنما أن يكتسب بعض خصائص التفكير الجغرافي.

المتعلم الجغرافي هو الذي يستطيع:

أن يحدد الموقع؛

ويقرأ الخريطة؛

ويفهم التوزيع؛

ويحلل العلاقات المكانية؛

ويغير المقياس؛

ويقارن المجالات؛

ويفسر الظواهر؛

ويستعمل البيانات؛

ويميز بين الوصف والتفسير؛

ويتعرف إلى الفاعلين؛

ويفهم أن المجال متغير؛

ويطرح الأسئلة؛

ويتحقق من المصادر؛

ويبرر استنتاجاته.

إنه لا يحفظ العالم فقط، بل يفهم كيف يعمل العالم في المكان.


---

خاتمة

إن مستقبل ديداكتيك الجغرافيا لا يكمن في زيادة عدد الخرائط والصور والوسائل الرقمية داخل الفصل، ولا في استبدال الكتاب المدرسي بالشاشة، ولا في تحويل الحصة إلى سلسلة من الأنشطة المتنوعة دون هدف معرفي واضح.

المستقبل الحقيقي يكمن في تغيير السؤال الأساسي الذي نطرحه على أنفسنا عندما ندخل القسم.

بدلاً من أن نسأل:

كيف أشرح هذا الدرس؟

ينبغي أن نسأل:

كيف أجعل المتعلم يفكر في هذه الظاهرة؟

وبدل:

ماذا يجب أن يحفظ؟

نسأل:

ماذا يجب أن يستطيع أن يفعل بهذه المعرفة؟

وبدل أن ننظر إلى الخريطة باعتبارها صورة يجب قراءتها، ننظر إليها باعتبارها لغة ينبغي فهمها.

وبدل أن ننظر إلى المجال باعتباره مسرحاً صامتاً للأحداث، نفهمه باعتباره نتيجة لتفاعل الإنسان والموارد والمؤسسات والاقتصاد والسياسة والثقافة والتاريخ.

إن الجغرافيا المدرسية التي نحتاجها اليوم ليست جغرافيا تقول للمتعلم أين يوجد الشيء فقط، وإنما جغرافيا تجعله يسأل لماذا يوجد هناك؟ وكيف أصبح هناك؟ ومن صنع هذا التوزيع؟ وكيف يمكن أن يتغير؟

وهنا تتحول الجغرافيا من مادة دراسية إلى ثقافة في التفكير.

إنها تعلم الطفل أن العالم ليس مجرد خريطة معلقة على جدار الفصل، بل شبكة معقدة من الأماكن والعلاقات والحركات والتفاوتات والاختيارات. وتعلمه أن المكان ليس قدراً ثابتاً، وأن المجال يمكن أن يتغير، وأن الإنسان ليس مجرد ساكن فيه، بل فاعل يساهم في إنتاجه وإعادة تشكيله.

ومن هذه الزاوية، تصبح ديداكتيك الجغرافيا مشروعاً تربوياً يتجاوز حدود المادة الدراسية نفسها؛ لأنها تسهم في تكوين إنسان يستطيع أن يقرأ المجال الذي يعيش فيه، وأن يفهم التفاوتات التي تحكمه، وأن يميز بين الواقع وتمثيله، وأن يتعامل مع الخريطة والرقم والصورة والبيانات بوصفها أدوات للمعرفة لا حقائق مكتملة بذاتها.

ولعل أعظم درس يمكن أن تمنحه الجغرافيا للمتعلم هو أن لا مكان بريئاً من الأسئلة.

فكل مكان له تاريخ، وكل توزيع له تفسير، وكل خريطة لها وجهة نظر، وكل حدود لها قصة، وكل شبكة لها مركز وأطراف، وكل مجال يحمل آثار اختيارات بشرية.

وعندما يصل المتعلم إلى هذه الدرجة من الوعي، يكون قد تجاوز مرحلة حفظ الجغرافيا إلى مرحلة التفكير جغرافياً.

وهنا تحديداً تبدأ الجغرافيا الحقيقية.


---

مراجع أساسية

مراجع في الجغرافيا وديداكتيكها

Lacoste, Yves (1976), La géographie, ça sert, d abord, à faire la guerre, Paris, Maspero. وقد أعيد نشر الكتاب لاحقاً لدى La Découverte، ويظل من الأعمال المؤثرة في النقاش حول وظيفة المعرفة الجغرافية وعلاقتها بالسلطة والمجال.

National Research Council (2006), Learning to Think Spatially: GIS as a Support System for Spatial Thinking, Washington, D.C., National Academies Press. وهو مرجع أساسي في مفهوم التفكير المكاني وعلاقة نظم المعلومات الجغرافية بالتعلم.

Bondarenko, Olga V. (2025), “Teaching geography with GIS: a systematic review, 2010–2024”, Science Education Quarterly, Vol. 2, No. 1. وتقدم الدراسة مراجعة منهجية لـ257 بحثاً حول تدريس الجغرافيا باستخدام GIS.

Kholoshyn, Ihor et al. (2022), “The application of geographic information systems in schools around the world: a retrospective analysis”، حول تطور استخدام GIS في التعليم المدرسي الجغرافي ومراحله المختلفة.

Kholoshyn, Ihor et al. (2019), “Cloud ArcGIS Online as an innovative tool for developing geoinformation competence with future geography teachers”، حول استخدام GIS السحابي في تكوين مدرسي الجغرافيا.


مراجع نظرية

Chevallard, Yves, La transposition didactique.

Bachelard, Gaston, La formation de l esprit scientifique.

Astolfi, Jean-Pierre, L erreur, un outil pour enseigner.

Perrenoud, Philippe، أعماله حول الكفايات والممارسة المهنية والتقويم.

Audigier, François، أعماله حول تعليم التاريخ والجغرافيا وبناء المعرفة المدرسية.

Mérenne-Schoumaker, Bernadette، أعمالها في ديداكتيك الجغرافيا والتعلم الجغرافي.

Tutiaux-Guillon, Nicole، أعمالها حول ديداكتيك التاريخ والجغرافيا وبناء المعارف المدرسية.

Claval, Paul، أعماله في الفكر الجغرافي وتطور الجغرافيا المعاصرة.

Lévy, Jacques & Lussault, Michel, Dictionnaire de la géographie et de l espace des sociétés.



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طاحت الصَّمْعة علّْقوا المغرب
- حين تدافع الضحية عن جلادها: المازوخية النفسية في البيوت المغ ...
- المكان والهوية والذاكرة: قراءة نقدية في «رحلتي بين النيل وال ...
- حُرّاس بوابات الإيمان
- الشرق الأوسط على شفير الهاوية
- زمن خارج القانون
- مغرب تحت وطأة العواصف
- التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أ ...
- صمود باتريس لومومبا في وجه الجهل والذاكرة الممزقة
- المغرب بعيون العليان
- رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
- الحيط القصير… أطباء وممرضون وأساتذة تحت أنقاض المنظومة
- صحافة الطبل والغيطة
- أقلام للتلاميذ… وديون للآباء
- أمّة اقرأ لا تقرأ
- رسالة مفتوحة إلى أحمد عصيد: دفاعك عن الحرية… أم هوايتك في اس ...
- الربا حرام… والغيبة من فُنون الجلوس
- المستشفى بعين شاهد على الحدث
- -بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-
- الصحافي الحرباء… حين يكتب اللون لا الحقيقة


المزيد.....




- بعد حوادث مميتة.. إدارة الهجرة الأمريكية تتعهد بتزويد عناصره ...
- إيران تتحدث عن شرط جديد لإعادة فتح مضيق هرمز.. ما هو؟
- القانون الإطاري في تركيا: هل تُطوى صفحة الصراع المسلح للأبد؟ ...
- مصدر لـRT: عمان تعلن اتفاقا حول مضيق هرمز خلال ساعات
- أمير سعودي يرد على أكاديمي إماراتي وسط جدال حول -اتفاق مكة ل ...
- الأمن اللبناني يوقف ضابطا سوريّا رفيعا من جيش الأسد في بيروت ...
- مصر تبدأ بتنفيذ ممر عملاق يعيد رسم خريطة التجارة في إفريقيا ...
- رادارات رومانيا تفشل في رصد مسيرة اتجهت نحو بلغاريا
- سفير أمريكي سابق يكشف لـ -CNN- الأسباب الكامنة وراء توقيع ات ...
- أمين مجلس الأمن القومي الإيراني يحدد شروط بلاده على واشنطن ل ...


المزيد.....

- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - الشهبي أحمد - ديداكتيك الجغرافيا: من نقل المعرفة إلى بناء التفكير في المكان